ما الجهالة وبم ترتفع وعلىٰ ماذا يتقوىٰ صاحبها؟ د
بسم اللَّه الطبيب، وبعد:
فاعلم يرحمك اللَّه أن المجهول مجهول العين والطلب، والجهالة كذلك جهالة العين والطلب.
فجهالة العين أن لا يُعرَفَ الراوي في عينه ونفسه، فلا يُدرَىٰ أشخصه حقيقة أم لا، وذلك بأن يروي عنه واحد يُخشَىٰ أن يكون هو أو من دونه قد اختلق اسمه، فاختلق شخصه، وإنما هو رجل أخر.
وجهالة الطلب أو النقل أن لا يُعرَفَ الراوي في الحديث عنه ولا بطلبه ونقله، وذلك بأن لا يشتهر في علمه والحديث عنه عند العلماء بالحديث وإن كان هو في ذلك قد رُوِيَ عنه.
- قال أبو بكر الخطيب في الكفاية:
« باب ذِكر المجهول وما به ترتفع عنه الجهالة.
المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يُعرَف حديثه إلا من جهة راوٍ واحد، مثل عمرو ذي مر وجبار الطائي وعبد اللَّه بن أغر الهمداني والهيثم بن حنش ومالك بن أغر وسعيد بن ذي جدان وقيس بن كركم وخمر بن مالك، وهؤلاء كلهم لم يرو عنهم غير أبي إسحاق السبيعي.
ومثل سمعان بن مشنج والهزهاز بن ميزن لا يعرف عنهما راوٍ إلا الشعبي، ومثل بكر بن قرواش وحلام بن جزل لم يرو عنهما إلا أبو الطفيل عامر بن واثلة، ومثل يزيد بن سحيم لم يرو عنه إلا خلاس بن عمرو، ومثل جري بن كليب لم يرو عنه إلا قتادة بن دعامة، ومثل عمير بن إسحاق لم يرو عنه سوى عبد اللَّه بن عون، وغير من ذكرنا خلق كثير تتسع أسماؤهم.
وأقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدًا من المشهورين بالعلم كذلك أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب، أنا محمد بن نعيم، أنا إبراهيم بن إسماعيل القارئ، ما أبو زكريا يحيىٰ بن محمد بن يحيىٰ، قال: سمعت أبي يقول: إذا روىٰ عن المحدث رجلان ارتفع عنه اسم الجهالة. »
في تمثيل الخطيب علىٰ مجهول العين بمن ذكر نكارة، وآتٍ بيان ذلك إن شاء اللَّه في الكلام عن أول الجهالة وأعظمها جهالة العين.
فاعلم يرحمك اللَّه أن مجهول العين كما ذكرنا من لم يروِ عنه سوىٰ واحد يُخشَىٰ اختلاقه ووهمه في اسمه، فاختلاقه شخصه حتىٰ يكون في ذلك قاصدًا رجلًا أخر غير الذي ذكر.
فإذا روىٰ عمن كان كذلك اثنان فأكثر، زالت الجهالة عنه كما في القول عن الذهلي، إذ نأمن بذلك فيه من الشبهة التي ذكرنا، فنعرف شخصه ثابتة غير موهومة ولا مختلقة.
وكذلك إذا روىٰ عنه رجل ممن يعدل بالرواية بتخيره الثقات، زالت جهالته وإن كان الراوي عنه في ذلك واحدًا، إذ لا شبهة اختلاق وقد عرفه الراوي عنه حين خبر حاله وسأل عنه ثم عدله بالرواية، فشخصه معروفة لا شك.
- قال أبو داود في سؤالاته لأحمد:
« قلت لأحمد: إذا روىٰ يحيىٰ أو عبد الرحمن بن مهدي عن رجل مجهول، يُحتَجُ بحديثه؟، قال: يُحتَجُ بحديثه. »
عبد الرحمن ويحيىٰ ممن يعدلان بالرواية، فيتخيران في الرجال، ولا يرويان إلا عن ثقة.
- وقال ابن رجب في شرح علل الترمذي:
« وقال يعقوب بن شيبة: قلت ليحيىٰ بن معين: متىٰ يكون الرجل معروفا؟، إذا روىٰ عنه كم؟
قال: إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي، وهؤلاء أهل العلم، فهو غير مجهول.
قلت: فإذا روىٰ عن الرجل مثل سماك بن حرب، وأبي إسحاق؟
قال: هؤلاء يروون عن مجهولين، انتهىٰ.
وهذا تفصيل حسن.
وهو يخالف إطلاق محمد بن يحيىٰ الذهلي الذي تبعه عليه المتأخرون أنه لا يخرج الرجل من الجهالة إلا برواية رجلين فصاعدًا عنه. »
ولا يخالف، فيحيىٰ لم يحصر ارتفاعها بما ذكر، ولكنه ذكر شيئًا وذكر غيره شيئًا، وكل ذلك ترتفع به الجهالة.
وإذا كان ذلك كذلك، فيتبين غلط الخطيب حين عد في مجاهيل العين من لم يروِ عنهم إلا الشعبي ومن كان مثله في الرواية عن الثقات دون الضعفاء، وأعظم من ذلك إدخاله فيهم من لم يروِ عنه سوىٰ صحابي كأبي الطفيل، وهذا منكر، فالصحابي لا يحدث عن غير ثقة، ولا يجوز الظن به غير ذلك.
وكذلك إذا رُوِيَ عنه، وكان في ذلك مكنىً فيقال أبو فلان، أو منسوبًا بنسبه لجده البعيد فيقال فلان بن فلان بن فلان، أو لبلده أو بلد الأصل فيقال حضرمي بصري، أو لقبيلته فيقال همداني، زالت عنه الجهالة وإن لم يروِ عنه سوىٰ واحد، إذ لا شبهة مع ذلك من اختلاق الراوي عنه لشخصه وهو يُعرَفُ نسبه ويُكنَىٰ، فشخصه معروفة لا شك فيها.
- وقد قال أبو مسعود الدمشقي في جواب الدارقطني عما بين من غلط مسلم:
« ولا أعلم روىٰ عن أبي علي عمرو بن مالك الجنبي أحد غير أبي هانئ.
وبرواية هانئ وحده لا يرتفع عنه اسم الجهالة، إلا أن يكون معروفًا في قبيلته أو يروي عنه أحد معروف مع أبي هانئ، فيرتفع عنه اسم الجهالة. »
جئت به لقول: إلا أن يكون معروفًا في قبيلته، ومصداق ما ذكر وذكرت في كلام أهل الفن.
- قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل في ترجمة المغيرة بن أمي المنقري البصري:
« سألت أبي عنه، فقال: لا أعلم روىٰ عنه غير ابنه عبد العزيز، وأرىٰ حديثه مستقيمًا. »
- وقال في ترجمة عبد الواحد بن سلمان الأغر المديني:
« سألت أبي عنه، فقال ما أعلم أحدًا روىٰ عنه غير أبي الربيع الزهراني، وأرىٰ حديثه مستقيمًا، ما أرىٰ به بأسًا. »
- وقال في ترجمة عبد الرحمن بن الحارث السلامي:
« سألت أبي عنه، فقال: شيخ مجهول لا أعلم روىٰ عنه غير هشام، وأرىٰ حديثه مقارب. »
فهؤلاء كلهم وثمَّ غيرهم قد وثقهم أبو حاتم علىٰ رواية واحد عنهم، ولم يجعلهم لذلك مجاهيل عين، كما هو عند الخطيب، إذ كانوا معروفي النسبة، فأشخاصهم في ذلك معروفة لا شبهة في اختلاقها.
وليس الأمر انفرادًا من أبي حاتم مع ذلك.
- قال ابن المديني في خالد بن سمير: « لا يُعلم روىٰ عنه أحد سوىٰ الأسود بن شيبان، ولكنه حسن الحديث. »، وقال مرة عنه: « حديثه عندي صحيح. »
ذكره ابن رجب في شرح علل الترمذي.
فوثقه علىٰ رواية واحد عنه، إذ لا شبهة في شخصه ونسبه معروف، فهو بصري سدوسي كما ذكر البخاري.
وقد قال في يسيع الحضرمي ولم يرو عنه سوىٰ واحد أنه معروف، إذ شخصه ونسبه معروف، فهو حضرمي.
- وقال أبو داود في سؤالاته:
« قلتُ لأحمد: روىٰ عن هبيرة غير أبي إسحاق؟
قال: لا.
قال أحمد: ما أصح حديث هبيرة، يمدحه. »
فوثقه علىٰ رواية واحد عنه.
وإذا كان ذلك كذلك، فيتبين غلط الخطيب حين عدد أناسًا هم معروفو النسبة في مجاهيل العين، كمشيخة أبي إسحاق الذين ذكر، وفيهم مع ثبوت نسبته من وُثِّقَ بالرواية عنه، والعجب من المتأخرين إذ يذكرون الرجل منسوبًا مُكنًى معروفًا، ثم يقولون: مجهول، ويعدوه كذلك!
فهذا كذلك، فأما مجهول الطلب، فكما ذكرنا لم يشتهر عند العلماء وإن روىٰ عنه غيرهم من الناس، حتىٰ لا يكون مشهورًا في الروايات وطلب العلم من الحديث عند أهله.
