المشاركات

معنىٰ المرسل والإرسال عند أهل الحديث ...

بسم اللَّه الهادي المضل، وبعد: فهذه فائدة في الحديث المُرسَل، وقولهم: أرسل الحديث. فالحديث المرسل هو المنقطع، وإرسال الحديث يعني جعله منقطعًا. ‏ويُطلق المرسل خاصة علىٰ مرسل التابعي عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو مراد أبي داود في كتابه المراسيل. ‏- يدلك علىٰ ذلك قول ابن خزيمة في كتاب التوحيد: « وليس هذا الخبر من شرطنا، لأنه غير متصل الإسناد، لسنا نحتج في هذا الجنس من العلم بالمراسيل المنقطعات. » ‏- وقول ابن أبي حاتم في المراسيل: « باب ما ذُكِر في الأسانيد المرسلة أنها لا تثبت بها الحجة. » ‏ثم ذكر في هذا الباب كلام الشافعي في المنقطع، فالمرسل هو ذلك إذًا.  والحمد للَّه رب العالمين.

معنىٰ المجود والتجويد عند أهل الحديث ...

بسم اللَّه الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرًا، وبعد: فهذه فائدة في الحديث المجوَّد، وقولهم: جوَّد الحديث. فالحديث المجود هو الموصول، وتجويد الحديث هو وصله وجعله متصلًا في السماع، خلاف إرساله وجعله منقطعًا في السماع.  - قال أبو أحمد عبد اللَّه بن عدي في الكامل: « حدثنا العباس بن أحمد بن أبي شحمة الختلي، حدثنا محمد بن أبان، أنبأنا يونس بن بكير، عن الأعمش، عن طلحة، وهو ابن مصرف، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد اللَّه، أن النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم قال: من كذب علي متعمدًا، ليضل به الناس، فليتبوأ مقعده من النار. قال الشيخ: وهذا الحديث اختلفوا فيه علىٰ طلحة بن مصرف، فمنهم من أرسله ومنهم من قال: عن علي بدل عبد اللَّه، ويونس بن بكير جود إسناده. » يعني وصل إسناده، وجعله متصلًا في السماع: عن طلحة بن مصرف عن عمرو عن ابن مسعود، عن النبي عليه الصلاة والسلام. ومن أرسله، جعله منقطعًا في السماع: عن طلحة عن النبي عليه السلام، وطلحة لم يسمع النبي، فهذا منقطع. والحمد للَّه رب العالمين.

بيان حال أبي عبيد الآجري راوي المسائل عن أبي داود ...

بسم ربي الأكرم، وبعد: فهذا كلام أرجو أن يُنتَفع به في شأن أبي عبيد الآجري محمد بن علي بن عثمان، صاحب المسائل عن أبي داود، وهو مع إكثاره عنه، ليس فيه توثيق صريح أعلمه. فهذا الرجل لم يضعفه أو يتهمه أحد علىٰ كثرة ما روىٰ عن أبي داود أعلمه، وقد الأئمة كانوا ينكرون رواية الكذب ورواية المنكر. ثم إنه مع ذلك مثله حاله في حديثه تدل علىٰ صدقه. وذلك أنه في مرة يقول: أظن أن أبا داود، وفي مرة يقول: لا أدري من يحيىٰ، يحيىٰ بن معين، أو يحيىٰ القطان، وأظنه يحيىٰ القطان. يعني لا يدري من يحيىٰ الذي ذكره أبو داود، لأنه قال: يحيىٰ، فالتبس علىٰ الآجري من يعني، فقال ذاك، ولو شاء لزاد من عنده، وزعم أن أبا داود قال: يحيىٰ القطان، أو يحيىٰ بن معين، ولكنه صادق. وذلك أيضًا أن عامة حديثه علىٰ ما يظهر من علمه به سماع مباشر: سمعت أبا داود وسألت أبا داود وما أشبه ذلك، ومسند حديثه إن كان فقليل، فذا دال علىٰ صدقه وورعه، وأنه يحدث بما يعرف ويحفظ. - قال عبد اللَّه بن أحمد في العلل: « سألت يحيىٰ عن النضر بن عربي، فقال: ليس به بأس، عامة حديثه رؤيا: رأيت فلانًا رأيت طاوسًا، ليس به بأس. » يحيىٰ هو ابن معين. - وقال ابن أبي ح...

أصل في التفسير في اعتبار سياق كلام المتكلم ...

بسم اللَّه وكفىٰ، وبعد: - فقال أبو سعيد الدارمي في نقضه علىٰ المريسي وهو يأسس أساسًا ويؤصل أصلًا في رد تأويلات المعطلة وتبديلاتهم للكلام ونصوص الصفات: « وَإِنَّمَا يُصْرَفُ كُلَّ مَعْنَىً إِلَىٰ المعْنَىٰ الَّذِي يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ، وَيَحْتَمِلُهُ فِي سِيَاقِ القَوْلِ، إِلَّا أَنْ يَجِدَ الشَّيْءَ اليَسِيرَ فِي الفَرْطِ يَجُوزُ فِي المَجَازِ بِأَقَلِّ المَعَانِي وَأَبْعَدِهَا عَنِ العُقُولِ، فَيَعْمِدُ إِلَىٰ أَكثر مَعَاني الأَشْيَاء وَأَغْلَبِهَا، فَيَصْرِفُ المَشْهُورَاتِ مِنْهَا إِلَىٰ المَغْمُورَاتِ المُسْتَحَالَاتِ، يُغَالِطُ بِهَا الجُهَّالَ، وَيُرَوِّجُ عَلَيْهِمْ بِهِ الضَّلَالَ. فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا مِنْهُ عَلَىٰ الظِّنَّةِ وَالرِّيبَةِ، وَمُخَالَفَةِ العَامَّةِ. وَالقُرْآنُ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ، تُصْرَفُ مَعَانِيهِ إِلَىٰ أَشْهَرِ مَا تَعْرِفُهُ العَرَبُ فِي لُغَاتِهَا، وَأَعَمِّهَا عِنْدَهُمْ. فَإِنْ تَأَوَّلَ مُتَأَوِّلٌ مِثْلُكَ، جَاهِلٌ فِي شَيْءٍ مِنْهُ خُصُوصًا، أَوْ صَرَفَهُ إِلَىٰ مَعْنًىً بَعِيدٍ عَنِ العُمُومِ بِلَا أَثَرٍ، فَعَلَيْهِ البَيِّنَةُ عَلَىٰ دَعْوَاهُ...

عادة المصنفين السابقين في تعريف الرواة في الأسانيد ...

بسم الذي علم بالقلم، وبعد: فمن عادة المصنفين في الزمان الذي مضىٰ، أنهم كانوا يُعرِّفون الراوي ويذكرونه في الحكايات والأسانيد بما يميزه عن غيره، وذلك في ما شاء اللَّه من المرات، ثم هم بعد يصيرون يختصرون ذكره وتعريفه في الأكثر. فإن أردت في بحثك عن راوٍ رووا عنه وذكروه، أن تعرفه، إذ أشكل عليك تمييزه، فأسهل طريقة لذلك وأخصرها، أن تنظر في الروايات الأخرىٰ التي ذكروه فيها، فستجدهم ذكروه بما يميزه وعرفوه، ثم صاروا بعد يختصرون. وأنا أعطي علىٰ ذلك مثالًا، فمن الرواة الذين أكثر عنهم محمد بن عمرو العقيلي في الضعفاء، ولم يعرفه غير باحث، راوٍ يقال: له محمد، محمد بن عيسىٰ. وكذا كان يعرفه العقيلي ويذكره في الأكثر، فيقول: حدثنا محمد، وحدثنا محمد بن عيسىٰ. وهذا لو ذهبت إلىٰ كتاب الضعفاء في المكتبة الشاملة، فكتبت اسمه في البحث، ونظرت في ذكر العقيلي له في المرة بعد المرة، لوجدته قد عرَّفه في مرة بأنه الهاشمي، وفي مرة بأنه أبو علي، ثم هو في غير ذلك يختصر ذكره وتعريفه. فهو إذًا محمد بن عيسىٰ الهاشمي أبو علي، المعروف بالبياضي. وهذا الرجل له ترجمة في تاريخ بغداد. - قال أبو بكر الخطيب أحمد بن علي بن ثابت: « م...

