من هو الإمام الشرعي؟

بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّه، وبعد:

فهذا كلام داعيه ما يُرَىٰ من تأميم من ليس هو بإمام، وليعرف هذا أصلًا واضحًا لا لبس فيه، لا بد من أن يعرف من هو الإمام؟

قال أبو محمد حرب الكرماني في السنة حاكيًّا الإجماع:

” والدِّينُ إنما هو: كتابُ اللَّهِ عز وجل، وأثارٌ وسننٌ، ورواياتٌ صِحاح عن الثقاتِ بالأخبارِ الصحيحةِ القوية المعروفة المشهورة.

يصدق بعضها بعضًا حتىٰ ينتهي ذلك إلىٰ النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم، أو أصحابِ النبي، أو التابعين، أو تابعي التابعين، أو من بعدهم من الأئمةِ المعروفينَ المُقتدَى بهم، الذين لا يُعرَفون ببدعة، ولا يُطعَن عليهم بكذب، ولا يُرمَون بخلاف. “

هذا إجماع معه تستبين الإمامة عند أهل الحديث لمن هي؟

فالإمام شريطته أن لا يُعرف ببدعة وضلال، فيُعرف بالسنة والهدىٰ، وأن لا يُطعن عليه بكذب ولا فسق، فيُمدح بالخير والصلاحٍ حافظًا لفرائضه وعمله، وأن لا يُرمىٰ بخلاف.

وهذا الأخير هو الشذوذ عن الاعتقاد عامة وعن الحديث خاصة بخاص من القياس أو ما أشبهه.

- يدلك علىٰ أنه قصد ذلك قوله إثر ذلك الكلام: « وليسوا أصحاب قياس ولا رأي، لأن القياس في الدين باطل، والرأي كذلك، وهو أبطل منه »

ثم ذكر رحمه اللَّه ذم أهل الرأي، الذين يقيسون في الحديث في الفقه، ويذكرون الفتيا عن العالم أمامه، فيردون به وبالقياس اعتقاده.

ويعني حرب أن القياس في واضح الدين باطل، يعني أن القياس في الاعتقاد سواء أكان في مشاهد أو غير مشاهد، وسواء أكان بوجوب الصلاة أم بعذاب القبر، الذي فيه فصل من اللَّه ونص، باطل.

وهذا في كلامه في سياقه، لأنه يحكي الإجماع في الاعتقاد، ويتكلم عن الاعتقاد، فلا يؤخذ ما يذكر مجردًّا عما سيق له، ويُرَد علىٰ صاحبه بهجر من القول، كما فعل المدعو حاتم العوني في كلام له عن عقيدة حرب.

وما ذنب حرب رحمه اللَّه وهو يحكي الإجماع؟، وهي يجوز أن يحكي الإجماع علىٰ نفي القياس من أصله، وذلك البدعة؟

وعليه فالخلاف إنما هو في المقام الأول ما يفعل أهل الرأي من الشذوذ عن سنة بينة قد ظهر صحت الحديث بها بشاذ من العلم من خاص من القياس أو الفتيا لعالم.

وأما الشذوذ عن سنة واضحة ظهر صحت الحديث بها، بمستقيم من العلم من إجماع العلماء، الذي خالف تلك السنة، وبالمعقول في العقل من أن الحديث لو كان صحيحًا بها وكانت قولًا يقال به، لما فات كل علماء الأمصار إياها.

فهذا ليس من الشذوذ بعلم شاذ، لأن ذلك علم نقلي عقلي ظاهر، ظاهر الإعلال به، فيعل بخلافه الحديث بالسنة، ولا يكون في ذلك شيء، كما أن إعلال أي حديث ظاهر الصحة بسنة من السنن في أول نظرة، بعلم وعلة الإعلال بها بين، ليس بشذوذ مذموم ولا خلاف.

وقد كان الإعلال بذلك الذي ذكرت عند أهل الحديث، فقد أعل الإمام مسلم في التمييز حديثّا، لخلافه إجماع العلماء، ولأن علمه لو صح، وكان نظير العلم بسائر الموجبات، لما ذهب عن جميعهم.

ولقد قال اللَّه تبارك اسمه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾، أي شرك، نظير الذي في قوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾، يعني الشرك، قال: ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

ففيما قال اللَّه تعالىٰ بيان معه مستبين حرمة الخلاف بما لا يقوم عن أمر رسول اللَّه، إذ ظهرت صحة النقل به، وبان علمه.

وكذلك كان يرىٰ العلماء، ولذلك كانوا ينهون عن التحديث بعلم شاذ لعالم أمام السنة، ويشتد غضب أحدهم من ذلك.

قال الترمذي في سننه إثر ذكره حديث إشعار البدن:

” سمعت يوسف بن عيسىٰ، يقول: سمعت وكيعًا، يقول حين روى هذا الحديث، قال: لا تنظروا إلىٰ قول أهل الرأي في هذا، فإن الإشعار سنة، وقولهم بدعة.

