المشاركات

أصل في أن العمل أعم من العلم ...

بسم اللَّه الخبير، وبعد: - فقال معمر بن راشد في باب المخنثين والمذكرات من جامعه العتيق: « عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: أول من اتهم بالأمر القبيح -تعني عمل قوم لوط - علىٰ عهد عمر، فأمر عمر بعض شباب قريش ألا يجالسوه. » وهذا صحيح. فهذا الذي في الأثر من أمر عمر أولئك الشباب أن لا يجالسوه، مع أنه لم يأمر فيه هو بحد من عمل تلك العملة، ولا تكلم فيه بكلام معلن جهرًا. فهذا أصل في أن الحذر أعم من التحذير والعمل أعم من العلم، فإن الرجل ربما لم يثبت عليه ظاهرًا في القضاء كذا وكذا، ولكن ثبت عند الناس باطنًا في أنفسهم أنه كذلك، أو كانوا في شك من ذلك فيه بقرائن وضمائم تؤدي بهم إلىٰ اتهامه مع غلبة الظن. وهنا يكون العمل والحذر أعم من العلم والتحذير، ويكون حذر وعمل الرجل بمقتضىٰ علمه بأن لا يجالس صاحب فاحشة، وأن لا يصلي علىٰ من علم فيه النفاق، وأن لا يبدئ السلام علىٰ من اطلع عليه بردة، وهكذا، وإن كان التحذير بالعلن والجهر وحكم حد الفاحشة والقتل وأن لا يدفن في مقابر المسلمين معهم ليس يثبت بعلم النفوس الباطن وحده بل لا بد من الثبوت القضائي في الظاهر. وفرق بين ثبوت الشيء في القضاء والظاهر، وبين ثبوته...

تفسير قوله: ﴿لو يعجل اللَّه للناس الشر﴾ الآية ...

بسم اللَّه الحليم، وبعد: فقال عز وجل: ﴿وَلَو يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ استِعجالَهُم بِالخَيرِ لَقُضِيَ إِلَيهِم أَجَلُهُم فَنَذَرُ الَّذينَ لا يَرجونَ لِقاءَنا في طُغيانِهِم يَعمَهونَ﴾ ففي هذا الكلام مجاز وطريقة بحذف بعضه إذ كان مفهومًا عند سامعه وجوده. كأنه قال: ولو يعجل اللَّه للناس إجابة دعاء الشر كاستعجالهم إجابة دعاء الخير، لقُضِيَ إليهم أجلهم، أي لفُرِغَ إليهم من أجلهم الذي أجَّل قبل وقته فأهلكهم، كقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حينَ مَوتِها وَالَّتي لَم تَمُت في مَنامِها فَيُمسِكُ الَّتي قَضىٰ عَلَيهَا المَوتَ﴾  يعني التي حتم عليها ذلك وفرغ إليها منه. والأجل فهو ما أجَّل عز وجل، كما قال: ﴿وَبَلَغنا أَجَلَنَا الَّذي أَجَّلتَ لَنا﴾  يعني وقتنا الذي وقَّت لنا. وهو أجل الإهلاك والأخذ الذي يؤخرهم له، ولو أخذهم بظلمهم أو استعجالهم إجابة دعاء الشر لأهلكهم قبله، كما قال: ﴿وَلَو يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلمِهِم ما تَرَكَ عَلَيها مِن دابَّةٍ﴾، فأهلكهم جميعًا، ﴿وَلكِن يُؤَخِّرُهُم إِلىٰ أَجَلٍ مُسَمًّىٰ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُم لا يَستَأخِرونَ ساعَةً وَلا يَستَقدِمو...

قاعدة في زيادة المدلس ...

بسم اللَّه الأعز، وبعد: - فقال ابن أبي حاتم في ترجمة عمر بن علي المقدمي من الجرح والتعديل: « ‏سألت أبي عنه، فقال: محله الصدق، ولولا تدليسه لحكمنا له إذا جاء بزيادة، غير أنا نخاف بأن يكون أخذه عن غير ثقة. » والحمد للَّه رب العالمين.

تفسير قوله: ﴿دعائهم فيها سبحانك اللهم﴾ الآية ...

بسم اللَّه اللطيف، وبعد: - فقال الطبري في تفسيره: « وللدعوىٰ في كلام العرب وجهان: أحدهما: الدعاء، والأخر: الادعاء للحق. ومن الدعوىٰ التي معناها الدعاء قول اللَّه: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾  ومنه قول الشاعر:  وَإِنْ مَذِلَتْ رِجْلِي دَعَوْتُكِ أَشْتَفِي ... بِدَعْوَاكِ مِنْ مَذْلٍ بِهَا فَيَهُونُ » أقول: ومنه أيضًا قوله عز وجل: ﴿دَعواهُم فيها سُبحانَكَ اللَّهُمَّ﴾  قال المفسرون: إن ذلك دعائهم إذا اشتهوا شيئًا، قالوا: سبحانك اللهم، أو اللهم، فيؤتون بما دعوا به. فذلك أول دعائهم إذا اشتهوا شيئًا من الجنة، فإذا انتهوا من الأكل والشرب وما اشتهوا منها كان أخر دعائهم الحمد، كما قال: ﴿دَعواهُم فيها سُبحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُم فيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعواهُم أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمينَ﴾  - قال ابن أبي حاتم في تفسيرها: « حدثنا أبي، ثنا محمد بن عبد الأعلىٰ، ثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت شبيب بن عبد الملك يحدث أن مقاتل بن حيان قال: إن أهل الجنة إذا دعوا بالطعام قالوا: سبحانك اللهم. قال: فيقوم علىٰ أحدهم عشرة آلاف خادم، مع كل خادم صحفة من ذهب، فيها طعام ل...

