بسم اللَّه، وبعد: فقال عز وجل في كتابه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهدي إِلىٰ صِراطٍ مُستَقيمٍ﴾، مع أنه قال: ﴿إِنَّكَ لا تَهدي مَن أَحبَبتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهدي مَن يَشاءُ وَهُوَ أَعلَمُ بِالمُهتَدينَ﴾ وإنما هي كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدعوهُم إِلىٰ صِراطٍ مُستَقيمٍ﴾، فلا تعارض تلك، لأن المراد بها لا هداية توفيق ولكن هداية بيان ودعاء وإنذار، كما قال: ﴿إِنَّما أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَومٍ هادٍ﴾ قال أهل التفسير: لكل قوم نبي يدعوهم. ولا يكون معنىٰ دعائهم لهم مع معنىٰ توفيقه لقلوبهم المنفي في قوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهدي مَن أَحبَبتَ﴾، لأن الداعي إنما يدعو للَّه أن يوفق به الناس للإيمان، ولا يوفق هو أحدًا. والهداية بمعناها الإرشاد لفظ عام في نوعه، فالإرشاد منه نوع بكذا ومنه نوع بكذا، ويُعرَفُ المراد وأي نوع دخل وأي نوع خرج في السياق والنظير. - قال ابن قتيبة في باب اللفظ الواحد للمعاني المختلفة من تأويل مشكل القرآن: « أصل هدىٰ أرشد، كقوله: ﴿عَسىٰ رَبّي أَن يَهدِيَني سَواءَ السَّبيلِ﴾ وقوله: ﴿وَاهْدِنا إِلىٰ سَواءِ الصِّراطِ﴾، أي أرشدنا. ثم يصير الإرشاد بمعان، كقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ...