الحكمة علىٰ الحكمة ...
بسم اللَّه الحكيم، وبعد: فإن من العلل ما لا يصلح أو لا يكون علة في مجرده وحده، غير أنه يكون علة علىٰ علة أخرىٰ معه، وبعلة غيره معه. وأضرب لذلك مثلًا برجل خرج، ليبلغ مكانًا ما، فليس بلوغه ذلك المكان وحده بعلة للخروج، فلا بد من شيء أخر كان ذلك معه علة خروج، إذ لِمَ أراد أن يبلغ ذلك المكان في الأصل؟ قال تعالىٰ في الملك: ﴿الَّذي خَلَقَ المَوتَ وَالحَياةَ لِيَبلُوَكُم أَيُّكُم أَحسَنُ عَمَلًا وَهُوَ العَزيزُ الغَفورُ﴾ فليس في مجرد الابتلاء علة لخلق الحياة والموت، فلا بد من تكملة لتلك العلة بعلة معها، إذ لِمَ يبتلينا في الأصل؟ فالأمر كما قال أنه خلق الحياة والموت: ﴿لِيَبلُوَكُم أَيُّكُم أَحسَنُ عَمَلًا﴾، فهذا الأخير تكميل لعلة الابتلاء بعلة معها كان الابتلاء علة. وإذا فُهِمَ هذا، وهو مفهوم في فطر العقول بحمد اللَّه، فإن اللَّه إنما خلق الخلق لعبادته، فقال: ﴿وَما خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلّا لِيَعبُدونِ﴾، وكان في فطر العقول مع ذلك معنىٰ أنه خلقنا لنعرفه، إذ لا نعبد من لا نعرف، فقال: ﴿اللَّهُ الَّذي خَلَقَ سَبعَ سَماواتٍ وَمِنَ الأَرضِ مِثلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمرُ بَينَهُنَّ لِتَعلَموا أَ...