هل للَّه عز وجل علم فعلي؟

بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّه، وبعد:

فقد تتابعت غير آية في غير مرة علىٰ الدلالة المشتبهة بأن للَّه عِلمًا سيكون، ولم يَسبِق المعلوم، خلاف ما تتابعت عليه آيات هي أكثر علىٰ الدلالة القاطعة بأن للَّه علمًا سابقًا بكل معلوم.

وذلك كنحو قوله تعالىٰ: (إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب علىٰ عقبيه)، (إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك)، وما شابه ذلك.

وقد اختُلِفَ فيها، فبعضهم فسرها علىٰ أن علم اللَّه عز وجل علىٰ نوعين.

وأن المعني بتلك الآيات العلمُ بالأشياء ظاهرةً موجودةً كائنةً أي العلم بوجودها وظهورها وكونها إذا وُجِدت وظهرت وكانت، فهو العلم الذي به يقع الثواب والعقاب والجزاء.

وهو إن كان كذلك فغير دافعٍ ولا نافٍ للعلم الأصل الآخر بالأشياء قبل وجودها وظهورها وكونها أنها ستظهر وتُوجَد وتَكون.

قال ابن قتيبة وهو من علماء السلف وأئمتهم ورواتهم الثقات:

” ﴿وَلَقَد صَدَّقَ عَلَيهِم إِبليسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعوهُ إِلّا فَريقًا مِنَ المُؤمِنينَ (٢٠) وَما كانَ لَهُ عَلَيهِم مِن سُلطانٍ إِلّا لِنَعلَمَ مَن يُؤمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّن هُوَ مِنها في شَكٍّ﴾ 

تأويله: أن إبليس لما سأل اللّٰه تبارك وتعالىٰ النظرة فأنظره، قال: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُم وَلَأُمَنِّيَنَّهُم وَلَآمُرَنَّهُم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأَنعامِ وَلَآمُرَنَّهُم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلقَ اللَّهِ و لَأَتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصيبًا مَفروضًا﴾

وليس هو في وقت هذه المقالة مستيقنًا أن ما قدره اللّٰه فيهم يتم، وإنما قاله ظانًّا، فلما اتبعوه وأطاعوه صدق ما ظنه عليهم فيهم.

ثم قال اللّٰه: وما كان تسليطنا إياه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ﴾، أي المؤمنين من الشاكين.

وعلم اللّٰه نوعان:

 أحدهما: علم ما يكون من إيمان المؤمنين، وكفر الكافرين، وذنوب العاصين، وطاعات المطيعين، قبل أن تكون، وهذا عِلمٌ لا تجب به حجةٌ، ولا تقع عليه مثوبةٌ ولا عقوبةٌ.

والآخر: علم هذه الأمور ظاهرةً موجودةً، فيحِقُّ القولُ، ويقع بوقوعها الجزاء.

فأراد اللّٰه جل وعز: ما سلطناه عليهم إلا لنعلم إيمان المؤمنين ظاهرًا موجودًا، وكفر الكافرين ظاهرًا موجودًا.

وكذلك قوله سبحانه: ﴿أَم حَسِبتُم أَن تَدخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمّا يَعلَمِ اللَّهُ الَّذينَ جاهَدوا مِنكُم وَيَعلَمَ الصّابِرينَ﴾

أي يعلم جهاده وصبره موجودًا يجب له به الثواب. “

هذا كلامه من كتابه تأويل مشكل القرآن.

- وقد ذكر الطبري قولًا غير منسوب لقائله في قوله تعالىٰ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بالآخِرَةِ﴾

فقال: « قيل: عُنِي بقوله: إلا لنعلم ذلك موجودًا ظاهرًا، ليستحق به الثواب أو العقاب. »

يريد واللَّه أعلم قول ابن قتيبة ومن قال به من أهل التفسير من السلف، وقد ذكر ابن تيمية ذلك القول عن مفسري السلف.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوىٰ:

” وأما قوله تعالىٰ:﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾، وقوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾، ونحو ذلك.

