إشارة القرآن الكريم إلىٰ نعيم القبر
بسم اللَّه الرحمن الرحيم وبعد:
فقد كان البال أن نعيم القبر إنما هو من السنة لا القرآن، وكذلك كان الأمر عندي حتىٰ اطلعت علىٰ ما ذكره السلف في تفسير قوله: (فلأنفسهم يمهدون)
قال الطبري في تفسيرها:
”(مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُون)
يقول تعالى ذكره: من كفر باللَّه فعليه أوزار كفره، وآثام جحوده نِعَمَ ربه، (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا)، يقول: ومن أطاع اللٌَه، فعمل بما أمره به في الدنيا، وانتهىٰ عما نهاه عنه فيها: (فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدونَ)
يقول: فلأنفسهم يستعدون، ويسوّون المضجع ليسلموا من عقاب ربهم، وينجوا من عذابه، كما قال الشاعر:
امْهَدْ لنَفْسِكَ حانَ السُّقْمُ والتَّلَفُ ... وَلا تُضِيعَنَّ نَفْسًا ما لَهَا خَلفُ
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ)، قال: يسوّون المضاجع.
حدثنا ابن المثنىٰ والحسين بن يزيد الطحان وابن وكيع وأبو عبد الرحمن العلائي، قالوا: ثنا يحيىٰ بن سليم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ)، قال: في القبر.
حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: ثنا يحيى بن سليم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ)، قال: للقبر.
حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثنا يحيىٰ بن سليم، قال: ثنا ابن أبي نجيح، قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: (فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ)، قال: في القبر.”
المعنىٰ المروي ثابت عن مجاهد، فتفسير ابن أبي نجيح من كتاب القاسم بن أبي بزة، كما قال سفيان بن عيينة.
ومجاهد قد أخذ التفسير عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما.
وقال يحيىٰ بن سلام في تفسيره:
”{وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ}، يُوَطِّئُونَ فِي الدُّنْيَا الْقَرَارَ فِي الآخِرَةِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ.
عَاصِمُ بْنُ حَكِيمٍ، أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: يُسَوُّونَ الْمَضْجَعَ.”
وقوله تعالىٰ عام لا موجب لتخصيصه، يعم تسوية وتهيئة منزل القبر ومضجعه ومنزل الآخرة ومضجعها، فكل ذلك يسويه ويُعدِه المؤمن بعمله الصالح ليرتاح ويتنعم.
ولا شك أن تسوية مضجع القبر ومنزله من نعيم القبر.
وقد ذُكر نعيم القبر في السنة بتفصيل غير أن أصل الباب ثابت من القرآن الكريم.
وليحتسب العامل تسوية مضجعه وتوطئته بعمله الصالح، وليسأل ربه من خير نعيم القبر
والحمد للَّه رب العالمين.
تعليقات
إرسال تعليق