تفسير قوله: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾
بسم اللَّه الكافي، وبعد:
فقال اللَّه تبارك وتعالىٰ: ﴿ما نَنسَخ مِن آيَةٍ أَو نُنسِها نَأتِ بِخَيرٍ مِنها أَو مِثلِها أَلَم تَعلَم أَنَّ اللَّهَ عَلىٰ كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ﴾
والنسخ: تبديل الشيء بأخر من غيره، ورفعه وإثبات غيره.
وإنما معنىٰ ذلك: ما نبدل من آية مكان آية، نظير قوله: ﴿وَإِذا بَدَّلنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾
وقد قيل: النسخ في الآية من نسخ الكتاب، وهو وتحويله ونقله نقل عبارته وما فيه إلىٰ غيره.
فقيل: معنىٰ قوله عز وجل: ﴿ما نَنسَخ مِن آيَةٍ﴾، أي ما نحول من آية وننقلها بما فيها إلىٰ غيرها، فنبدلها بها.
وهذا التأويل قريب من الأخر، والمعنىٰ فيهما متقارب.
وقد قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة عنه بنحو ما ذكرنا من التفسير الأول، لأنه قال: ما نبدل من آية.
وقال مجاهد أن نسخها محوها، وهو في معنىٰ ما ذكرنا من أنه تبديلها وإثبات غيرها محلها، لأنها في ذلك تُمحَىٰ بالناسخ لها.
فهذا كذلك، غير أن الكلمة وإن كان أصل المراد بها علىٰ ما تعرف العرب علىٰ ما في ذينك التفسيرين، فما سوىٰ ذلك من المراد هو باصطلاح أراده اللَّه عز وجل، وباصطلاح شرعي، لأن المراد نسخ الآيات في الحكم أو التلاوة أو أحدهما أو الاثنين.
وهذا التقسيم إنما اصطلاح شرعي، قد تبين مما جاء في الآية من القراءة المقرة الشهيرة عن القراء، والتفسير الحجة المُفتَىٰ به من أهل العلم المأثور عنهم عن أهل التفسير ممن تقدم، إذ كانوا هم الذين منهم يُؤخَذُ تفسير القرآن، وهم نقلته ومتداولوه، فتابع التابعي منهم يأخذ عن التابعي أو عن مثله عنه، والتابعي منهم يأخذ عن الصحابي أو عن مثله عنه، والصحابي يأخذ عن النبي عليه السلام أو عن مثله عنه.
فإن النبي عليه السلام قد بين لأصحابه القرآن كما أمره به ربه عز وجل بيانًا كاملًا، فتناقلته أمته غير مفرطة فيه للقول بالرأي بغير ضرورة، حتىٰ قد صار من أصحابه من لا يتحرج عن أن يقول: إنه عارف بتأويل كل آية، وفيمن نزلت، وأين نزلت.
فقال مجاهد في النسخ يحدث به عن أصحاب ابن مسعود: نثبت خطها ونبدل حكمها.
وقال يحدث به عن عبيد بن عمير أن وما ننسخ من آية بأخرىٰ أو نُنسِيها فنرفعها من عندكم.
وقال قتادة: كان ينسخ الآية بالآية بعدها، ويقرأ نبي اللَّه عليه السلام الآية أو أكثر من ذلك، ثم تُنسَىٰ وتُرفَعُ.
وقال الحسن: إن نبيكم عليه السلام أُقرِئَ قرآنًا، ثم نسيه فلم يكن شيئًا، ومن القرآن ما قد نُسِخَ وأنتم تقرءونه.
وعلىٰ هذا التفسير بالمثال علىٰ النسخ يصير معنىٰ الآية أن وما ننسخ من آية، فنبدلها مكان آية بعدها في الحكم ونبقي تلاوتها مع ذلك، أو نُنسِيها فنبدلها مكان غيرها تلاوةً ونرفعها نأتي بخير منها حكمًا وتلاوةً.
وفي ذلك جاءت قراءة سعد بن أبي وقاص: ﴿أو تَنسَاها﴾، أي تناسها أنت يا محمد، فلا تقرأها بعد.