فهذا هو العلم الذي يتعلق بالمعلوم بعد وجوده، وهو العلم الذي يترتب عليه المدح والذم، والثواب والعقاب، والأول هو العلم بأنه سيكون، ومجرد ذلك العلم لا يترتب عليه مدح ولا ذم، ولا ثواب ولا عقاب، فإن هذا إنما يكون بعد وجود الأفعال.

وقد روي عن ابن عباس أنه قال في هذا: لنرى، وكذلك المفسرون قالوا: لنعلمه موجودًا بعد أن كنا نعلم أنه سيكون. “

يريد أن من كمال عدله عز وجل أنه لم يُرتِّب ويُوقِع عقابًا أو ثوابًا ولا ذمًّا أو مدحًا إلا بعلمه بالأفعال ظاهرةً موجودةً، دون علمه السابق بها قبل أن تقع أنها ستقع.

وهو كقول ابن قتيبة في أن العلم السابق لا تجب به حجة، ولا يقع به ثواب ولا عقاب، فإن ذلك يجب بالعلم الفعلي.

فإن قيل: فهذا العلم الذي ذكرته أهو متجدد كائنٌ يعد أن لم يكن أم لا، فإن كان كذلك فهو من الصفات الاختيارية التي تكون عن اختيار، فكيف يكون في ذلك العلم اختيار وهو علم لازم لا بد منه بكون الكائن؟

ثم إن تلك الصفات تكون بمشيئة اللَّه، ولا تكون إذا لم يشأ، فكيف يكون ذلك العلم بكون الشيء بمشيئته، فيكون لو لم يشأ ولا اختار علم ذلك لم يعلمه؟

قيل: إن العلم بنفس كون الشيء أنه كان ووجوده أنه وُجِد قدرٌ زائدٌ من العلم علىٰ العلم بأنه سيكون وسيُوجد، وهو علم كائن بالمشيئة، لأن اللَّه تعالىٰ إن شاء أن يُوجد الشيء ويكون عَلِم كونه ووجوده، فعلمه بذلك مسبوق بمشيئته، وإن لم يشأ أن يكون الشيء ولا أن يُوجد، فلا يقال: لم يعلم كونه ووُجودَه، لأنه غير موجود ولا كائنٍ بعد، فليس كونه ولا وجوده شيئًا يُعلم.

وكون ذلك العلم لازمًا لا بد منه لا يغير أنه من صفات الاختيار، لأنه إنما يلزم إن شاء أن يكون الكائن، فحينئذ يلزم ذلك العلم بكونه.

وهذا الذي ذكرت نظير قولنا في الإرادة: إنها من صفات الاختيار الكائنة بمشيئته، لأن إرادته اللاحقة مسبوقة بإرادته السابقة، لأنه قال: ﴿{إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ 

وإنما أراد أن يقول له كن، إذ أراده، فإرادته الأولىٰ مسبوقة بالثانية، وبها كانت.

وكذلك هو نظير قولنا في السمع والبصر: إنهما من صفات الاختيار الكائنة بمشيئته، لأنه إنما يسمع الصوت إن شاء أن يوجد، ويبصر الموجود إن شاء أن يوجد، فالسمع والبصر لذلك مسبوقان بمشيئته.

وكون ذلك السمع والبصر لازمًا لا بد منه لا يحيل ذلك عن كونه من صفات الاختيار، لأنه إنما يلزم ذلك إن شاء أن يوجد الصوت والموجود، فحينئذ يلزم سمعه له وإبصاره.

قال ابن تيمية في رسالة الصفات الاختيارية:

” فَإِن قيل: أما كَون الْكَلَام وَالْفِعْل يدْخل فِي الصِّفَات الاختيارية، فَظَاهر، فَإِنَّهُ يكون بِمَشِيئَة الرب وَقدرته.

وَأما الْإِرَادَة والْمحبَّة والرِّضَا والْغَضَب، فَفِيهِ نظر، فَإِن نفس الْإِرَادَة هِيَ الْمَشِيئَة، وَهُوَ سُبْحَانَهُ إِذا خلق من يُحِبهُ كالخليل، فَإِنَّهُ يُحِبهُ وَيُحب الْمُؤمنِينَ وَيُحِبُّونَهُ.