وسمعت أبا السائب يقول: كنا عند وكيع، فقال لرجل عنده ممن ينظر في الرأي: أشعر رسول اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم، ويقول أبو حنيفة: هو مثلة!

قال الرجل: فإنه قد روي عن إبراهيم النخعي، أنه قال: الإشعار مثلة.

قال: فرأيت وكيعًا غضب غضبًا شديدًا، وقال: أقول لك: قال رسول اللَّه، وتقول: قال إبراهيم!، ما أحقك بأن تحبس، ثم لا تخرج حتىٰ تنزع عن قولك هذا. “

وذُكِر عن عبد الرحمن بن مهدي، وهو قرين لوكيع المذكور هاهنا، أن المحدث بالشاذ من العلم أمام السنة ليس بإمام في العلم.

قال ابن رجب في شرح علل الترمذي:

” وعنه قال: لا يكون إمامًا في الحديث من يحدث بكل ما سمع، ولا يكون إمامًا في العلم من يحدث عن كل أحد، ولا يكون إمامًا في العلم من يحدث بالشاذ من العلم. “

يعني عبد الرحمن بن مهدي رحمه اللَّه.

وفي ذلك وغيره خاصة إنكار ابن عباس علىٰ عروة بن الزبير خلافه الأثر أثر رسول اللَّه لقول أبي بكر وعمر، حتىٰ رآه أثمًا مستوجبًا للعقاب، ولأن ينزل عليه حجر من السماء، دلالة علىٰ حرمة ما نصصت عليه عند العلماء، وهو في كتاب اللَّه.

وذلك الذي كان من ابن عباس قد كان، مع أن خلاف عروة الأثر لعلم الشيخين يشتبه، فإن أبا بكر وعمر أعلم الصحابة بالنبي عليه الصلاة والسلام، وأحرصهم علىٰ حديثه، حتىٰ قد بلغ من حرص عمر، أنه كان يبعث في اليوم الذي لا يجيء فيه مجلس النبي عليه السلام رجلًا، يخبره بما حدث.

ففوات سنة عليه، وفواتها علىٰ أبي بكر أيضّا، فإن هذا أشبه بالمعدوم، وإن كان الواقع أن عمر قد خفي عليه توريث المرأة من دية زوجها تارة.

وخفي عليه تارة حديث الاستئذان تارة، حتىٰ أنه طلب بينة وشاهدًا مع أبي موسىٰ علىٰ أن النبي قاله، لا ردًّا لخبر الواحد، وقد قبل خبر الضحاك بن سفيان الكلابي في توريث المرأة من دية زوجها.

وقال بعد ما شهد لأبي موسىٰ الأشعري شاهد علىٰ حديثه: أشغلني الصفق في الأسواق.

فإنما طلب بينة بشاهد مع أبي موسىٰ لما أنه كان شديد الملازمة للنبي عليه السلام، كثير الحرص علىٰ حديثه وإن غاب عن مجلسه، فاستنكر في هذه الحال الخاصة أن يفوته شيء، فأراد بينة.

وهذا يدل علىٰ قبول ما لا يستنكر الثقات مثله من خبر الواحد الثقة، إذ أقروه في روايته لما روىٰ، وقبلوا انفراده بعلم ما روىٰ، فلم يكن ذلك من الانفراد المستحيل عندهم، فإن ذلك الإقرار منهم يقوم مقام علمهم بالأمر وروايتهم له معه.

وعليه، فقول ابن عباس في عروة مع أن ما استمسك به من شاذ العلم قوي اشتباهه، معذور صاحبه في تمسكه به، فكيف بمن يخالف الأثر لعلم شاذ، هو أقل اشتباهًا من ذلك، ولا يعذر صاحبه في تمسكه به؟

ولا يقال كما يقول بعضهم: فلان أعلم، وهل أنت أعلم من الإمام علان؟

وهذا باطل، بل كلٌّ قد يخفىٰ عليه أمر أو يشتبه، فيُدرِكُهُ من هو دونه، لا كل أحد، ولكن من علم أول العلم من السنة، وعرف أصول العلم، وكان من الدارسين الباحثين في ذلك الأمر، فظهر له دليله، أو بأن له علمه.

وذلك كما أحاط الهدهد بما لم يحط به سليمان صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم علمًا، فمن هذا الذي هو أجل منه حتىٰ يعظُمُ علينا أن نقول فيه: إنه خفي عليه كذا أو كذا؟

وهذا الأمر، أعني التحديث بشاذ من العلم أمام السنة ردًّا لها، مما اشتد فيه وفي غيره نكير السلف علىٰ أبي حنيفة حميةً علىٰ السنن وذبًّا عن الدين، لئلا يؤتم به في عظيم عثره، فتُرد السنن، ويُستحل الحرام، ويُستحرم الحلال.

قال عبد اللَّه بن أحمد:

” ٢٩٧ - حدثنا إبراهيم بن الحجاج الناجي، ثنا حماد بن زيد، قال: جلست إلىٰ أبي حنيفة بمكة، فجاءه رجل، فقال: لبست النعلين أو قال: لبست السراويل وأنا محرم، أو قال: لبست الخفين وأنا محرم - شك إبراهيم -

فقال أبو حنيفة: عليك دم، فقلت للرجل: وجدت نعلين أو وجدت إزارًا؟، قال: لا، فقلت: يا أبا حنيفة إن هذا يزعم أنه لم يجد، قال: سواء وجد أو لم يجد.

قال حماد: فقلت: حدثنا عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال: سمعت رسول اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم يقول: السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفين لمن لم يجد النعلين.

وحدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم قال: السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفين لمن لم يجد النعلين.

فقال بيده، وحرك إبراهيم بن الحجاج يده أي لا شيء، فقلت له: فأنت عن من؟، قال: نا حماد، عن إبراهيم، قال: عليه دم وجد أو لم يجد.

قال: فقمت من عنده، فتلقاني الحجاج بن أرطأة داخل المسجد، فقلت له: يا أبا أرطأة ما تقول في محرم لبس السراويل ولم يجد الإزار، ولبس الخفين ولم يجد النعلين؟

فقال: حدثني عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، أن رسول اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم قال: السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفين لمن لم يجد النعلين.

قال فقلت له: يا أبا أرطأة: أما تحفظ أنه قال: سمعت رسول اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم؟

قال: لا.

قال: وحدثني أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي، أنه قال: السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفين لمن لم يجد النعلين.

قال: فقلت له ما بال صاحبكم قال كذا وكذا؟، قال: ففي ذاك وصاحب من ذاك؟، قبح اللَّه ذاك. “

هذا ما ذكره الإمام في كتاب السنة له.

وشيخه إبراهيم بن الحجاج الناجي السامي هو أبو إسحاق، وثقه ابن حبان، وتوثيقه علىٰ الإصابة.

وذلك أن عبد اللَّه بن أحمد قد روىٰ عنه، وهو ممن لا يروي إلا عن ثقة.

قال ابن حجر في تعجيل المنفعة:

” ٩ - إبراهيم بن الحسن الباهلي العلاف المقري عن حماد بن زيد وأبي عوانة وعنه عبد اللَّه بن أحمد وغيره وليس هو بالمشهور.

قلت: كان عبد اللَّه بن أحمد لا يكتب الا عن من أذن له أبوه في الكتابة عنه، وكان لا يأذن له أن يكتب إلا عن أهل السنة حتىٰ كان يمنعه أن يكتب عن من أجاب في المحنة، ولذلك فاته علي بن الجعد ونظراؤه من المسندين، ثم إن هذا الباهلي وثقه أبو زرعة. “

وقال مرة:

” ١٣ - إبراهيم بن عبد اللَّه بن بشار الواسطي عن يزيد بن هارون ومؤمل وجماعة وعنه عبد اللَّه بن أحمد وغيره.

قدم بغداد وحدث بها سنة أربع وأربعين ومائتين، زاد في الإكمال: ولا يكاد يعرف.

قلت: وقال أبو زرعة شيخنا: لا يعرف.

وهو عجب منهما، فقد عرفه الخطيب، وذكر له ترجمة في تاريخه، وذكر في الرواة عنه: أبا محمد بن ناجية وأبا محمد بن صاعد الحافظين، فزالت جهالة عينه، وقد تقدم ان عبد اللَّه كان لا يكتب الا عن ثقة عند أبيه. “

فاستدل ابن حجر علىٰ التوثيق وتحقق التعريف تعريف الحال برواية عبد اللَّه بن أحمد، إذ كان لا يكتب ولا يحدث إلا عمن أذن له أحمد بالتحديث عنه، وكان ثقة عنده.

وبعد، فقد خالف أبو حنيفة الحديث لفتيا إبراهيم النخعي، علىٰ أنها خالفت فتيا إمام أهل الكوفة الأكبر، أعني عليًّا عليه الرضوان.

ولو كان في خلافه الحديث لفتيا إبراهيم شيء من العذر، فهو زائل هاهنا، لأن فتيا علي قد جاءت من مخرج كوفي بخلاف ما تمسك به، وعلي أكبر من إبراهيم عند أهل الكوفة، بل هو إمامهم الأكبر مع ابن مسعود.

فكيف يترك الحديث لقول النخعي، وعنده قول من هو أكبر منه وقول إمامه من مخرج كوفي بوفاق الحديث؟

ولا يقال: الحارث متهم، فلم يعتد به، فإن لحديث الحارث عن علي بما حدث أصل من حديث النبي عليه الصلاة والسلام.