- قال أبو جعفر الطبري في تفسيره:
« حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا يعلىٰ بن عطاء، عن القاسم بن ربيعة، قال: سمعت سعد بن أبي وقاص، يقول: ﴿ما ننسخ من آية أو تَنسَها﴾
قلت له: فإن سعيد بن المسيب يقرؤها: ﴿أو تُنْسَها﴾
قال: فقال سعد: إن القرآن لم ينزل علىٰ المسيب، ولا علىٰ آل المسيب، قال اللَّه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَىٰ﴾، ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ »
يعلىٰ بن عطاء العامري ثقة مشهور، وهو من رجال مسلم، وقد ود عبد اللَّه بن عمر أن لو كان نافع مولاه يحفظ حفظه.
- وروىٰ ابن أبي خيثمة في تاريخه: « حدثنا أحمد بن حنبل، قال: أبو داود الطيالسي قال: أنا شعبة، عن يعلى -يعني: ابن عطاء- قال: كان يحدثني، عن أبيه فيرسله، لا يرويه عن أحد.
فقلت له: فأبوك عمن؟
فيقول: أنت لا تأخذ عن أبي وقد أدرك عثمان وأدرك كذا. »
وهذا من دلائل ضبطه وحفظه، لأنه يميز بين المرسل عن أبيه والموصول من حديثه المشهور، فلا يختلط عليه هذا بذاك، كما يختلط علىٰ الضعفاء حديثهم الموصول إلىٰ النبي عليه السلام الشهير بالأخر المنقطع عن الشيخ من مشيختهم، فيصلونه علىٰ الجادة عندهم تخليطًا.
وقد روىٰ شعبة عن يعلىٰ عن أبيه حديثًا وشك شعبة في وصله، لأنه كما قال كان يرسل عن أبيه، فلعله لذلك إذ وصل دخل الشك عليه، واللَّه أعلم بالصواب.
وأما القاسم فهو ابن عبد اللَّه بن ربيعة بن قانف، ويُنسَبُ لجده الأول، فيقال: القاسم بن ربيعة، ثقفي، لم يرو عنه إلا يعلىٰ فيما ذُكِرَ.
وفي أول الأمر كنت قد ظننته مجهولًا في حاله، غير أن قيل الطبري قبل إسناده الأثار عن القاسم عن سعد:
« وكذلك كان سعد بن أبي وقاص يتأول الآية، إلا أنه كان يقرؤها: ﴿أو تَنسَها﴾، بمعنىٰ الخطاب لرسول اللَّه عليه السلام، كأنه عنىٰ أو تنسها أنت يا محمد، ذكر الأخبار بذلك ... »، فذكرها.
فثبَّث الخبر والقراءة عن سعد، واحتج به، وهذا تصحيح للسند قاضٍ بتوثيق القاسم عنده، وهذا علىٰ الجادة.
- قال أبو داود في مسائله:
« سمعت أحمد بن حنبل، قال يعلىٰ بن عطاء لشعبة: لا تأخذ عني، عن أبي، وقد أدرك فلانًا وفلانًا. »
فهذا يعلىٰ يقول بالأخذ برواية أبيه، ويمتدحه بإدراكه عثمان وغيره، يعني أنه كان في زمان فاضل، يقل فيه الكذب.
ولم ينكر شعبة علىٰ يعلىٰ تعديله لأبيه، بل قد وافقه علىٰ ذلك، فروىٰ عنه، عن أبيه، فوثقه، وكذلك عبد الرحمن روىٰ عنه، فوثقه.
وقال قوم بقول أخر، فقال ابن عباس ما نبدل من آية أو لا نبدلها.
فجعل ومن قال بمثل قوله النسيان في الآية من الترك، وأن المراد ما ننسخ من آية فنبدل حكمها أو لا ننسخها فنترك الحكم كما هو نأتي بخير منها.
وجاء في ذلك قراءة من قرأها: ﴿أو ننسأها﴾، من الإنساء، وهو التأخير.
أي وما ننسخ من آية فنبدل حكمها أو نؤخرها فلا ننسخها ونبقي الحكم عندنا نأتي بخير من المنسوخة والتي لم تُنسَخ إن نسخناها فيما بعد تخفيفًا بكم ورحمة.
وقال السدي أن نسخها قبضها، ففسره ابن أبي حاتم أنه أراد رفعها، أي الآيات التي نُسِخَت تلاوتها وقراءتها، فرُفِعَت وأُنسِيت بعد إنزالها أو لم تُنسَ وبقي حفظها.