وَكَذَلِكَ إِذا عمل النَّاس أعمالًا يَرَاهَا، وَهَذَا لَازم لَا بُد من ذَلِك، فَكيف يدْخل فِي الِاخْتِيَار؟

قيل: كل مَا كَانَ بعد عَدمه، فَإِنَّمَا يكون بِمَشِيئَة اللَّه وَقدرته، وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن، فَمَا شاءه وَجب كَونه، وَهُوَ يجب بِمَشِيئَة الرب وَقدرته، وَمَا لم يشأه امْتنع كَونه مَعَ قدرته عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها﴾، ﴿وَلَو شَاءَ الله مَا اقتتل الَّذين من بعدهمْ﴾، ﴿وَلَو شَاءَ رَبك مَا فَعَلُوهُ﴾ 

فكون الشَّيْء وَاجِب الْوُقُوع لكَونه قد سبق بِهِ الْقَضَاء، وَعلم أَنه لَا بُد من كَونه لَا يمْتَنع أَن يكون وَاقعًا بمشيئته وَقدرته وإرادته وَإِن كَانَت من لَوَازِم ذَاته كحياته وَعلمه.

فَإِن إِرَادَته للمستقبلات هِيَ مسبوقة بإرادته للماضي: ﴿إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾، وَهُوَ إِنَّمَا أَرَادَ هَذَا الثَّانِي بعد أَن أَرَادَ قبله مَا يَقْتَضِي إِرَادَته، فَكَانَ حُصُول الْإِرَادَة اللاحقة بالإرادة السَّابِقَة. “

ولذلك فقولنا: إن ذلك العلم من صفات الاختيار ، ليس معناه أنه إن شاء أو اختار أن لا يعلم ذلك العلم لم يعلمه.

وقال ابن تيمية في تتمة كلامه المذكور:

” وهذا المتجدد فيه قولان مشهوران للنظار:

منهم من يقول: المتجدد هو نسبة وإضافة بين العلم والمعلوم فقط، وتلك نسبة عدمية.

ومنهم من يقول: بل المتجدد علم بكون الشيء ووجوده، وهذا العلم غير العلم بأنه سيكون، وهذا كما في قوله: (وقل اعملوا فسيرى اللَّه عملكم ورسوله والمؤمنون)، فقد أخبر بتجدد الرؤية، فقيل: نسبة عدمية، وقيل: المتجدد أمر ثبوتي.

والكلام علىٰ القولين، ومن قال هذا وهذا، وحجج الفريقين، قد بُسطت في موضع آخر، وعامة السلف وأئمة السنة والحديث علىٰ أن المتجدد أمر ثبوتي كما دل عليه النص.

وهذا مما هجر أحمد بن حنبل الحارث المحاسبي علىٰ نفيه، فإنه كان يقول بقول ابن كلاب، فر من تجدد أمر ثبوتي وقال بلوازم ذلك، فخالف من نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف ما أوجب ظهور بدعة، اقتضت أن يهجره الإمام أحمد ويحذر منه. 

وقد قيل: إن الحارث رجع عن ذلك، والمتأخرون من أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة علىٰ قولين: منهم من سلك طريقة ابن كلاب وأتباعه، ومنهم من سلك طريقة أئمة السنة والحديث، وهذا مبسوط في موضعه. “

أقول: ومع ذلك فالمسألة دقيقة يدق علمها، واللَّه الموفق لفهمها، فمن عصي عليه فهمها، فليسأل اللَّه ذلك من فضله، وإلا فليسلم لما قال اللَّه علىٰ ما فسر السلف، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه.

فهذا كذلك والذي ذكره الشيخ عن ابن عباس لا أعرفه، والذي أعرفه قد رُوِي عن ابن عباس ومجاهد تلميذه المختص به، أنه قال: لنميز، وسنتكلم عن هذا القول.