وقد كان العقيلي في الضعفاء يقول في غير راوٍ: مجهول، وحديثه خطأ، أو غير محفوظ، أو حدث بمناكير.
فيذكر جهالة أناس معروفي النِسبة، ليسوا بمجاهيل عين، يذكر أن هذا بصري، وهذا واسطي، وهذا قرشي، وهذا شيباني، ويقول في حديثه ما ذكرنا فينبئ عن ضعف الحال، ومع ذلك ينص علىٰ جهالتهم.
يريد بكلامه ذاك جهالة الطلب، وذلك أنه في نظير كلامه ذلك يقول: مجهول بالرواية، مجهول بالنقل.
- وقد قال في محمد بن عبد الجبار من الضعفاء: « حدث عنه شعبة، مجهول بالنقل. »
وشعبة مشهور في نقده لا يروي إلا عن ثقة، فالحال الوثاقة، ولكن يريد جهالة طلبه كما في نص كلامه.
وكان أبو حاتم يقول في الرجل مجهول وهو لا بأس به عنده، وتقدمت أمثلة ذلك، وإنما يريد جهالة الطلب.
- وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل:
« علي بن سلمة القرشى مديني روىٰ عن أبي هريرة روىٰ عنه يحيىٰ بن أبي كثير سمعت أبي يقول ذلك.
ويقول: هو شيخ مجهول لا أعلم روىٰ عنه غير يحيىٰ بن أبي كثير. »
يحيىٰ لا يروي إلا عن ثقة بنص أبي حاتم، وإنما يريد أنه مجهول طلب، فلم يرو عنه غير يحيىٰ.
وكان ابن المديني يقول عن الرجل مجهول، وربما مع ذلك وثقه هو أو غيره أو روىٰ عنه ناقد أو تعرَّف بنسبته أو برواية الجمع، لا يريد في ذلك أنه يشترط لزوال جهالة الشخص أكثر من المعروف ومما ذكرنا، ولكنه كغيره يقولها لجهالة الطلب وأن الراوي لا يعرف حديثه وطلبه بين العلماء.
وتقدم قوله في خالد بن سمير أنه لا يُعلَمُ روىٰ عنه أحد سوىٰ الأسود بن شيبان، ولكنه حسن الحديث.
يريد لا يُعلَمُ بالحديث عنه وطلبه والاعتناء به بين العلماء، فلم يُعرَف عنه راوٍ إلا واحد.
- قال ابن رجب في شرح علل الترمذي:
« وابن المديني يشترط أكثر من ذلك، فإنه يقول فيمن يروي عنه يحيىٰ بن أبي كثير وزيد بن أسلم معًا: إنه مجهول.
ويقول فيمن يروي عنه شعبة وحده: إنه مجهول.
وقال فيمن يروي عنه ابن المبارك ووكيع وعاصم: هو معروف.
وقال فيمن يروي عنه عبد الحميد بن جعفر وابن لهيعة: ليس بالمشهور.
وقال فيمن عنه ابن وهب وابن المبارك: معروف.
وقال فيمن يروي عنه المقبري وزيد بن أسلم: معروف.
وقال في يسيع الحضرمي: معروف، وقال مرة أخرىٰ: مجهول، روى عنه ذر وحده.
وقال فيمن روى عنه مالك وابن عيينة: معروف.
وقد قسم المجهولين من شيوخ أبي إسحاق إلىٰ طبقات متعددة. والظاهر أنه ينظر إلىٰ اشتهار الرجل بين العلماء وكثرة حديثه ونحو ذلك، لا ينظر إلىٰ مجرد رواية الجماعة عنه.
وقال في داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص: ليس بالمشهور، مع أنه روىٰ عنه جماعة.
وكذا قال أبو حاتم الرازي في إسحاق بن أسيد الخراساني: ليس بالمشهور، مع أنه روىٰ عنه جماعة من المصريين لكنه لم يشتهر حديثه بين العلماء.
وكذا قال أحمد في حصين بن عبد الرحمن الحارثي: ليس يُعرَفُ، ما روىٰ عنه غير حجاج بن أرطأة وإسماعيل بن أبي خالد روىٰ عنه حديثًا واحدًا.
وقال في عبد الرحمن بن وعلة: إنه مجهول، مع أنه روىٰ عنه جماعة، لكن مراده أنه لم يشتهر حديثه ولم ينتشر بين العلماء. »
فهذا الاستدراك في الأخير من ابن رجب رحمه اللَّه حسن.
- وقال ابن أبي حاتم في ترجمة أبي عون بن أبي حازم:
« سُئِلَ أبو زرعة عنه، فقال: هو مديني لا نعرفه.