ثم إن القرينة ظاهرة علىٰ صدقه فيما حدث، فإن الصحابة خاصة الراشدين منهم كعلي، الذين كانوا ألزم أصحاب النبي له، وأعلمهم بسنته، وأبعدهم عن تفويتها، أولىٰ الناس بمعرفة السنة، بل هذا الأصل أنهم يعرفونها.

وقد بلغ من حرص عمر أن جعل رجلًا مكانه في مجلس النبي عليه السلام، إذ هو تغيب عنه، حتىٰ قد استنكر للزومه النبي وحرصه علىٰ حديثه حديث الاستئذان، إذ كيف فاتته سنة كتلك وهو من هو؟

ولذا، فحين روىٰ الحارث عن علي شيئًا بوفاق الحديث، فهذه أمارة صدقه فيما حدث، لأن الأصل في علي ومن سواه من الراشدين أنهم مهديين، يعرفون السنن، ويفتون بها.

وهذا، إذ كان لا يكون مهديًّا ومختصًا بالهداية من بين الصحابة المهديين، إلا من له حق الهداية بمعرفة السنن حق المعرفة، حتىٰ حد العلم بخاصها الذي يخفىٰ ويذهب.

ولذلك، فإنما ذكر الحجاج بن أرطأة أثر علي، إذ كان له أصل من حديث النبي عليه السلام، واقترنت به قرينة دالة علىٰ صدق راويه فيه، وهي ما بينت.

وليس أنه يحتج بحديث الحارث أصلًا، وفي غير اقتران القرينة.

وقد يُروىٰ حديث الضعيف مع أصل له أو فرعًا لأصل، فيُعضد بحديثه حديث غيره ممن تابعه هو أو يكون معه أصل، ودل علىٰ حفظه أو صدقه دليل، لا أنه حجة إذا انفرد بحديثه أو لم تقترن بروايته قرينة.

فهذا وإن كان أكثر الأئمة كما ذكر الترمذي في علله لا يشتغلون برواية حديث الضعيف شديد الضعف، فلا يتكلفون تحري صدق المتهم أو إصابة الغالب عليه الوهم، ويتركون الرواية عن أهل هذا الصنف استغناءً عنهم بغيرهم.

فهذا ولكن يروون عن الضعيف الذي ليس ضعفه شديدًا، أعني بالذين ضعفهم شديد المتهمين وأهل الغلط والعثر الغالب، الذين من غلبة ذلك عليهم يستوون مع الكذابين في الكذب والاختلاق، وإن لم يتقصدوا ذلك.

- وقال مسلم في مقدمة صحيحه: « حدثني محمد بن أبي عتاب، قال: حدثني عفان، عن محمد بن يحيىٰ بن سعيد القطان، عن أبيه، قال: لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث.

قال ابن أبي عتاب: فلقيت أنا محمد بن يحيىٰ بن سعيد القطان، فسألته عنه، فقال عن أبيه: لم تر أهل الخير في شيء أكذب منهم في الحديث. »

قال مسلم: « يقول: يجري الكذب علىٰ لسانهم، ولا يتعمدون الكذب. »

وقد كان سفيان الثوري مع تعجبه ممن يروي عن الكلبي، ويعني نهي الناس عن ذلك، يحدث ببعض ما رواه عن أبي صالح، كما في تفسيره.

ويقول: أنا أعلم صدقه من كذبه، وصدقه إنما يعلم بالقرائن.

- مثلًا قال سفيان في تفسيره: « عن الكلبي، عن أبي صالح في قوله: (إخوانا علىٰ سرر متقابلين)، قال: عشرة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن مالك وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعبد اللَّه بن مسعود. »

فهنا هذه الرواية مع أصل، فإن لما رواه الكلبي من أن الآية في هؤلاء الذين عد من أهل بدر أصلًا، فقد صح عن الحسن، وهو بصري، عن علي مرسلًا، أنه قال في الآية: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾، قال: فينا واللَّه نزلت أهل بدر.

وصح عن إبراهيم النخعي، وهو كوفي، عن علي مرسلًا أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال اللَّه عز وجل، فذكر الآية.

وفي رواية أبي صالح المديني صاحب أبي هريرة، ولم يسمع عليًّا، قال: وعثمان، وطلحة، والزبير.

فهذه مراسيل - وفيها مرسل أبي صالح الذي شهد وقعة الدار، وأدرك زمان علي عليه الرضوان - يغلب علىٰ الظن اختلاف مراجعها، واتفقت في أصل، وهو أن عليًّا قد فسر الآية بأهل بدر أو بأناس معدودين فيهم، عثمان وطلحة والزبير، وإذا كانت في هؤلاء، فهي في غيرهم من أهل بدر ممن ذكرهم الكلبي.

فمعنىٰ أن الآية في أهل بدر إذًا ثابت عن علي رضوان اللَّه عليه.

ثم إن ما رواه عن الكلبي بقرائن تدل علىٰ صدقه فيها.

فأولها أنه روىٰ عن أبي صالح، ولم يصل الحديث لأبي هريرة، فخالف الجادة، أي ما كان من الحديث غالبًا مطلوبّا، كالحديث الذي يصل للنبي عن الصحابي، أو الذي يصل للصحابي عن التابعي.

ومثل هذا هو ما يسبق له لسان ضعيف الحفظ، ويتقصده الكاذب، فلما خالف الكلبي الجادة، فهذه قرينة.

وثانيها ذكره عثمان، مع ما فيه من الميل عنه والتشيع، فظاهر مع القرينتان إذًا أنه ينقل شيئًا سمعه، لا أنه يختلق.

وقال ابن رجب في شرح علل الترمذي:

” ذكر من روى عن ضعيف وسماه باسم يتوهم أنه اسم ثقة.

منهم: عطية العوفي.

قال عبد اللَّه بن أحمد: سمعت أبي ذكر عطية العوفي، فقال: هو ضعيف الحديث، بلغني أن عطية يأتي الكلبي، فيأخذ عنه التفسير، وكان يكنيه بأبي سعيد، فيقول: قال أبو سعيد، قال أبو سعيد.

قال عبد اللَّه: وثنا أبي، ثنا أبو أحمد الزبيري، سمعت الثوري، قال: سمعت الكلبي قال: كناني عطية بأبي سعيد.

ولكن الكلبي لا يُعتمد علىٰ ما يرويه.

وإن صحت هذه الحكاية عن عطية، فإنما يقتضي التوقف فيما يحكيه عن أبي سعيد من التفسير خاصة.

فأما الأحاديث المرفوعة التي يرويها عن أبي سعيد، فإنما يريد أبا سعيد الخدري، ويصرح في بعضها بنسبته. “

أقول: إنما ذُكِر قوله، لأن لما أشار إليه من ضعف حديث عطية عن أبي سعيد أصلًا، فقد كان يأتي عنه بمناكير، ولذا ضعفه أحمد.

وسفيان إنما روىٰ قوله لذلك، ولأنه عرف فيه صدقه بقرينة، كما قال: أنا أعرف صدقه من كذبه.

هذا واعتذر علىٰ تلك الإطالة، وإنما ذلك لأن القوم يتكلفون رد أثار الذم في الرجل، أعني أبا حنيفة.

واعلم رحمك اللَّه أن الإمام هو من يؤتم به كما قال النبي صلَّىٰ اللَّهُ عليه وسلم: إنما جُعِل الإمام ليُؤتم به.

- وقال ابن قتيبة رحمه اللَّه: « الإمام: أصله ما ائتممت به، قال اللَّه تعالىٰ لإبراهيم: (إني جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا)، أي: يُؤتم بك، ويقتدىٰ بسنتك. »

هذا من كتابه تأويل مشكل القرآن.

- وقال سفيان الثوري: « عن منصور، عن مجاهد في قول اللَّه جل وعز: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ تقتدا. »

هذا في تفسير سفيان.

وكأن الكلمة: تُقتدى.

والإمام علىٰ هذا منه إمام شرعي يؤتم به في الشرع، وهو من يهدي بأمر اللَّه وكلامه، فيُؤتم به ويهتدىٰ، كما قال تباركت كلماته عن الأئمة في دينه: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا)

فجعل اللَّه تعالىٰ إبراهيم وولديه أئمة يُهتدىٰ بهم، إذ كانوا يهدون بوحيه إلىٰ حنيفٍ من الملل وقيمٍ من الديانات، وهو الإسلام المحض الصحيح.

ولذلك قال تعالىٰ: (واتبعوا ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين)، فائتموا به في الملة الحنيفية.

وقال تعالىٰ: (قل إني هداني اللَّه إلىٰ صراط مستقيم دينًا قيمًا ملة ابرإهيم حنيفًا وما كان من المشركين)، فائتممت به في الدين القيم والصراط المستقيم، الذي لا يشوبه عوج.

وقال تعالىٰ: (واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك باللَّه من شيء)، فائتتمت بهم في التوحيد، وأن لا يُشرك باللَّه شيء.

فالإمام في الدين إذًا هو من يُؤتم به في الملة الحنيفية والدين القيم والصراط المستقيم، الذي هو الإسلام المحض الصحيح.

وهو السنة وظاهر الاعتقاد، الذي اشتهر فيه الخلاف، وكان الفارق بين المسلم والكافر والسني المتبع والمبتدع، علىٰ شرط ذلك من الاتقاء بالأمر والنهي، وتجريد الاتباع لأمر اللَّه، إذ ظهر وبان علمه.

- ولذلك قال أبو الحسن البربهاري في شرح السنة: « [١] - اعلموا أن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر. »

يريد: هي الإسلام المحض الصحيح، وليس يريد أن السنة إن زالت عن المرء، زال إسلامه، وهذا لا يلزم، كما هو معلوم.

- وقوله كالقول الذي ذكره في كتابه شرح السنة عن بشر بن الحارث الحافي: « الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام. »

- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية: « وَطَرِيقَتُهُمْ - أي أهل السنة - هِيَ دِينُ الْإِسْلَامِ، الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولَكِنْ لَمَّا أَخْبَرَ صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أُمَّتَهُ سَتَفْتَرِقُ عَلَىٰ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ.

‏وفِي حَدِيثٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «هُمْ مَنْ كَانَ عَلَىٰ مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي»، صَارَ الْمُتَمَسِّكُونَ بِالْإِسْلَامِ الْمَحْضِ الْخَالِصِ عَنْ الشَّوْبِ هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. “

وقد قال تعالىٰ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ 

وقد قُرِئت الآية بالتشديد: (فرَّقوا)، وبغير تشديد: (فارقوا).

قال أبو جعفر الطبري في تفسيرها:

” والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن اللَّه أخبر نبيه صلىٰ اللَّه عليه وسلم أنه بريء ممن فارق دينه الحق وفرَّقه، وكانوا فِرَقًا فيه وأحزابًا شِيعًا، وأنه ليس منهم، ولا هم منه، لأن دينه الذي بعثه اللَّه به هو الإسلام، دين إبراهيم الحنيفية، كما قال له ربه وأمره أن يقول: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)

فكان من فارق دينه الذي بعثه به صلىٰ اللَّه عليه وسلم من مشرك ووثنيّ يهودي ونصرانيّ ومتحنِّف مبتدع، قد ابتدع في الدين ما ضلَّ به عن الصراط المستقيم والدين القيم ملة إبراهيم المسلم، فهو بريء من محمد صلىٰ اللَّه عليه وسلم، ومحمد منه بريء،هو داخل في عموم قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ “

وعليه فالأئمة إذًا كما قال حرب رحمه اللَّه إجماعًا، هم أهل السنة علىٰ شرطها، الذي لا يعرفون بما يضاد ذلك من بدعة أو فسق وكذب أو خلاف مذءوم.

هذا وإنما يكون الإمام إمامًا بالائتمام بما قبله من الأئمة، الذي كانوا كذلك.

- قال أبو خيثمة زهير بن حرب في كتاب العلم: « ٢٩ - نَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، قَالَ: نَأْتَمُّ بِهِمْ وَنَقْتَدِي بِهِمْ حَتَّىٰ يَقْتَدِيَ بِنَا مَنْ بَعْدَنَا. »

هذا سند صحيح، ورواية ابن أبي نجيح من كتاب القاسم بن أبي بزة، فهي حجة.

فهذا كذلك غير أن الإمام بشرٌ، لازمٌ عليه الزلل والغلط، وقد يكون ذلك ظاهرًا، حتىٰ قد قالت عائشة في قول لعروة: بئست ما قالت يا ابن اختي.

وقال الإمام أحمد في بعض أقوال سفيان الثوري: بئس ما قال.

وقد لا يكون ذلك ظاهرًا، وبكل حال لا يؤتم بالإمام في غلطه خاصة إن كان ظاهرًا، بل هو شيء ربما يُلام عليه.

هذا والزلل والغلط ليس كالفجور أو الابتداع أو الشذوذ وترك الاتباع، فإن أغلاط أهل البدع والضلال لا تستوي درجةً، كما قال أبو سعيد الدارمي في نقضه علىٰ المريسي:

” وَيْحَكَ، إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَرْضَوْا مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ، إِذْ أَفْتَىٰ بِخِلَافِ رِوَايَاتٍ رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّىٰ اللَّه عليه وسَلَّمَ فِي: «البَيِّعَيْن بِالخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا»، وَفِي: «الوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ»، و: «إِشْعَار البُدْن»، وَفِي: «إِسْهَامِ الفَارِسِ وَالرَّاجِلِ»، وَفِي: «لبس المحرم الخُفَّيْنِ إذا لم يَجِدِ النَّعْلَيْنِ»، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الأَحَادِيث حَتَّىٰ نَسَبُوا أَبَا حَنِيفَةَ فِيهَا إِلَىٰ رَدِّ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّه صَلَّىٰ اللَّه عليه وسَلَّمَ، وَنَاقَضُوهُ فِيهَا، وَوَضَعُوا عَلَيْهِ فِيهَا الكُتُبَ.

فَكَيْفَ بِمَنْ نَاصَبَ اللَّهَ فِي صِفَاتِهِ الَّتِي يَنْطِقُ بنصِّها كِتَابُهُ، فَيَنْقُضُهَا عَلَىٰ اللَّهِ صِفَةً بَعْدَ صِفَةٍ، وَشَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ بِعَمَايَاتٍ مِنَ الحُجَجِ وَخُرَافَاتٍ مِنَ الكَلَامِ، خِلَافَ مَا عَنَىٰ اللَّهُ، وَلَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْهَا الرِّوَايَاتُ، وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْهَا عَن العلمَاء الثِّقَات، بَلْ كُلُّهَا ضَحِكٌ وَخُرَافَاتٌ؟

فَإِنْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ اسْتَحَقَّ بِمَا أَفْتَىٰ مِنْ خِلَافِ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ أَنْ يُنْسَبَ إِلَىٰ رَدِّ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّىٰ اللَّهُ عليه وسَلَّمَ، اسْتَحْقَقْتُمْ أَنْتُمْ أَنْ تُنْسَبُوا إِلَىٰ رَدِّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل، بَلْ أَنْتُمْ أَوْلَىٰ بِالرَّدِّ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَدْ وَافَقَهُ عَلَىٰ بَعْضِ فُتْيَاهُ بَعْضُ الفُقَهَاءِ، وَلَمْ يُتَابِعْكُمْ عَلَى مَذَاهِبِكُمْ إِلَّا السُّفَهَاءُ وَأَهْلُ البِدَعِ والأَهْوَاءِ، وَمَنْ لَا يَعْرِفُ لَهُ إِلَهًا فِي السَّمَاء، فَشَتَّانَ مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا أَفْتَىٰ، لأَنَّهُ لَيْسَ مَنْ كَفَرَ كَمَنْ أَخْطَأَ، وَلَا هُمَا فِي الإِثْمِ والعَارِ سَوَاءٌ. “

يريد أن أبا حنيفة فيما أفتىٰ ووافقه عليه بعض الفقهاء قد عض بشاذ من العلم، فأخطأ وضل، غير أنه ليس كمن تتبع ليرد على اللَّه ويبطل الصفات، فهؤلاء خاصة وأهل البدع عامة شر من أبي حنيفة فيما أفتىٰ تعلقًا بالشاذ، إذ ليس لهم من شاذ العلم متعلق، ولا لمذاهبهم مستمسك، وإن شذ.

وكما أن ذلك في أهل البدع والخلاف، فكذلك هو في أهل السنة والاتباع، فلا تستوي أغلاطهم درجةً، فربما خفيت أو ظهرت، وربما كان الغلط مما يلام عليه أو لا، وهم في غلطهم بكل حال ليسوا كأولئك في غلطهم.

وما سبق من أن الأغلاط لا تستوي درجةً وأثرًا، فمعقول، وكذلك الأمر في الوحي، فالصغائر ليست كالكبائر، لقوله: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما)

فالصغائر ما اجتُنبت الكبائر مغفورة مكفرة، ولو دون اجتناب أو توبة، ففي خصه الاجتناب بالكبائر شاهد علىٰ ذلك.

واللم من الكبائر، التي يلم بها المرة لمة علىٰ ندرة، ليس كغيره  لقوله: (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللم إن ربك واسع المغفرة)

فما يلم بها المرء من كبيرة بلمة علىٰ ندرة مغفور له، إن كان فيما سوىٰ ذلك مجتنبًا للكبائر، وكان ذلك الأصل فيه.

والشرك الأصغر ليس كالأكبر.

قال أبو عبيد القاسم بن سلام في رسالة الإيمان:

” فَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ»، فَقَدْ فَسَّرَ لَكَ بِقَوْلِهِ الْأَصْغَرُ أَنَّ هَاهُنَا شِرْكًا سِوَىٰ الَّذِي يَكُونُ بِهِ صَاحِبُهُ مُشْرِكًا بِاللَّهِ.

وَمِنْهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ: «الرِّبَا بِضْعَةٌ وَسِتُّونَ بَابًا، وَالشِّرْكُ مِثْلُ ذَلِكَ»، فَقَدْ أَخْبَرَكَ أَنَّ في الذنوب أنواعًا كثيرة تسمىٰ بهذا الِاسْمِ، وَهِيَ غَيْرُ الْإِشْرَاكِ الَّتِي يُتَّخَذُ لَهَا مع اللَّه إله غَيْرَهُ، تَعَالَىٰ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. “

والاجتهاد علىٰ إصابة فيه أجران، والاجتهاد علىٰ غلط فيه أجر، وإن كان صاحب هذا الأخير معذورّا من الضلال، إلا أن من أخطأ ليس كمن أصاب، 

وقد قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث:

” وأما الايتساء، فبالعلماء المبرزين، والفقهاء المتقدمين، والعباد المجتهدين الذين لا يجارون ولا يبلغ شأوهم.

مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وشعبة، والليث بن سعد، وعلماء الأمصار، وكإبراهيم بن أدهم، ومسلم الخواص، والفضيل بن عياض، وداود الطائي، ومحمد بن النضر الحارثي، وأحمد بن حنبل، وبشر الحافي، وأمثال هؤلاء، ممن قرب من زماننا.

فأما المتقدمون فأكثر من أن يبلغهم الإحصاء ويحوزهم العدد.

ثم بسواد الناس ودهمائهم وعوامهم في كل مصر وفي كل عصر، فإن من أمارات الحق، إطباق قلوبهم علىٰ الرضاء به.

ولو أن رجلًا قام في مجامعهم وأسواقهم، بمذاهب أصحاب الحديث التي ذكرنا إجماعهم عليها، ما كان في جميعهم لذلك منكر، ولا عنه نافر.

ولو قام بشيء مما يعتقده أصحاب الكلام مما يخالفه، ما ارتد إليه طرفه إلا مع خروج نفسه. “

فهذا كلام مع ما ذكرنا من قبل من أن الإتساء والائتمام إنما يكون بالعالم المبرز بعلم السنة، الفقيه المتقدم بفقه السنة الذي يُعتقد، العابد المجتهد، المقيم لفرائضه، الحريص علىٰ ما سواها.

ثم جعل الإمام ابن قتيبة الائتمام في الاعتقاد بعامة الناس وسوادهم، إذ كان من أمارت الحق الواضح المعقول والسمح المقبول اجتماع الناس عليه.

وهذا كما جعله الإمام تبعًا للائتمام الأصل ومعه، فإن عُدِم ذلك، فلا عبرة بما عليه سواد الناس ولا عوامهم، فإن اللَّه يقول: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ 

وهذا وإن كان في الكفار لا غير، إذ كان أكثر أهل الأرض كفارًا غير مسلمين، فقد قال اللَّه سبحانه: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ 

ومن شهد الشهادتين فقد خرج من أعظم الظلم والجهل، ولما يخرج منه كله، فيصدق عليه أنه ظلوم جهول، كما قال الخبير العليم، وألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟

ولذا فلا عبرة بما عليه عوام المسلمين من غير أهل العلم والصحابة، ولا أنس في ذلك، إلا أن يكون مع ذلك أصل صحيح، يعتمد علىٰ مثله، فحينئذ يستئنس بما عليه عوام الناس، لأن الحق تطبق عليه القلوب، ما لم يصرفها صارف، ويدخل عليها داخل.

وهذا كما كان الأئمة يستئنسون بالمنامات والرؤىٰ، فيردونها إثر إيراد الأدلة المعتمدة، شيءً يُستئنس ويُطمئن.

وربما يذكر اجتماع العوام علىٰ الأمر الذي أهل السنة عليه، لبيان وضوحه وثبوته، إذ عقله العوام والنساء والجهلة، وما اختلفوا فيه علىٰ ما تنازعوا فيه، فكيف ينكر أو يرد؟

فالاحتجاج هاهنا من جهة أن الأمر واضح في الشريعة، لا من جهة أن العوام عليه.

وقد قال أبو سعيد الدارمي في النقض علىٰ المريسي:

” وَلَوْلَا كَثْرَةُ مَنْ يَسْتَنْكِرُ الحَقَّ، وَيَسْتَحْسِنُ البَاطِلَ، مَا اشْتَغَلْنَا كُلَّ هَذَا الِاشْتِغَالِ بِتَثْبِيتِ وَجْهِ اللَّه ذِي الجلَال وَالإِكْرَام، ولو لم يَكُنْ فِيهِ إِلَّا اجْتِمَاعُ الكَلِمَةِ مِنَ العَالِمِينَ: «أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّه العَظِيمِ»، و: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ يَا رَبِّ»، و: «جَاهَدْتُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّه» و «أَعْتَقْتُ لِوَجْهِ اللَّه»، لَكَانَ كَافِيًا مِمَّا ذَكَرْنَا، إِذْ عَقِلَهُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، وَالبَرُّ وَالفَاجِرُ، وَالعَرَبِيُّ وَالعَجَمِيُّ، غَيْرَ هَذِهِ العِصَابَةِ الزَّائِغَةِ المُلْحِدَةِ فِي أَسْمَاءِ اللَّ، المُعَطِّلَةِ لِوَجْهِ اللَّهِ، وَلِجَمِيعِ صِفَاتِهِ، - عز وجل - وَجْهُهُ، وتقدَّست أَسْمَاؤُهُ. “

فهذا استدلال بليغ، فرحم اللَّه الإمام أبا سعيد رحمة واسعة.

ومثل ما استدل به الإمام في كلام السلف من قبله.

قال مسلم بن الحجاج في صحيحه:

” حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

ثُمَّ قَالَ: عَلَىٰ قِرَاءَةِ مَنْ تَأْمُرُونِي أَنْ أَقْرَأَ؟، فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَىٰ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً. وَلَقَدْ عَلِمَ أصحاب رَسُولِ اللَّهِ صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ.

قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ فِي حَلَقِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عليه، ولا يعيبه. “

قول شقيق الأخير هذا إنما ذكره، ليبين أن ما قال ابن مسعود، فواضح عند الصحابة، لا يشكون فيه.

هذا وصل اللهم وسلم علىٰ نبينا محمد. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الخلاف في صفة الهرولة...

لم نزل القرآن متفرقًا علىٰ محكم ومتشابه؟

الجواب النبوي الشافي من داء القنوط...