قال البخاري في صحيحه:

” قَالَ مُجَاهِدٌ: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ}، عَلِمَ اللَّهُ ذَلِكَ، إِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ فَلِيَمِيزَ اللَّهُ كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ﴾ “

وقال ابن أبي حاتم في تفسيره:

” ١٣٤١ - حدثنا أبي، ثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ 

قال ابن عباس: لنميز أهل اليقين من أهل الشك والريبة. ”

وقال:

” ٤٢٣٥ - حدثنا محمد بن العباس، قال: قال محمد بن إسحاق: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي ليميز بين المؤمنين والمنافقين، وليكرم من أكرم من أهل الإيمان بالشهادة. “

وقال الطبري في تفسيره:

” حدثني المثنىٰ، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾

قال ابن عباس: لنميز أهل اليقين من أهل الشرك والريبة. “

فهذا الذي أعرفه علىٰ علمي القاصر مروي عن ابن عباس، ومذكور عن تلميذه مجاهد الذي أخذ تفسيره.

فإن قيل: فما معنىٰ هذا القول؟

قيل: قد قال الطبري في تفسيره:

” فإن قال: فما معنىٰ ذلك؟

قيل له: أما معناه عندنا، فإنه: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ليعلم رسولي وحزبي وأوليائي من يتبع الرسول ممن ينقلب علىٰ عقبيه، فقال جل ثناؤه: (إلا لنعلم)، ومعناه: ليعلم رسولي وأوليائي. إذ كان رسول اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم وأولياؤه من حزبه.

وكان من شأن العرب إضافة ما فعلته أتباع الرئيس إلىٰ الرئيس، وما فعل بهم إليه، نحو قولهم: فتح عمر بن الخطاب سواد العراق، وجبىٰ خراجها، وإنما فعل ذلك أصحابه عن سبب كان منه في ذلك.

وكالذي روي في نظيره عن النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم أنه قال: يقول اللَّه جل ثناؤه: مرضت، فلم يعدني عبدي، واستقرضته، فلم يقرضني، وشتمني، ولم ينبغ له أن يشتمني.

٢٢٠٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خالد، عن محمد بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم: قال اللَّه: استقرضت عبدي، فلم يقرضني، وشتمني، ولم ينبغ له أن يشتمني، يقول: وادهراه، وأنا الدهر، أنا الدهر.

٢٢٠٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم بنحوه.

فأضاف تعالىٰ ذكره الاستقراض والعيادة إلىٰ نفسه، وقد كان ذلك بغيره، إذ كان ذلك عن سببه.

وقد حكي عن العرب سماعًا: أجوع في غير بطني، وأعرىٰ في غير ظهري، بمعنى: جوع أهله وعياله وعري ظهورهم،

فكذلك قوله:(إلا لنعلم)، بمعنى: يعلم أوليائي وحزبي.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٢٢٠٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ 

قال ابن عباس: لنميز أهل اليقين من أهل الشرك والريبة. “

فعلىٰ قول الطبري فقوله تعالىٰ: (إلا لنعلم)، كقوله: (فكذبوه فعقروها)، وإنما عقرها واحد كما قال: (كذبت ثمود بطغواها ١١ إذ انبعث أشقاها)

فقال ذلك جل جلاله، فنسب العقر لهم، إذ كان عن أمرهم، إذ: (نادوا صاحبهم فتعاطىٰ فعقر)

وهذا مثله في كلام العرب، فمن مجازهم الذي هو طرقهم في كلامهم، وتفننهم في خطابهم، أن ينسبوا فعل الفعل لمن تسبب به، وأن يوقعوه عليه بيانًا أنه قد كان بأمره وإذنه، إذ كان مع ذلك ظاهرًا عند المخاطب في سياقة الخطاب والعقل العام عند كل أحد أن الفعل ليس بواقع عليه وأنه ليس بفاعل له أي أن نسبته له نسبة تسبيب لا مباشرة.