قال أبو محمد: إذا لم يعرفه مثله فقد جعله مجهولًا. »
يريد مجهول حال وطلب، فلم يرو عنه كبير أحد إلا واحد، وإلا فأبو زرعة ينسبه أنه مديني، وهو مكنىً بكنيته.
وهذا من ابن أبي حاتم ثناء علىٰ أبي زرعة بوسع الاطلاع والتوسع في العلم بالحديث ورواته، فمن لم يعرفه هو فقد جعله مجهولًا علىٰ الإطلاق.
- وقال الأثرم في سؤالاته لأحمد:
« سمعت أبا عبد اللَّه يُسأَلُ عن الزبير بن عربي كيف هو؟، قال: لا أعرفه، ما أعلم أحدًا روىٰ عنه غير حماد بن زيد، ثم قال: أراه لا بأس به. »
يريد كما في سياق كلامه لا أعرفه في الروايات عنه، فلا أعلم أحدًا روىٰ عنه سوىٰ حماد، ثم هو مع ذلك يوثقه.
- وقال البخاري في تاريخه الكبير:
« عمرو بن ذي مر الهمداني، يعد في الكوفيين، سمع عليًّا.
روىٰ عنه أبو إسحاق الهمداني وحده، لا يُعرَفُ. »
وعمرو معروف النسبة والقبيلة همداني، وقد روىٰ عنه حديثه شعبة في نقده.
وهو صاحب القراءة التي انفرد بروايتها عن علي: ﴿والعصر ونوائب الدهر﴾، وقد احتج به في نسبتها لعلي الطبري في التفسير، وكذلك احتج بها في التفسير قتادة إذ ذكرها، وهذا الأخير إمام في التفسير، يقول: ما من آية إلا وسمعت فيها شيئًا، وكان يذكر القراءات، وهي في أثار صحيحة عن الصحابة.
وإنما أراد البخاري كما في سياقة قوله أنه لا يعرف في الحديث عنه ونقله، إذ روىٰ عنه أبو إسحاق وحده، وذلك فصحيح وإن كان قد روىٰ عن أبي إسحاق عنه حديثه جمع من العلماء في الكوفة كسفيان والحسن بن صالح وشعبة، وهو بصري لكن أبو إسحاق كوفي يروي عنه هنالك، فهو مع ذلك لم يشتهر عند العلماء بالعلم والحديث عنه منهم.
والبخاري في مرات يقول: لا يعرف بكبير حديث، أو يقول: لا يعرف إلا بهذا، ولا يعرف إلا بحديث الوتر، يريد: جهالة الطلب أنه لا يعرف في الحديث عنه عند العلماء، ولا يعرف إلا بكذا.
ومثل تلك الجهالة مقرونة بجهالة الحال أو حتىٰ الضعف، إذ لا ينشرح الصدر لأهلها في حالهم، فلا يُعرَفُون في الروايات عند أهلها وبطلبها والعناية بها، وإذ توكد ضعفهم إذا أتوا بمنكر علىٰ قلة حديثهم.
- قال أبو داود في مسائله:
« سمعت أحمد، وسُئِلَ عن حديث عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه، أن النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم، قال: لنا غنم مائة، أتثبته؟
فقال عاصم: لم نسمع عنه حديثًا كذا، يعني: لم نسمع عنه بكثير رواية، أي: ليس عاصم بن لقيط بمشهور في الروايات عنه. »
- وقال الميموني في سؤالاته:
« قلت يعني لأحمد بن حنبل: إسماعيل بن زكريا كيف هو؟، قال لي: أما الأحاديث المشهورة التي يرويها، فهو فهو مقارب الحديث صالح، ولكنه ليس ينشرح الصدر له، ليس يعرف، هكذا، يريد بالطلب. »
وقد كان أبو حاتم ينص علىٰ الجهالة مع التضعيف، ومع إنكار الحديث، يريد جهالة الطلب لا الحال، فالحال الضعف الشديد إذ أتىٰ الرجل بمنكر علىٰ قلة حديثه، ولكن يذكر ذلك لأن جهالة الطلب تدل علىٰ ضعف الحال الذي ذكر وتثبتها.
هذا، وكلما زاد الرواة عن مجهول الطلب والذي أصله أنه مجهول حال كذلك كلما حَسُنَ حاله وقَوِيَ، خاصة إن كان في طبقة متقدمة فاضلة، لأن ذلك يدل علىٰ شهرة الطلب والمعرفة به عند أهله.
وقد كان ابن معين يقول في الرجل: مشهور، وفي نظير ذلك يقول: ثقة مشهور.
وإنما هذا لأن شهرة الراوي بالعلم والرواية دون تضعيف مضعف له أو إنكار منكر لحديث له علىٰ عادتهم بل تدينهم في إنكار المنكر من الحديث وبيان ضعف الضعيف، فمثل ذلك يدل علىٰ الوثاقة وحسن الحال.
- قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل:
« سمعت أبا زرعة يقول: لا أعلم أحدًا من أهل العلم طعن علىٰ حبيب بن صالح في معنىً من المعاني، وهو مشهور في بلده بالفضل والعلم، وشعبة في انتقاده وتركه الأخذ عن كل أحد يستعيد بقية حديث حبيب بن صالح. »
- وقال أيضًا:
« باب في رواية الثقة عن غير المطعون عليه أنها تقويه، وعن المطعون عليه أنها لا تقويه.
سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة مما يقويه؟، قال: إذا كان معروفًا بالضعف لم تقوه روايته عنه، وإذا كان مجهولًا نفعه رواية الثقة عنه.
سألت أبا زرعة عن رواية الثقات عن رجل مما يقوى حديثه؟، قال: أي لعمري، قلت: الكلبي روىٰ عنه الثوري، قال: إنما ذلك إذا لم يتكلم فيه العلماء، وكان الكلبي يُتكلَّمُ فيه.
قال أبو زرعة: حدثنا أبو نعيم، نا سفيان، نا محمد بن السائب الكلبي وتبسم الثوري.
قال أبو محمد: قلت لأبي ما معنىٰ رواية الثوري عن الكلبي وهو غير ثقة عنده؟، فقال كان الثوري يذكر الرواية عن الكلبي علىٰ الإنكار والتعجب، فتعلقوا عنه روايته عنه وإن لم تكن روايته عن الكلبي قبوله. »
هذا مما يدل علىٰ أن الأئمة لا يررون عن المتهم ولا يروون المنكر والموضوع، بل كانوا لا يستحلون ذلك، ولكن المحتمل والصحيح.
- وقد قال ابن أبي خيثمة في تاريخه الكبير:
« حدثنا أحمد بن حنبل، قال: أبو داود الطيالسي، قال: أنا شعبة، عن يعلىٰ -يعني: ابن عطاء-، قال: كان يحدثني عن أبيه فيرسله، لا يرويه عن أحد.
فقلت له: فأبوك عمن؟
فيقول: أنت لا تأخذ عن أبي وقد أدرك عثمان وأدرك كذا؟ »
فاستدل علىٰ حسن حال أبيه ليؤخذ عنه بإدراكه زمانًا فاضلًا زمان عثمان رحمه اللَّه، ومن أدرك زمانه فمن أقدم منه زمنًا معدود في كبار التابعين.
- وقال أبو داود في سؤالاته:
« سمعت أحمد بن حنبل قال: يعلىٰ بن عطاء لشعبة: لا تأخذ عني، عن أبي، وقد أدرك فلانّا وفلانّا، فقيل لأحمد: فحدث عن أبيه أحد غيره من أصحابه؟
قال: لا. »
فهنا أحمد ذكر الحكاية واستدلال عطاء مقرًّا بغير نكير.
وقد روىٰ شعبة عن عطاء عن أبيه، فوثقه بالرواية عنه.
فهذا كله يدل علىٰ أن من أدرك زمانًا فاضلًا متقدمًا، وكان من كبار التابعين، فحاله حسنة خير من غيره، ولا يقاس بمن دونه.
وذلك فأولىٰ إن كانت رواية الجمع عنه وغير ذلك من القرائن، وإنما هذا ما لم يُضعَّف بعينه، فمثل هذا لا ينفعه شيء.
هذا، وإن ما ذكرنا من اقتران تلك الجهالة بجهالة الحال ليس علىٰ التمام، بل إن من مجاهيل الطلب ثقاتًا عند الأئمة، يستدلون علىٰ وثاقتهم مع قلة حديثهم بظاهر حالهم ما لم يأتوا بمنكر لا يحتمل لهم.
ذلك أن من طرق الأئمة ومسالكهم في معرفة عدالة الراوي وحفظه، أنهم كانوا ينظرون لحاله في حديثه، فيستدلوا بذلك علىٰ صدقه وحفظه.
- قال أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد:
« أخبرني الأزهري، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عمر، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب، قال: حدثنا جدي.
قال جدي: وحدثني محمد بن عمر، قال: سألت يحيىٰ بن معين عن روح بن عبادة.
فقال: ليس به بأس، صدوق، حديثه يدل علىٰ صدقه، يحدث عن ابن عون، ثم يحدث عن حماد بن زيد، عن ابن عون.
قال: قلت ليحيىٰ: زعموا أن يحيىٰ القطان كان يتكلم فيه؟، فقال: باطل، ما تكلم يحيىٰ القطان فيه بشيء، هو صدوق. »
جِئتُ به لقوله: حديثه يدل علىٰ صدقه، واستدلاله علىٰ ذلك بظاهر حاله في حديثه، إذ ينزل في الرواية، إذ لم يسمع ولم يعرف الحديث في نفسه، فيرويه بواسطة غيره عن شيخه، وهذا دال علىٰ الصدق.
- وقال أبو حاتم في رجل يقال له غالب بن الهذيل: « لا بأس به. »
وغالب هذا كوفي، مقل من الرواية جدًّا، لا يكاد يحدث بالمرفوع المرغوب عن النبي عليه السلام، وإنما يروي قول من عاصر وسمع إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير.
ولحاله ذي الدالة علىٰ ورعه وصدقه وتحديثه بما يعرف ويحفظ عدله أبو حاتم.
فبهذا ومثله من الاستدلال بالحال قد كان أهل النقد أبو حاتم وابن معين وغيرهما يعدلون به الرواة ومنهم مجاهيل طلب، وتقدم بعض أمثلة ذلك.
وعلىٰ ذلك، فإنه إذا ما وثق إمام رجلًا، ثم جعله نظيره مجهولًا، حُمِلَ ذلك علىٰ الموافقة علىٰ جهالة الطلب لا الحال فضلًا عن أن يُحمَلَ علىٰ جهالة العين في توثيق الإمام للظاهر المتوهم من رواية الواحد فقط، فإن كثيرًا من المتأخرين ليس عنده جهالة هي جهالة طلب بل إما حال وإما عين، فيعارض بين قول من وثق ومن ادعىٰ الجهالة، ثم حتىٰ جهالة العين والحال يتوسعون فيها ويدعونها في توثيق النقاد غير الصريح وفي معرفة نسبة الراوي وثبوت شخصه.
- ومثال ذلك الذي ذكرنا في حديث رواه أحمد في المسند:
« حدثنا عبد الصمد، قال: حدثنا أبو دارس صاحب الجور، قال: حدثنا أبو بردة بن أبي موسىٰ، عن أبي موسىٰ أنه رأىٰ النبي صلى اللَّه عليه وسلم يصلي ركعتين بعد العصر. »
فأبو دراس أو دارس هذا بصري روىٰ عنه ثلاثة اثنان منهم من أهل بلده، وقال ابن معين فيه: لا بأس به، إنما يروي حديثًا واحدًا.
يعني أن حاله إذ لم ير إلا حديثًا واحدًا، عليه نور ويشهد له حديث غيره، تدل علىٰ ورعه وصدقه وأنه حدث بما عرف وحفظ.
وهذا استدلال حسن، وقد عارض بعضهم قول ابن معين هذا بقول أبي حاتم أنه مجهول، ولم يرد جهالة حاله واللَّه أعلم، ولكن جهالة طلبه، فإنه وإن روىٰ عنه جمع لا بأس بعددهم، فغالبهم من أهل بلده، ولم يشتهر عند العلماء في طلب العلم والحديث عنه.
فهذا كذلك، ولم نذكر بعد جهالة الحال إذ كان الخلل أكبر في غيرها منها، فجهالة الطلب لا تكاد تجدها تُعرَفُ عند غير باحث متأخر، فلا تُعتبَرُ في العلم والحديث وهي ذو أثر جلل، وجهالة العين يُتوسَّعُ فيها بكثير.
هذا علىٰ أن في تلك خللًا أيضًا من توسع المتأخرين في ادعاءها غفلة منهم عن التوثيق غير الصريح، حتىٰ قد ضُعِّفت أثار في السنة قد كان يقول بها أئمة الحديث.
فجهالة الحال أن لا يُعرَف الراوي بجرح ولا عدالة من النقاد، وذلك بأن يذكروا أنه مجهول لا يعرفونه، أو بأن لا يؤثر عنهم تعديل له ولا تجريح وإن لم يذكروا ذلك، لأن هذا يقوم مقام الأول.
وتلك الجهالة فربما كانت عامة بأن لا يؤثر عن أحد من النقاد أي تعديل للرجل، وربما كانت خاصة بأن يجهله أحدهم ويوثقه غيره، وهذه لا تقوم بها حجة في ادعاء الجهالة، فإن من خبر الحال واجتهد وسأل أولىٰ ممن لم يفعل، ومن علم حجة علىٰ من لم يعلم.
وإذا وُثِّقَ المجهول كذلك ارتفعت جهالته، ولا يلزم أن يكون صريحًا، فقد يكون بالرواية من إمام هو في نقده لا يروي عن كل أحد، أو بتصحيح الناقد الحديث واحتجاجه به، مما يقضي بتوثيقه لراويه واعتداده به.
وهذا الأخير يرحمك اللَّه مهمل من المتأخرين عن ظاهرية فيهم، وأحسنهم حالًا من يتنبه له في أحوال ثم هو في غيرها لا يفعل، بل من عجائبهم أن الناقد يصحح حديثًا، فيتكلفون تخريج ذلك له أو يقولون كيف لأنه صحح له وهو مجهول وربما جعلوه بذلك متساهلًا كما جعل بعضهم الترمذي كذلك، فقد صحح لغير مجهول، اللَّه المستعان هو في ذلك يوثق، لا يُحتَاجُ لذكر ذلك ليفهم، ولا يمكن أنه غفل عن جهالة حال الرجل وهو يذكر الحديث بذكر رجاله وذكره، ثم يصحح له.
ولأنا ذكرنا ذلك، فإني ذاكر غير تصحيح له لمن يُظَنُّ به الجهالة، ومتابعة من تابعه علىٰ التوثيق، ليعلم أنه في ذلك غير متساهل بالتصحيح للمجاهيل الذين هم كذلك، بل إنما هو يوثقهم ويوثقهم غيره.
- قال الترمذي في جامعه:
« حدثنا علي بن خشرم، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أثيع، قال: سألت عليًّا بأي شيء بعثت؟
قال: بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين النبي عليه السلام عهد فعهده إلى مدته، ومن لا مدة له فأربعة أشهر.
وفي الباب عن أبي هريرة.
حديث علي حديث حسن صحيح.
حدثنا ابن أبي عمر ونصر بن علي، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي إسحاق نحوه، وقالا: زيد بن يثيع، وهذا أصح، وشعبة وهم فيه فقال: زيد بن أثيل. »
فربما قيل: زيد هذا مجهول، وليس كذلك، فقد وثقه فروىٰ عنه شعبة، فالترمذي حين صحح له هو في ذلك متبع للأئمة.
- وقال:
« حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس، عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: قال رسول اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم: الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شجنة من الرحمن، فمن وصلها وصله اللَّه، ومن قطعها قطعه اللَّه.
هذا حديث حسن صحيح. »
فربما قيل: أبو قابوس هذا مجهول، فأبو قابوس قد روىٰ عنه شعبة، ومن روىٰ عنه شعبة في شهرته وجلالته ومعرفة الناس بنقده في الرواية فهو أشهر بالوثاقة عند أهل الحديث من أن يوثق بالقول، وإذا كان أحمد يقول في الرجل روىٰ عنه أيوب أي شيء يقال فيه، فأي شيء يقال فيمن روىٰ عنه شعبة الذي كان يسأله أيوب؟
وقد قال أبو حاتم فيمن روىٰ عنه: يُحتَاجُ أن يُسأَلَ عنه؟
- وقال الدارمي في نقضه:
« وسنذكر في إبطال حججك في هذه المسألة أخبارًا صحيحة يستدل بها من وفقه اللَّه تعالىٖ علىٰ إلحادك فيها إن شاء اللَّه تعالىٰ.
حدثنا مسدد، ثنا سفيان، عن عمرو -وهو ابن دينار-، عن أبي قابوس، عن عبد اللَّه بن عمرو، قال رسول اللَّه عليه السلام: الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء. »
فهذا إمام من العلية الدارمي يصحح، فليس الأمر تساهلًا من أبي عيسىٰ وغفلة عن الجهالة، إذ قد تتابع التعديل لأبي قابوس، ولا يكون غفلة علىٰ التتابع.
- وقال:
« حدثنا الحسن بن علي الخلال، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا شعبة، عن يعلىٰ بن عطاء، عن وكيع بن عدس، عن عمه أبي رزين، عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وهي علىٰ رجل طائر ما لم يُحدَّث بها، فإذا حُدِّثَ بها وقعت.
هذا حديث حسن صحيح. »
فربما قيل: وكيع هذا مجهول، وعلىٰ أنه قد روىٰ عنه شعبة وقد أخبرنا ما في روايته من الشهرة والاستغناء عن أن يقال لمن حدث عنه: إنه ثقة.
فوكيع هذا مشهور عند العلماء لا يمتنعون عن التحديث عنه وإدخال حديثه في الكتب حتىٰ قد أدخله ابن خزيمة في الصحيح، وحتىٰ أن الدارمي يذكر حديثه في أحاديث الرؤية الشهيرة يحتج به علىٰ متأولة الجهمية، وكل ذلك بغير لمز لامز له ولا كلام متكلم فيه، ثم مع ذلك هم قد أدخلوا بعض أحاديثه في السنة، وأجمعوا عليها فعليه، فليس أنه مشهور محتج به مصحح له فموثق، بل وكبير من العلية مجمع عليه.