وقال الضحاك: ﴿ما ننسخ﴾، ما نُنسِكَ.
وقال عطاء بن أبي رباح أن نسخها هو ما تُرِكَ من القرآن، ففسره ابن أبي حاتم أنه أراد ما لم يُنزَل علىٰ النبي عليه السلام، فتُرِكَ.
وهذا تفسير بالمثال علىٰ النسخ، فمنه نسخ التلاوة، غير أن كلام عطاء وجه منها وهو أن تُترَكَ الآية فلا تُنزَلُ ولا تُقرَئُ أصلًا، فتنزل محلها أخرىٰ بدلًا منها، ولا تبدل بها بعد الإنزال.
وعلىٰ هذا التفسير بالمثال علىٰ النسخ، فمعناها أن وما ننسخ من آية في التلاوة والقراءة، فتُقبَضُ من بين أظهركم وتُنسَىٰ فتناسها أنت يا محمد، أو ننسها نحن فنترك قبضها ورفعها نأتي بخير منها في التلاوة لكم.
هذا علىٰ أن الشيخ -ابن تيمية- قد خطَّأ ابن أبي حاتم في تفسيره لكلام عطاء، وقال: ليس مراده ما ذكر.
قال: إن مراده أن النسخ هو ما تُرِكَ من القرآن مكتوبًا، أي ما نُسِخَ فنُقِلَت عبارته منه ونزل، كما يُنسَخُ الكتاب تُنقَلُ عبارته.
ويصير علىٰ ما قال الشيخ المراد: أن وما ننسخ من آية فننقل عبارتها وتنزل عليكم أو ننسها فنترك نسخها وتحويل عبارته حتىٰ تنزل عليكم، نأتي بخير منها.
وعلىٰ هذا الوجه فينبغي أن يكون قوله: ﴿أو ننسها﴾، ﴿أو ننسأها﴾
أي أو نترك نسخها وتحويل عبارتها ونؤخر ذلك فلا ننزلها نأتي بخير منها أو مثلها إن إنزلناها ثم نسخناها، أو إن أنزلناها في غيرها معها في سورة، فإنا آنذاك نأتي بمثلها أو خير منها معها حتىٰ تكملة السورة.
وقد قال الشيخ في مجموع الفتاوىٰ أن الصواب في تفسير الإنساء أنه لنزول الآية التي ستنزل.
وقال: وعدهم بالتعويض في المرفوع سواء أفي اللفظ أم التلاوة، كما وعدهم به في المنتظر الذي أخَّر نزوله وهو سينزله، بأن جعل قبله في سورته والسور السابقة لسورته ما هو مثله أو خير منها.
وقال: ولذلك كانت الآيات المكية السابقة خير من المدنية اللاحقة.
قال: ولم يعدهم أن يعوضهم خيرًا مما نسخ ومما لم ينسخ، لأن هذا يعني أن كل ما لم ينسخه من القرآن فسيأتي بمثله أو خير منه، قال: وهذا باطل.
- قال:
« والصواب قول من فسر أو ننسؤها أي نؤخرها عندنا فلا ننزلها.
والمعنىٰ: أن ما ننسخه من الآيات التي أنزلناها أو نؤخر نزوله من الآيات التي لم ننزلها بعد: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾
فكما أنه يعوضهم من المرفوع يعوضهم من المنتظر الذي لم ينزله بعد إلىٰ أن ينزله، فإن الحكمة اقتضت تأخير نزوله، فيعوضهم بمثله أو خير منه في ذلك الوقت إلىٰ أن يجيء وقت نزوله فينزله أيضًا مع ما تقدم، ويكون ما عوضه مثله أو خيرًا منه قبل نزوله.
وأما ما أنزله إليهم ولم ينسخه، فهذا لا يحتاج إلىٰ بدل ولو كان كل ما لم ينسخه اللَّه يأت بخير منه أو مثله لزم إنزال ما لا نهاية له.