يقول الأمي: كتبت إليك، فيُظهر أنه الكاتب، ليبين أن الكتابة قد كانت بأمره للمخاطب، وظاهر عند العربي مع ذلك إذ سمع قوله أنه غير كاتب، وأن غيره ولي الكتابة عنه، إذ كان معقولًا في العادة أن الأمي لا يكتب، وفي الكلام مع ذلك مآخذ وتفنن.

وكذلك يقول الرجل: بنىٰ الأمير كذا وكذا، فهذا مثل ذلك، إذ كان معقولًا في العادة أن الأمير لا يلي البناء، بل غيره يليه عن أمره، فهذا وفي الكلام مع ذلك مجاز.

- وكذلك قول النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم في الحديث الصحيح: « إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يقولُ يَومَ القيامةِ: يا ابنَ آدَمَ، مَرِضتُ، فلَم تَعُدْني، قال: يا رَبِّ، كيفَ أعودُك وأنتَ رَبُّ العالَمينَ؟، قال: أما عَلِمتَ أنَّ عَبدي فُلانًا مَرِضَ، فلَم تَعُدْه؟، أما عَلِمتَ أنَّك لو عُدتَه، لَوجَدتَني عِندَه؟

يا ابنَ آدَمَ، استَطعَمتُك، فلَم تُطعِمْني، قال: يا رَبِّ، وكيفَ أُطعِمُك وأنتَ رَبُّ العالَمينَ؟، قال: أما عَلِمتَ أنَّه استَطعَمَك عَبدي فُلانٌ، فلَم تُطعِمْه؟، أما عَلِمتَ أنَّك لو أطعَمتَه، لَوجَدتَ ذلك عِندي؟

يا ابنَ آدَمَ، استَسقَيتُك فلَم تَسقِني، قال: يا رَبِّ، كيفَ أسقيك وأنتَ رَبُّ العالَمينَ؟، قال: استَسقاك عَبدي فُلانٌ، فلَم تَسقِه، أمَا إنَّك لو سَقَيتَه وجَدتَ ذلك عِندي. »

فأوقع سبحانه الفعل عليه، وظاهر مع ذلك أنه ليس يقع عليه، إذ كان معقولًا في الواقع أن مرض المريض عن علة، والأكل والشرب عن حاجة محض نقص لا كمال معه، وأن رب العالمين يُمرِض ولا يَمرَضُ، و: ﴿هُو يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾، ويسقي ولا يشرب الماء.

ولذا يسأله العبد: كيف أعودك، وكيف أطعمك، وكيف أسقيك، وأنت رب العالمين؟

فبين سبحانه أن الفعل علىٰ عبده يقع، فإيقاعه عليه، إذ كان به يوقع علىٰ العبد، فاللَّه بأسباب ما سبب يعود الرجل أخاه، وبرزق ما تفضل يطعم المطعم، ويسقي الساقي.

وفي الكلام مع ظهور الأمر أن الفعل ليس بواقع عليه -تنزه عن النقص وتعالىٰ- مجاز وطريقة.

- وقال ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن: « وأما الزيادة في التوكيد، كقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾، لأن الرجل قد يقول بالمجاز: كلمت فلانًا، وإنما كان ذلك كتابًا أو إشارة علىٰ لسان غيره، فأعلمنا أنهم يقولون بألسنتهم.

وكذلك قوله: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾، لأن الرجل قد يكتب بالمجاز، وغيره الكاتب عنه.

ويقول الأمي: كتبت إليك، وهذا كتابي إليك، وكل فعل أمرت به، فأنت الفاعل له، وإن وليه غيرك، قال اللَّه عز وجل في التابوت: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ 

قال ابن عباس رضي اللَّه عنه في رواية أبي صالح عنه: هذا كما تقول: حملت إلىٰ بلد كذا وكذا برًّا وقمحًا، وإنما تريد أمرت بحمله.