قتادة مفسر القرآن بالسنة ...

بسم اللَّه الحي، وبعد: فإن من أبرعهم في تفسير القرآن بالسنة قتادة، وسنذكر عنه من ذلك ما يبين هذا إن شاء اللَّه، ويكون بابًا لمعرفة تفسير القرآن بالسنة وكيف بيانها الآيات. - قال أبو جعفر الطبري في تفسيره: « حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دَامَتِ السمَواتُ والأرْضُ إلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾  واللَّه أعلم بثنيته، ذُكِرَ لنا أن ناسًا يصيبهم سفع من النار بذنوب أصابتهم، ثم يدخلهم اللَّه الجنة بفضل رحمته يقال لهم: الجهنميون. » هذا من قتادة تفسير للقرآن بالسنة المبينة له. وذاك أنه أراد بقوله: ذُكِر لنا حديثَ أنسِ بن مالك رضي اللَّه عنه الذي رواه هو عنه عن النبي عليه السلام أنه قال: يخرج قوم من النار بعد ما مسهم منها سفع، فيدخلون الجنة، فيسميهم أهل الجنة الجهنميين. وهذا، فمن بين التفسير بالسنة. - وقال: « حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ٧١ ءَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ ٧٢ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾، للنار الكبرىٰ. ذُكِرَ لنا أن نبي اللَّه عليه السلام ق...

نفيس صحيح في مسألة منكر ونكير ووصفهما!

بسم اللَّه النور، وبعد: - فقال أبو بكر بن أبي شيبة في باب كلام أبي الدرداء من مصنفه: « حدثنا غندر، عن شعبة، عن يعلىٰ بن عطاء، قال: حدثني تميم بن غيلان بن سلمة، قال: جاء رجل إلىٰ أبي الدرداء وهو مريض، فقال: يا أبا الدرداء إنك قد أصبحت علىٰ جناح فراق الدنيا، فمرني بأمر ينفعني اللَّه به، وأذكرك به. فقال: إنك من أمة معافاة، فأقم الصلاة، وأد الزكاة إن كان لك مال، وصم رمضان، واجتنب الفواحش، ثم أبشر، فأعاد الرجل علىٰ أبي الدرداء، فقال له أبو الدرداء: مثل ذلك. فنفصن الرجل رداءه، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ﴾، إلىٰ قوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾  فقال أبو الدرداء: علي بالرجل، فجاء، فقال أبو الدرداء: ما قلت؟، قال: كنتَ رجلًا معلمًا، عندك من العلم ما ليس عندي، فأردت أن تحدثني بما ينفعني اللَّه به، فلم ترد علي إلا قولًا واحدًا. فقال له أبو الدرداء: اجلس، ثم اعقل ما أقول لك، أين أنت من يوم ليس لك من الأرض إلا عرض ذراعين في طول أربع أذرع، أقبل بك أهلك الذين كانوا لا يحبون فراقك وجلساؤك وإخوانك، فأتق...

عقيدة نعيم القبر من القرآن ...

 بسم اللَّه الكريم، وبعد: فقد حسب بعضهم أن نعيم القبر ثابت بالسنة لا القرآن، غير أن هذا ليس بصحيح، علىٰ هذا دل ما جاء في التفسير. - قال الطبري في تفسيره: « القول في تأويل قوله تعالىٰ: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾  يقول تعالى ذكره: من كفر باللَّه فعليه أوزار كفره، وآثام جحوده نِعَمَ ربه. ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾، يقول: ومن أطاع اللٌَه، فعمل بما أمره به في الدنيا، وانتهىٰ عما نهاه عنه فيها: ﴿فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدونَ﴾  يقول: فلأنفسهم يستعدون، ويسوون المضجع، ليسلموا من عقاب ربهم، وينجوا من عذابه، كما قال الشاعر: امْهَدْ لنَفْسِكَ حانَ السُّقْمُ والتَّلَفُ  وَلا تُضِيعَنَّ نَفْسًا ما لَهَا خَلَفُ وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل: حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾، قال: يسوون المضاجع. حدثنا ابن المثنىٰ والحسين بن يزيد الطحان وابن وكيع وأبو عبد الرحمن العلائي، قالوا: ثنا يحيىٰ بن سليم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَلأنْفُسِهِمْ يَمْه...