المشاركات

عرض المشاركات من يوليو, 2024

هل يصح قياس ابن خزيمة علىٰ أبي ثور؟

بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّه وعلىٰ آله وصحبه ومن ولاه، وبعد: فقد روىٰ مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ قال: ”إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَىٰ صُورَتِهِ“ أقول: المراد بالصورة هاهنا صورة الوجه فقط يعني خلق آدم ﷺ علىٰ صورة وجهه، فصورة وجه آدم على صورة وجه اللَّه جل وجهه وهذا هو الصواب لأن رسول اللَّه ﷺ علق النهي عن ضرب الوجه بخلقه جل وعز آدم علىٰ صورته فلو كان المراد كل الصورة لما جاز ضرب جسد الإنسان كله، ولما كان للوجه مزية بحيث لا يُضرب دون غيره، فلكان قول النبي ﷺ: ”فليتجنب الوجه”، غير مفهوم في معناه إذ كل الجسد لا يجوز ضربه فالأمر بتجنب الوجه يعني وقوع الضرب في غيره فهذا معقول كلامه ﷺ  ولو كان المراد دخول غير الوجه كاليد والساق وغير ذلك لما كان هذا معقولًا إذ لا مزية للوجه في مثل هذا التفسير  فهذا يقتضي أن المراد بعلىٰ صورته أي صورة الوجه فقط لا غير، فلا يدخل بهذا صورة الساق واليد وغير ذلك والسياق يدل علىٰ هذا فهو عن الوجه، والكلام إنما يُوجَّه إلىٰ المعنىٰ الذي يحتمله في سياقه  قال ابن تيمية في بيان تلب...

الحكمة من تكرار القصص والأنباء في القرآن...

بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّه وعلىٰ أهل بيته وصحبه ومن ولاه، وبعد: قال ابن قتيبة في باب الحكاية عن الطاعنين بالقرآن كما في تأويل مشكل القرآن: ” وتكلموا في الكناية، وفي تكرار الأنباء والقصص، من غير زيادة ولا إفادة “  ثم قال ابن قتيبة ردًّا عليهم في باب تكرار الكلام والزيادة فيه [٣٣٠ - ٣٣٣]: ” وأمّا تكرار الأنباء والقصص، فإنَّ اللّٰه تبارك وتعالىٰ أنزل القرآن نجومًا في ثلاث وعشرين سنة، بفرضٍ بعد فرضٍ:  تيسيرّا منه علىٰ العباد وتدريجًا لهم إلىٰ كمال دينه ووَعظٍ بعد وعظٍ تنبيهًا لهم من سنة الغفلة، وشحذًا لقلوبهم بمتجدد الموعظة وناسخٍ بعد منسوخٍ: استعبادًا لهم واختبارًا لبصائرهم، يقول اللّٰه عز وجل: {وَقالَ الَّذينَ كَفَروا لَولا نُزِّلَ عَلَيهِ القُرآنُ جُملَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلناهُ تَرتيلًا} الخطاب للنبي صلّىٰ اللّٰه عليه وسلّم، والمراد بالتثبيت هو والمؤمنون وكان رسول اللّٰه يتخول أصحابه بالموعظة مخافةَ السآمة عليهم، أي يتعدهم بها عند الغفلة ودثور القلب ولو آتاهم القرآن نجمًا واحدًا بسبَقَ حدوث الأسباب التي أنزله اللّٰه بها ولثقُلت ...

ما داعي علم أصول الفقه وما فائدته...

بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّه وعلىٰ آله وصحبه ومن ولاه، وبعد: فما داعي علم أصول الفقه وما ثمرته؟، وهل عرفه الصحابة كأبي بكر وعمر رحمهما اللَّه؟ والجواب: لما ظهرت مدارس فقهية سيئة ومناهج باطلة في التعامل مع النصوص الفقهية قام مقتضىٰ علم أصول الفقه فمثلًا ظهرت مدرسة أهل الرأي وجعل أصحابها دليل القياس التبعي - أي تبعي للنص إذ هو لولاه لما وُجِدَ أصلًا - دليلًا أصليًّا قائمًا بنفسه حتىٰ جاز عندهم معارضة النص أو الحديث به، وحتىٰ جاز عندهم الفزع إلىٰ القياس من دون استفراغ النظر في الأثر وقالوا: خبر الواحد لا نقبله إن خالف القياس، وأما إن لم يكن الخبر خبر واحد فنقبله ونحن نقول: الحديث والآية أصلان قائمان بنفسهما، فلا يقدم عليهما دليل تبعي، فكيف يعقل أن تعارض النص بشيء استُفِيدَ منه بالأساس؟ وهذا علىٰ فرض مخالفة الحديث أو الآية للقياس حقًّا ونقول أيضًا: إنما القياس في الضرورات، وهو تبع فلا يصح أن يُفزَع عليه ويُنظَر إليه كأصل من قبل استفراغ النظر في الأصل الحقيقي الذي هو النص ولهذا كان سفيان الثوري يقول في ذم إمام أهل الرأي: (كان أبو حنيفة نبطيًّا استنبط الأمور برأيه)، والاستنباط...

معاني الهداية في القرآن الكريم...

بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّه وآله، وبعد: قال ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن [٥٤١ - ٥٤٢]: ” ٢- الهدىٰ أصل هَدَى أرشَدَ، كقوله: {عسىٰ ربي أن يهديني سواء السبيل}. وقوله: {واهدنا إلى سواء الصراط}، أي أرشدنا. ثم يصير الإرشاد بمعانٍ: كقوله: {وأما ثمود فهديناهم}، أي بينا لهم. وقوله: {أولم يهد لهم كم أهلكنا}، أي أو لم يبين لهم. وقوله: {أولم يهد للذين يرثون الأرض}، أي ألم يبين لهم. فالإرشاد في جميع هذه بالبيان. ومنها إرشاد بالدعاء، كقوله: {ولكل قوم هاد}، أي نبي يدعوهم. وقوله: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا}، أي يدعون، {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} أي تدعو. ومنها إرشاد بالإلهام، كقوله: {الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}، أي هدىٰ صورته من الإناث ثم هدى أي ألهمه إتيان الأنثىٰ، ويقال: طلب المرعىٰ وتوقي المهالك. وقوله عز وجل: {والذي قدر فهدى}، أي هدى الذكر بالإلهام لإتيان الأنثىٰ ومنها إرشاد بالإمضاء، كقوله: {وأن اللَّه لا يهدي كيد الخائنين}، أي لا يمضيه ولا ينفذه، ويقال: لا يصلحه. وبعض هذا قريب من بعض “ أقول: يقال: هدَى يهدي هُدًى وهدايةً وهديًا وهُدًى علىٰ وزن فُعَل مصدر سماعي نادر لم يأت م...

إشارة القرآن الكريم إلىٰ نعيم القبر

بسم اللَّه الرحمن الرحيم وبعد: فقد كان البال أن نعيم القبر إنما هو من السنة لا القرآن، وكذلك كان الأمر عندي حتىٰ اطلعت علىٰ ما ذكره السلف في تفسير قوله: (فلأنفسهم يمهدون) قال الطبري في تفسيرها: ”(مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُون) يقول تعالى ذكره: من كفر باللَّه فعليه أوزار كفره، وآثام جحوده نِعَمَ ربه، (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا)، يقول: ومن أطاع اللٌَه، فعمل بما أمره به في الدنيا، وانتهىٰ عما نهاه عنه فيها: (فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدونَ) يقول: فلأنفسهم يستعدون، ويسوّون المضجع ليسلموا من عقاب ربهم، وينجوا من عذابه، كما قال الشاعر: امْهَدْ لنَفْسِكَ حانَ السُّقْمُ والتَّلَفُ ... وَلا تُضِيعَنَّ نَفْسًا ما لَهَا خَلفُ وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ)، قال: يسوّون المضاجع. حدثنا ابن المثنىٰ والحسين بن يزيد الطحان وابن وكيع وأبو عبد الرحمن العلائي، قالوا: ثنا يحيىٰ بن سليم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (فَلأنْفُسِهِ...