فأعلمنا أنهم يكتبونه بأيديهم ويقولون: هو من عند اللَّه، وقد علموا يقينًا -إذ كتبوه بأيديهم- أنه ليس من عند اللَّه. » 

ففي هذا الكلام بيان حسن لذلك المجاز الذي ذكرنا، في قوله: « وكل فعل أمرت به، فأنت الفاعل له، وإن وليه غيرك. »

يعني الفاعل له بتسببك به وأمرك.

 ونزيد علىٰ ما قال: إن قائل القول الذي فيه ذلك المجاز وإن كان يظهر ما يظهر، فظاهر مع ذلك أنه لا يريد ما أظهر.

ولذا، فإنما ذلك المجاز عند العرب في الخطاب حين يتبين أن الكلام عليه، وحين يتبين أنه علىٰ غير الذي يظهر منه، فليس لأحد ادعاء ذلك ولا غيره من المجاز إلا أن يتبين أن الكلام عليه.

ولذلك، فليس ذلك القول المذكور في قيله تعالىٰ: (فعقروها)، مقولًا به، وفي الظاهر خلافه، إذ كان ظاهرًا في سياق الخطاب والمعقول عند كل أحد من أن العقر لا يكون من كل القوم وأنه إنما عقرها واحد من قوم ثمود.

وأما قوله: (إلا لنعلم)، فهو وإن كان معنىٰ العلم بعد سبق جهل فيه ليس بمحض نقص لا يأتي علىٰ بال، فكان ظاهرًا مفهومًا غير مستحيل في سياق الخطاب، فغير لائق باللَّه تعالىٰ ذلك، إذ كان عليمًا بكل شيء، كما نص وقال، فلا يعلم ما لم يكن يعلم من قبل، وإنما ذلك لعباده.

فإنما قيل ذلك القول في الآية، وهو عدول عن ظاهرها لخفيها، لبينة بل بينات دالة علىٰ أن ذلك المعنىٰ الظاهر المفهوم من دون النظر للنصوص الأخرىٰ، وإن كان كذلك، فغير مراد ولا هو معني، بل الظاهر المفهوم مع النصوص الأخرىٰ غيره.

فقال سبحانه: (لنعلم)، وأراد ليعلم عباده، وليُميِّز لهم، إذ كان ذلك به.

وخرج الطبري قول ابن عباس ومن قال بقوله علىٰ هذا أنه عنىٰ: إلا لنميز لعبادنا، فيعلموا.

وعلىٰ هذا فقول مجاهد توجيهه أنه عنىٰ: ليميز اللَّه متبع الرسول من المنقلب علىٰ عقبيه، كما ميز الخبيث من الطيب لعباده، ليعلموا.

والأصل أن القرآن: (بلسان عربي مبين)، وأبين الكلام أعمه وأظهره دون أخصه وأخفاه.

ولذا، فلا يُعدَل عن عموم القرآن وظاهره المتلو، لوجه خاص فيه وخفي غير متلو، إلا عن بينة وواضحة من عقل عام هو فطرة أو إجماع من أهل التفسير هو سبيل المؤمنين أو نص كتاب أو سنة أو قول خليفة راشد له سنة موصىٰ بها.

فأما إن كان هناك شيء من هذا، فغير مشكل ذلك ولا ملتبس، إذ أن صرف نص عن ظاهره إلىٰ خفي من المعنىٰ هو به غير مستحيل، لبيان من المذكور معه النص مستبين أنه علىٰ ذلك المعنىٰ.

فهذا تثبيت له علىٰ ظاهره بعد بيانه علىٰ التوفيق والجمع بينه وبين غيره من عام العقل ومحكم المنصوص.

وهو علامة الصدق في الحرص علىٰ مراد اللَّه وسلامة القلب، لأنه ضم لكلامه مع بعضه البعض ومع بيانه، وقول به علىٰ الظاهر منه مع غيره.

فذاك لا كتأويل المبتدع بصرف نص عن ظاهره إلىٰ خفي من الأوجه هو به ضلال وبدعة يستحيل، لاشتباه متشابه من الوحي عليه، لا بيان معه أن النص علىٰ ما تأول.

فهذا رد له علىٰ غير ظاهره علىٰ المخالفة والتفريق له عن غيره من متشابه المنصوص.