وكذلك إن قُدِّر أن المراد يؤخر نسخه إلىٰ وقت ثم ينسخه، فإنه ما دام عندهم لم يحتج إلىٰ بدل يكون مثله أو خيرًا منه، وإنما البدل لما ليس عندهم مما أنسوه أو أخر نزوله فلم ينزله بعد، ولهذا لم يجعل البدل لكل ما لم ينزله بل لما نسأه فأخر نزوله، إذ لو كان كل ما لم ينزل يكون له بدل لزم إنزال ما لا نهاية له، بل ما كان يعلم أنه سينزله وقد أخر نزوله يكونون فاقديه إلىٰ حين ينزل كما يفقدون ما نزل ثم نسخ فيجعل سبحانه لهذا بدلًا ولهذا بدلًا
وأما ما أنزله وأقره عندهم وأخر نسخه إلىٰ وقت، فهذا لا يحتاج إلىٰ بدل فإنه نفسه باق، ولو كان هذا مرادًا لكان كل قرآن قد نسخه يجب أن ينزل قبل نسخه ما هو مثله أو خير منه، ثم إذا نسخه يأتي بخير منه أو مثله، فيكون لكل منسوخ بدلان: بدل قبل نسخه وبدل بعد نسخه، والبدل الذي قبل نسخه لا ابتداء لنزوله، فيجب أن ينزل من أول الأمر، فيلزم نزول ذلك كله في أول الوحي، وهذا باطل قطعًا.
فإن قيل: فهذا يلزم فيما أخره فلم ينزله، فإن له بدلًل ولا وقت لنزول ذلك البدل، قيل: ما أخر نزوله وهو يريد إنزاله معلوم، والبدل الذي هو مثله أو خير منه يؤتىٰ به في كل وقت، فإن القرآن ما زال ينزل.
وقد تضمن هذا أن كل ما أخر نزوله، فلا بد أن ينزل قبله ما هو مثله أو خير منه، وهذا هو الواقع، فإن الذي تقدم من القرآن نزوله لم ينسخ كثير منه خير مما تأخر نزوله، كالآيات المكية، فإن فيها من بيان التوحيد والنبوة والمعاد وأصول الشرائع ما هو أفضل من تفاصيل الشرائع، كمسائل الربا والنكاح والطلاق وغير ذلك.
فهذا الذي أخره اللَّه مثل آية الربا، فإنها من أواخر ما نزل من القرآن، وقد روي أنها آخر ما نزل، وكذلك آية الدين والعدة والحيض ونحو ذلك قد أنزل اللَّه قبله ما هو خير منه من الآيات التي فيها من الشرائع ما هو أهم من هذا وفيها من الأصول ما هو أهم من هذا.
ولهذا كانت سورة الأنعام أفضل من غيرها وكذلك سورة يس ونحوها من السور التي فيها أصول الدين التي اتفق عليها الرسل كلهم صلوات اللَّه عليهم.
ولهذا كانت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، مع قلة حروفها تعدل ثلث القرآن، لأن فيها التوحيد، فعُلِمَ أن آيات التوحيد أفضل من غيرها.
وفاتحة الكتاب نزلت بمكة بلا ريب، كما دل عليه قوله تعالىٰ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾
وقد ثبت في الصحيح عن النبي عليه السلام أنه قال: هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته.
وسورة الحجر مكية بلا ريب، وفيها كلام مشركي مكة وحاله معهم، فدل ذلك علىٰ أن ما كان اللَّه ينسؤه فيؤخر نزوله من القرآن كان ينزل قبله ما هو أفضل منه.
و: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، مكية بلا ريب، وهو قول الجمهور. »
ثم ذكر كلامًا وتتمة تراجع هنالك، وإنما أردت ذكر قوله وما بنىٰ عليه لا أكثر.
وفيما ذكر بعضه نظر، فإنه جائز أن يكون المراد في القول الذي أنكر وقال ابن عباس: أنه ما ينسخ من آية أو يترك نسخها ويؤخره فلا يفعل يأتي بخير منها أو مثلها إن هو نسخها فيما بعد، فيكون علىٰ ذلك وعدهم بالعوض في المنسوخ المقدم نسخه والمنسوخ المؤخر نسخه.
وإذا ذلك كذلك، لم يلزم ما لزَّم الشيخ من إنزال ما لا نهاية له من الآيات، أو الوعد بالعوض بالبدل لما هو باقٍ عندهم لا يُحتَاجُ فيه لبدل بعد.
وبعد، فصار علىٰ ما ذكر أهل التفسير وجاءت به القراءة النسخ منقسمًا لنسخ تلاوة ونسخ حكم، فلا يخرج النسخ عن هذا التقسيم، وإن كان ربما نُسِخَت الآية في الاثنين معًا أو بالأحد منهما دون الأخر.