فايدة في تفسير قوله: (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي) ...

بسم ربي الذي خلق، وبعد: - فقال جعفر بن محمد بن المستفاض المعروف بالفريابي في القدر: « حدثنا عبيد اللَّه بن معاذ، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، حدثنا أبو عثمان أنه سمع  عبد اللَّه أو سلمان -قال: ولا أراه إلا سلمان- قال: إن اللَّه عز وجل لما خمر طينة آدم أربعين ليلة أو أربعين يومًا، ثم ضرب بيديه فيه، فخرج كل طيب في يمينه، وكل خبيث في يده الأخرىٰ، ثم خلط بينهما، قال: فمن ثمَّ: ﴿يُخرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَمُخرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾، أو كما قال. » وهذا سند صحيح، وقد اختلف في صحابي الأثر، أهو سلمان الفارسي، أم ابن مسعود؟، شك في ذلك سليمان التيمي، ورواه غير واحد من الأئمة عنه علىٰ الشك، غير أن الراجح أنه عن سلمان، لأن سليمان التيمي قال: ولا أراه إلا سلمان، وفي الشريعة للآجري قال المعتمر: وقال أبي: ولا أراه إلا سلمان. وقد ذكر الدارمي الأثر في نقضه أنه حديث سلمان، وهو إمام في الحديث والعلل، فهذا الأقرب إن شاء اللَّه.  - ولفظ الأثر حين ذكره الدارمي: « إن اللَّه خمر طينة آدم، ثم خلطها بيده، فخرج كل طيب بيمينه، وكل خبيث بشماله، ثم مسح إحدىٰ يديه بالأخرىٰ. » وقوله: فمن ثمَّ،...

بيان حال مشايخ ابن عدي في الكامل ...

بسم اللَّه ولا نحمد كل الحمد سواه، وبعد: ‏- فقال عبد اللَّه بن عدي في مقدمة الكامل: « وذاكر في كتابي هذا كل من ذكر بضرب من الضعف، ومن اختلف فيهم، فجرحه البعض، وعدله البعض الآخر، ومرجح قول أحدهما مبلغ علمي من غير محاباة، فلعل من قبح أمره أو حسنه تحامل عليه، أو مال إليه. ‏ وذاكر لكل رجل منهم مما رواه ما يضعف من أجله، أو يلحقه بروايته له اسم الضعف، لحاجة الناس إليها، لأقربه علىٰ الناظر فيه. ‏ ‏وصنفته علىٰ حروف المعجم ليكون أسهل علىٰ من طلب راويًّا منهم، ولا يبقىٰ من الرواة الذين لم أذكرهم، إلا من هو ثقة أو صدوق، وإن كان ينسب إلىٰ هوى وهو فيه متأول، وأرجو أني أشبع كتابي هذا وأشفي الناظر فيه، ومضمن ما لم يذكره أحد ممن صنف في هذا المعنىٰ شيئًا. » ‏ ‏فصرح بأنه لا يبقىٰ من الرواة ممن لم يذكر في الكامل، إلا من هو صدوق أو ثقة، فيكون علىٰ ذا مشايخه الذين لم يذكر في الكامل ثقات أو صدوقين. ‏ ‏وقد جاء ما يؤكد ذلك.  ‏ ‏- قال ابن عدي في ترجمة إسماعيل بن مجالد بن سعيد: « وإسماعيل هذا قد حدث عنه يحيىٰ بن معين، وقد وثقه، وهو خير من أبيه مجالد، يكتب حديثه. » ‏ ‏فصحح توثيق ابن معين وقوله فيه، مع أنه إن...