وهو علامة قلة الصدق في الحرص علىٰ مراد اللَّه وزيغ في القلب، لأنه تفريق للكلام عن بعضه البعض وعن بيانه، وقول به علىٰ غير الظاهر منه حتىٰ مع غيره.

فهذا فضلًا عن أن يكون ذلك كتأويل جهلة أهل التعطيل والكلام بمحال التفسير والكفر لاشتباه عقول لهم خاصة هي خلاف ما بين يديهم من وحي خالق العقول والأحلام.

وهو أمارة انعدام الصدق في الحرص علىٰ مراد اللَّه وخراب القلب بأشد الزيغ، لأنه تفريق لكلام خالق العقول عن العقل -وإنما هو عقل خاص-، وقول به علىٰ ما لا يتبين حتىٰ معه.

وقد قال أبو جعفر الطبري في تفسيره في مرة:

” وإنما يوجه الكلام إلىٰ الأغلب المعروف في استعمال الناس من معانيه دون الخفي حتىٰ تأتي بخلاف ذلك مما يوجب صرفه إلىٰ الخفي من معانيه حجة يجب التسليم لها من كتاب، أو خبر عن الرسول صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم، أو إجماع من أهل التأويل. “

وفي بعض كلامه ذكر العقل مع ما ذكر هاهنا، ويعني به: العقل العام الذي هو فطرة، لا الخاص الذي هو رأي ونظر، وربما صح، وربما لم يصح.

ومثل هذا العقل الذي هو محض الرأي، لا يجوز أن يفسر به نص فضلًا عن أن يصرف عن ظاهره به.

وقد قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل مترجمًا لزيد بن أسلم:

” نا أبي، نا ابن الطباع، نا حماد بن زيد، قال: قدمت المدينة وزيد بن أسلم حي، فسألت عبيد اللَّه بن عمر، فقلت إن الناس يتكلمون فيه، فقال: ما أعلم به بأسًا إلا أنه يفسر القرآن برأيه. “

فهذا زيد بن أسلم وهو تابعي لا ينقصه علم باللغة ولا باللسان ينكر عليه الناس التفسير بالرأي، وهو أهل ذلك إن كان، فكيف بغيره؟

ولولا أن لا ضرورة للتفسير بالرأي ولو لمن هو أهل لذلك، لما تكلم الناس فيه، ووجه انعدام تلك الضرورة في التفسير يطول ببيانه الكلام، وليس بابي ذلك فأطيل.

ويدلك علىٰ أن الطبري قصد ما ذكرت قوله مرة:

” وقد دللنا فيما مضىٰ قبل علىٰ صحة ما قلنا: من أن الأمر بالمعروف هو كل ما أمر اللَّه به عباده أو رسوله صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم، والنهي عن المنكر هو كل ما نهىٰ اللَّه عنه عباده أو رسوله. وإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن في الآية دلالة علىٰ أنها عني بها خصوص دون عموم، ولا خبر عن الرسول، ولا في فطرة عقل، فالعموم بها أولىٰ، لما قد بينا في غير موضع من كتبنا. “

فبين أنه إنما يريد بالعقل الفطري منه.

ومثل ذلك الكلام المذكور ونحوه في تفسير الطبري بغير مكان، فلا أحمق ممن نسبه لخاص تأويل المعطلة، وهو يُثبِتُ أصلًا ناقضًا لتأويلات أهل البدع عامة، ولتفاسير نفاة الصفات خاصة.

هذا علىٰ أن من السلف من خرج الآية علىٰ ظاهرها فيما لو لم تُجمع مع غيرها، فجعلها لا في العلم السابق، بل في العلم بالشيء موجودًا ظاهرًا، كما هو قول ابن قتيبة، واللَّه العالم.

وصل اللهم وسلم علىٰ نبينا محمد. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لم نزل القرآن متفرقًا علىٰ محكم ومتشابه؟

الجواب النبوي الشافي من داء القنوط...

أجر العفة مع المشقة...