فهذا كذلك، وإن كان أيضًا في النصوص وكلام أهل التفسير منن تقدم أن النسخ ينقسم مع ذلك لنسخ العموم والإطلاق وما أشبه ذلك مما تُبدَّلُ فيه الآية بغيرها في العموم والإطلاق ونحو ذلك، فتُقيِّدُ وتُخصَّصُ.
ولما أن بلغنا هذا المبلغ، فيحسُن بنا أن نذكر أمثلة علىٰ ذلك والنسخ بأنواعه، إذ كان في التمثيل من البيان ما يصعب باللسان، ومن التسهيل للفهم ما لا مثل له بالكلام.
- ففي الحديث الصحيح المشهور عن عمر: « إن اللَّه بعث محمدًا عليه السلام بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل اللَّه آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول اللَّه عليه السلام ورجمنا بعده، فأخشىٰ إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: واللَّه ما نجد آية الرجم في كتاب اللَّه، فيضلوا بترك فريضة أنزلها اللَّه، والرجم في كتاب اللَّه حق علىٰ من زنىٰ إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف. »
فهذا مثال علىٰ نسخ التلاوة.
يقول عمر: إنا لنخشىٰ أن يطول بالناس الزمان، فيدخل في الإسلام من لم يدرك التنزيل ولا عرف التأويل، فيقول: ليس الرجم في الكتاب، فيتشبث بما تشابه عليه من رفع تلاوة آية الرجم ابتغاء الشبهة، ويخالف بها في تأويل النسخ لذلك، فلا هو درىٰ عنه ولا هو تلا ما قد نُسِخَ، فيضل.
وقد جاءت التفاسير في قوله عز وجل: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِذا ناجَيتُمُ الرَّسولَ فَقَدِّموا بَينَ يَدَي نَجواكُم صَدَقَةً ذلِكَ خَيرٌ لَكُم وَأَطهَرُ فَإِن لَم تَجِدوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفورٌ رَحيمٌ (١٢) أَأَشفَقتُم أَن تُقَدِّموا بَينَ يَدَي نَجواكُم صَدَقاتٍ فَإِذ لَم تَفعَلوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيكُم فَأَقيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطيعُوا اللَّهَ وَرَسولَهُ وَاللَّهُ خَبيرٌ بِما تَعمَلونَ﴾
قالوا: إن الآية الأولىٰ بالأمر بتقديم الصدقة وإيجاب ذلك منسوخة بالتي تليها بإزالتها فرض الأولىٰ ورفع فرضها إلىٰ الإباحة بغير إجابة.
فهذا مثال علىٰ نسخ الحكم.
ولا حاجة بعد هذا بنا إلىٰ ذكر ما نُسِخَ في الحكم والتلاوة معًا، وقد بيناهما بالمثال، إلا أن نبين غيرهما من نسخ العموم والإطلاق.
فقد دلت النصوص علىٰ أن الآيات تُبدَّلُ في العموم والإطلاق، لأنه يقول في كفارة الظهار: ﴿فَتَحريرُ رَقَبَةٍ﴾، ثم في موضع أخر يقول في كفارة القتل غير العمد: ﴿فَتَحريرُ رَقَبَةٍ مُؤمِنَةٍ﴾
فبدل بالثانية الأولىٰ في الإطلاق، لأنه أطلق فيها تحرير رقبة بغير قيد ولا وصف، ثم في الثانية قيد ووصف وقال: ﴿مُؤمِنَةٍ﴾
ويقول في العصر: ﴿إِنَّ الإِنسانَ لَفي خُسرٍ (٢) إِلَّا الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوا بِالحَقِّ وَتَواصَوا بِالصَّبرِ﴾
فأبدل الأولىٰ بالثانية في العموم، لأنه عم فيها بغير تخصيص، ثم خصص في الثانية.
- وقال أبو خيثمة في كتاب العلم:
« ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن: أن عليًّا مر بقاص، فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟، قال: لا، قال: هلكت وأهلكت. »
فهذا سند صحيح.
