فائدة في حديث سفيان والأعمش وأبي إسحاق ...

بسم اللَّه الغفور، وبعد:

- فقال يعقوب الفسوي في المعرفة والتاريخ:

« وحديث سفيان وأبي إسحاق والأعمش ما لم يُعلَم أنه مُدلَّسٌ يقوم مقام الحجة. »

وقد نص أحمد في سؤالات أبي داود علىٰ أن الأعمش قل ما يُصَادُ له لفظ السماع، وأنك مع ذلك تحتج به.

وقد روىٰ أهل الصحيح من الشيخين في صحيحهما للأعمش وأبي إسحاق حديثهما الذي ليس فيه خبر سماع، والذي لا يذكرانه من طريق يتبين به الاتصال كطريق شعبة، فصححا حديثهما ولو دون ذلك.

وإنما ذلك علىٰ أصل ذكرناه عن ابن المديني في مقالنا عما يثبت سماع الراوي المدلس، أن من غلب تدليسه، فحتىٰ يذكر السماع ليُقبَلَ منه.

فأما من ندر تدليسه في جناب كثرة ما روىٰ، حتىٰ صارت جملة حديثه وروايته علىٰ الاتصال، فسماعه في ذلك ثابت متحقق، ولو لم يذكره في الحديث ولا رواه عنه أحد مثل شعبة ممن لا يروي إلا متصلًا تحقق من اتصاله، ما لم تأت دلالة علىٰ أن الحديث بعينه مدلس، فيكون مرسلًا، وإلا فلا. 

وقد ذكرت في مقالي ذلك وجه ندرة تدليس الأعمش مع أنه مشهور بالتدليس معروف به، فأرجو أني قد كنت شفيت، وأنا ذاكر ذلك الكلام هاهنا، ليعرف السامع صحة مذهب من ذكرنا من علية علماء الحديث فيه علىٰ بصيرة وأنه كما أنزلوه ممن ينزل منزل من قل تدليسه واحتُمِلَ.

- قلت في المقال:

« وإنما قال أحمد ما قال، وأنك تحتج به مع ذلك، مع أنه معروف بالتدليس مشهور به، حتىٰ إن كان ليظهر أنه مكثر منه لمن لم يعرف، إذ كان غالب تدليسه الذي يُذكَرُ ويتحقق عن غير شيوخه الذين هم شيوخه وسمعهم، وعن أناس لم يلقهم ولا سمعهم، كما كان يروي عن شمر بن عطية، وقد أدرك من هو فوقه في الطبقة من الشيوخ، ومع ذلك لم يسمعه ولا لقيه قط.

ويدل علىٰ قلة تدليسه عن شيوخه الذين هم شيوخه أنه كان قد سمع سعيدًا، وهو ابن جبير، ثم صار فيما فاته سماعه منه يرويه بواسطة المنهال بن عمرو وحبيب بن أبي ثابت وحسان بن الأشرس عنه، حتىٰ قد أكثر من ذلك.

- وقد قال الأثرم في سؤالاته:

« سمعت أبا عبد اللَّه ذكر معاوية بن عبد الكريم، فقال: معاوية الضال ثقة، ما أثبت حديثه، ما أصح حديثه.

قلت لأبي عبد اللَّه: يقال: بعض ما روىٰ عن عطاء لم يسمعه، فأنكره، وقال: هو يروي بعضها عن قيس، وبعضها يقول: سمعت عطاء -أي: فلا يدلس.-

قيل: ولم سمي الضال؟، قال: ضل زعموا في طريق مكة، فسمي الضال. »

- وقد روىٰ ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل عن صالح، عن ابن المديني، عن ابن مهدي، قال: « قال سفيان وذكر منصورًا يومًا، فقال: ربما حدث عن رجلين عن إبراهيم.

كأنه يقول: لا يرسل شيئًا. »

فاستدل أحمد ومن قبله سفيان علىٰ انعدام التدليس عن الشيوخ، بأن الراوي إذا ما فاته السماع، روىٰ عن شيخه بواسطة غيره، ونزل في الرواية، فروىٰ عن قرينه أو من هو أصغر منه، مع أن المدلس إنما يدلس، إذ كان من يروي عنه قرينًا له أو صغير الطبقة دونه، وقد نبه الشافعي في الرسالة علىٰ سبب من أسباب إرسال الرواة كالزهري، وهو أن يكون من روىٰ عنه أصغر منه، فيسكت عن ذكره لذلك.

وربما مع ذلك تجاوز الراوي المذكور، فنزل نزولًا شديدًا، فروىٰ بواسطتين، فأكثر عن شيخه، كما فعل منصور، وهذا يدل علىٰ أنه لا يدلس شيئًا، كما قال عبد الرحمن بن مهدي.

وأما حديث الأعمش عن مجاهد وعامته مدلس، فإنه إنما كان يدلس فيه، إذ كان مرجعه معروفًا، اكتفىٰ بتعريفه عن ذكره كل مرة، فهذا وإن كان تدليسًا منه عن مجاهد، فليس يُرَادُ، وله حكم ما أسنده عن ليث عنه.

- قال عبد اللَّه بن أحمد في العلل:

« قلت لأبي: أحاديث الأعمش عن مجاهد عمن هي؟

قال: قال أبو بكر بن عياش: قال رجل للأعمش: ممن سمعته في شيء رواه عن مجاهد.

قال مر كزاز مر بالفارسية، حدثنيه ليث عن مجاهد. »

وإنما أؤتي من ظن الأعمش مكثرًا من التدليس عن مشيخته، أنه لم يعرف ما ذكرنا، ولم يعرف أن من تقدم يقولون التدليس لكل إرسال، وللإرسال عن غير الشيوخ، وأن منه ما في حكم المتصل المسمىٰ فيه الواسطة، ولا يُقصَدُ في نفسه. »

هذا، وبقي وجه ندرة تدليس سفيان وأبي إسحاق، وهذا مما لا يُحتَاجُ فيه لكبير بيان.

فأين ما دلس سفيان ليذكره العلماء إن كان قد كثر تدليسه ولو عن شيخ له؟، فلا يذكرون له من ذلك شيئًا، ولا يذكرون أن روايته عن شيخه فلان مدلسة، ولم يسمع منها إلا كذا وكذا.

بل ما كانوا يتوقفون عن ذكر حديثه وتصحيحه والاحتجاج به علىٰ كثرته، فما قالوا مرة في شيء منه: لم يذكر سماعًا، بل يحتجون به ويتطلبونه لا يتوقفون فيه علىٰ ذلك.

- وقد قال أبو عيسىٰ الترمذي في علله:

« قال محمد: ولا أعرف لسفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كهيل، ولا عن منصور، وذكر مشايخ كثيرة، لا أعرف لسفيان عن هؤلاء تدليسًا، ما أقل تدليسه. »

محمد هو البخاري يرحمه اللَّه.

وأما أبو إسحاق، فكفىٰ أن شعبة وهو من علية أصحابه المكثريه عنه مع سفيان، قد روىٰ عنه الكثير عن مشايخه الذين سمع بالأصل ما هو كله بسماع، فدل علىٰ قلة ما دلس عنهم، فإن ذلك لو كان كثيرًا ما كان شعبة من مكثري أصحابه الجامعين لحديثه، فإنه لم يكن يروي إلا المتصل من الحديث.

والحمد للَّه رب العالمين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عظمة الطاعة مع المشقة ...

توبة في الليل وتوبة في النهار!

تفسير قوله: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