معنىٰ الإمام في القرآن الكريم

بسم اللَّه الرحمن الرحيم، وبعد: فقد قال ابن قتيبة وما أحسن ما قال: ”الإمام: أصله ما أئتمتت به، (إني جاعلك للناس إماما)، أي يؤتم بك، ويُقتَدَى بسنته.” هذا من كتابه تأويل مشكل القرآن. وقال أحمد بن فارس في مقاييس اللغة: ”وَالْإِمَامُ: كُلُّ مَنِ اقْتُدِيَ بِهِ وَقُدِّمَ فِي الْأُمُورِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمَامُ الْأَئِمَّةِ، وَالْخَلِيفَةُ إِمَامُ الرَّعِيَّةِ، وَالْقُرْآنُ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ.” وقال أبو عبد اللَّه البخاري في صحيحه: ”وقال ابن عباس ... إلىٰ أن ذكر قوله: ﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾، الْإِمَامُ كُلُّ مَا ائْتَمَمْتَ وَاهْتَدَيْتَ بِهِ.” وقال ابن أبي حاتم في تفسيره: ”١١٧٤ - حَدَّثَنَا عِصَامُ بْنُ رَوَّادٍ الْعَسْقَلانِيُّ بِهَا، ثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيع، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، فَجَعَلَهُ اللَّهُ إِمَامًا يُؤْتَمُّ وَيُقْتَدَى بِهِ.” هذا سند مقبول، وأبو جعفر يحتمل في مثل هذا المقطوع القصير علىٰ ما فيه. وقال سفيان الثوري في تفسيره: ”عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ م...

قاعدة فيما يضاف إلىٰ اللَّه سبحانه...

بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّه، وبعد: قال أبو سعيد الدارمي في النقض علىٰ المريسي (٥١ -٥٢ /ت الشوامي): ” أَرَأَيْتُمْ قَوْلَكُمْ: إِنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ مَخْلُوقَةٌ. فَمَنْ خَلَقَهَا؟، أَوْ كَيْفَ خَلَقَهَا؟، أَجَعَلَهَا أَجْسَامًا وَصُوَرًا تَشْغَلُ أَعْيَانُهَا أَمْكِنَةً دُونَهُ مِنَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ؟، أَمْ مَوْضِعًا دُونَهُ فِي الهَوَاءِ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: لَهَا أَجْسَامٌ دُونَهُ، فَهَذَا مَا تَنْفِيهِ عُقُولُ العُقَلَاءِ. وَإِنْ قُلْتُمْ: خَلَقَهَا عَلَىٰ ألسِنَةِ العِبَادِ، فَدَعَوْهُ بِهَا، وَأَعَارُوهَا إِيَّاهُ، فَهُوَ مَا ادَّعَيْنَا عَلَيْكُمْ: إِنَّ اللَّهَ بِزَعْمِكُمْ كَانَ مَجْهُولًا لَا اسْمَ لَهُ حَتَّىٰ حَدَثَ الخَلْقُ فَأَحْدَثُوا أَسْمَاءً مِنْ مَخْلُوقِ كَلَامِهِمْ. وَهَذَا هُوَ الإلحادُ بِاللَّهِ وَفِي أَسْمَائِهِ، وَالتَّكْذِيبُ بِهَا. قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)]، كَمَا نُضِيفُهُ إِلَىٰ اللَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَلَوْ كَانَ كَمَا ادَّعَيْتُمْ لَقِيلَ: الحَمْدُ لِلَّه...

معنىٰ المغفرة...

بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول، وبعد: قال ابن قتيبة في غريب القرآن [١٤ - ١٥]: ” ٦ - ومن صفاته: الغفور. وهو من قولك: غفرت الشيء إذا غطيته، كما يقال: كفرته إذا غطيته. ويقال: كذا أغفر من كذا أي: أستر. وغَفْرُ الخَزِّ والصوف ما علا فوق الثوب منها كالزِّئْبِر. سمي غفرًا، لأنه ستر الثوب. ويقال لجُنَّة الرأس: مِغفرٌ، لأنها تستر الرأس. فكأن الغفور: الساتر لعبده برحمته، أو الساتر لذنوبه. ونحوٌ منه قولهم: تَغَمَّدْني برحمتك؛ أي: ألبِسْني إياها، ومنه قيل: غِمْدُ السيف،  لأنَّه يُغمد فيه، أي: يُدخل. ” أقول: غَفُور علىٰ فَعُول اسم مشتق من المصدر غَفْر وهو صيغة مبالغة لأن المراد كثرة المغفرة ووسعها كما قال تعالىٰ: (إن ربك واسع المغفرة) فنسأل اللَّه أن يغفر لنا خطايا وأن يمسح عنا أثارها وأن يرحمنا إنه هو الغفور الرحيم. وفي كلام ابن قتيبة فائدة لطيفة، وهي أنه ربط المغفرة بسببها الحقيقي وهو الرحمة إذ قال: (الساتر لعبد برحمته) ومثل هذا أي ربط الصفة بالصفة المرتبطة بها وذكر الصفة بالصفة المتعلقة بها دليل علىٰ الإثبات بلا تفويض، فالذي يفوض صفة الرحمة كيف برطبها بصفة أخرىٰ ويجعلها سببًا لها بما ي...