وفي قول علي يرحمه اللَّه: أتعرف الناسخ والمنسوخ، معرفة الخاص والعام والمطلق والمقيد ونحوه، لا المبدل حكمه فقط، لأن القاص لا يتكلم فيما به حكم فقط، بل ربما تكلم بما فيه عموم وتخصيص وإطلاق وتقييد، فنبه علي يرحمه اللَّه بقيله القصاص أنهم إذ كانوا يتكلمون بما فيه ذلك أن لا يقول بغير علم وأن يعرفوا الناسخ من المنسوخ، وذلك فيما تكلموا به علىٰ أقل حال.
فإن القاص ربما تكلم في حديث به ناسخ ومنسوخ كحديث السبعة الذين يظلهم اللَّه في ظله، فربما ظن إن كان لا يعلم أن نسبة الظل له مبدلة في الأحاديث والأثار بنسبته لعرشه، وأنه إنما نُسِبَ له كنحو نسبة العرب للأمير والملك أنه بنىٰ وفعل وفعل، إذ كان ظاهرًا مع المعقول من أنه لا يفعل ولا يبني هو في نفسه، وأن نسبة ذلك له نسبة تسبيب لا مباشرة.
فلو أن قاصًّا لم يكن يعلم ذلك، لظن أن الظل إنما هو ظل اللَّه وصفته، فلأضاف للَّه في قصه علىٰ القوم من حوله ما لا يثبت له من الصفات، فأفحش بذلك الغلط.
واعلم يرحمك اللَّه أن ما ذكرنا من قسمة النسخ وتنوعه، إنما هو ما اشتُقَ وأُخِذَ من النص والقراءة وكلام أهل التأويل في سنين تناقل الأمة من الصحابة والتابعين وأتباعهم التفسير كابرًا عن كابر.
فتلك إذًا قسمة هي اصطلاح من الشرع لا منا، فهو اصطلاح إذ كان ذلك يلزم ويُعتَقدُ، فليس يجوز مع ذلك أن نبدل فيه فندخل ما تشاء ونخرج ما نشاء، فندخل في النسخ تبديل الحكم والتلاوة، ثم نخرج فيه تبديل العموم و الإطلاق ونحوه، ونستجيز أن نقول لهذا نسخ، ولا نستجيزه لذاك، وهذا ضلال عن الحق صاحبه غالط.
فأما من لا ينكر دخول ما ذكرنا في النسخ كله، غير أنه يستعمل لفظ النسخ لبعضه فقط، ويقول في الأخر لفظًا غير لفظ النسخ، كأن يقول لتبديل الحكم إنه نسخ، ولتبديل العموم إنه تخصيص، وليس ينكر مع ذلك أن كل ذلك نسخ ويجوز أن يقال له ذلك، فليس هذا من مرادنا في شيء.
هذا، وفي ذكر سعد لقوله تعالىٰ: ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾، استدلالًا علىٰ صحة قراءته التي قرأ: ﴿أو تَنسَاها﴾
فهذا دال علىٰ أن النسيان في تلك الآية عنده بمعناه المعروف، فتكون علىٰ وجه أن النبي عليه السلام مأمور بذكر ربه، إذ أنساه ما شاء من القرآن فنسخ تلاوته، فنسيه، كما قال: ﴿أو تنساها﴾، و: ﴿أو ننسها﴾
والآية فيها غير وجه من التفسير غير أن تفسير سعد لها علىٰ ذاك الوجه عزيز.
فإن قيل بعد ما ذكرنا: أفنسي عليه السلام بعض القرآن؟
قيل: بلىٰ علىٰ وجه أنه تعالىٰ نسخ تلاوة بعضه ورفعه، فأنساها نبيه عليه الصلاة والسلام.
وقد قال تعالىٰ: ﴿سَنُقرِئُكَ فَلا تَنسىٰ (٦) إِلّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعلَمُ الجَهرَ وَما يَخفَىٰ﴾
فمن القرآن ما قد أنساه اللَّه نبيه عليه السلام، فنسيه: ﴿إِنَّهُ يَعلَمُ الجَهرَ﴾، من قولك وقراءتك ما لم ننسخه من القرآن، و: ﴿وَما يَخفَىٰ﴾، من قراءتك ما قد نُسِخَ، فخفي عليك قراءته ونسيته.
وصل اللهم وسلم علىٰ نبينا محمد.
تعليقات
إرسال تعليق