- قال الدارقطني في الصفات:
« حدثنا محمد بن مخلد، ثنا العباس بن محمد الدوري، قال: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام وذكر الباب الذي يُروَىٰ في الرؤية والكرسي وموضع القدمين، وضحك ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره، وأين كان ربنا قبل أن يخلق السماء وأن جهنم لا تمتلئ حتىٰ يضع ربك عز وجل قدمه فيها فتقول: قط قط، وأشباه هذه الأحاديث.
فقال: هذه الأحاديث صحاح حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم علىٰ بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، ولكن إذا قيل: كيف وضع قدمه؟، وكيف ضحك؟، قلنا: لا يفسر هذا ولا سمعنا أحدًا يفسره. »
فذكر حديث العماء وهو لوكيع، وقال حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم علىٰ البعض، أي وهم لا ينكرونها، وذلك أنها لو كان فيها التشبيه أو إثبات ما لا يثبت من الصفات بنقل المجاهيل، لأنكروها وما رووها علىٰ عادتهم بل تدينهم في إنكار المنكر والموضوع من الحديث وترك روايته ورواية ما لا يعتقدوه في السنة.
- قال عبد اللَّه في العلل:
« سمعت أبي يقول: ذكرنا عند وكيع بن الجراح أحاديث يعلىٰ بن عطاء عن وكيع بن حدس، فقلت: هذا يروي عنه خمسة أحاديث، فجعل يذكر ذلك.
قال أبي: لم يسمعها هذه أحاديث معروفة لم يسمعها. »
كأن المراد فجعل ينكر ذلك، فقال أحمد معتذرًا له أنه لم يسمعها، وأنها معروفة.
فهذا أحمد إمام أهل الحديث يقول معروفة، فأين الجهالة المزعومة تلك؟، وأين الأئمة عن الإنكار علىٰ صاحبها وتضعيفه وهو مجهول ينقل ما لا يثبت من الصفات والكلام عن الرب عز وجل، ومالهم يروون ذلك، واللَّه المستعان.
- وقال:
« حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض بن سارية، قال: وعظنا رسول اللَّه عليه الصلاة والسلام يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب.
فقال رجل: إن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا يا رسول اللَّه، قال: أوصيكم بتقوى اللَّه، والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم يرىٰ اختلافًا كثيرّا، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ.
هذا حديث حسن صحيح.
وقد روىٰ ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض بن سارية، عن النبي عليه السلام نحو هذا. »
فربما قيل: عبد الرحمن هذا مجهول، وليس كذلك، فقد احتج بحديثه أحمد وأثبته، فقضىٰ بوثاقته، ولا يكون هذا غفلة عن الجهالة منه، لأن هذا حديث أصل في بابه عظيم شأنه لا يمكن أن يصححه عن غفلة.
- قال أبو داود في مسائله:
« سمعت أحمد غير مرة يُسأَلُ: يقال: لما كان من فعل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي سنة؟، قال: نعم، وقال مرة لحديث رسول اللَّه: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، فسماها سنة. »
- وقال أبو زرعة الدمشقي عبد الرحمن بن عمرو في تاريخه:
« والعرباض قديم الموت، روىٰ عنه الأكابر: عبد الرحمن بن عمرو السلمي، وجبير بن نفير، وهذه الطبقة. »
فذكره مع الأكابر، وقدمه في الذكر علىٰ جبير بن نفير، أفذلك إلا لأنه ثقة بل ومن العلية؟
وهناك غير الذي ذكرنا، غير أنا نترك ذكر ذلك كله مخافة التطويل، وليس أنا نقول أن الترمذي كالكبار والعلية أحمد وابن معين وشعبة ومن كان مثل هؤلاء، فهو يخطئ في تصحيح بعض المعلول عن قصور تنبه وحذق منه مع اعتداده بعلل أهل الحديث وتنبهه للإعلال بها في الأصل، وربما صحح لمشهور بالضعف ككثير بن عبد اللَّه بن عمرو، ومثل ذا قد يقع للائمة الكبار حتىٰ إذ لا يخبرون حال الرجل جيدًا أو يتهاونون تهاون البشر الذي يعرض، فيقوون مشهورًا بالضعف والباقي كلهم يضعفونه.
وما نرىٰ أبا عيسىٰ الترمذي رحمه اللَّه إلا حسنًا متوسط التصحيح، وهو يُظلَمُ بما يقال فيه.
وللكلام عن دعوىٰ تساهله تتمة في مقال أخر إن شاء اللَّه.
والحمد للَّه رب العالمين.
تعليقات
إرسال تعليق