قاعدة فيما حقق النص وثبت معناه.
بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّه، وبعد:
فنجد ونقف عند ألفاظ السلف علىٰ ألفاظ كمثل: بائن، وبحد، وكلام اللَّه غير مخلوق، ونحو ذلك مما هو لفظ النص خارج، فما داعي هذا؟
والإجابة أن مثل ذلك من بالغ فقه السلف، إذ نجم وظهر أهل التعطيل متخذين السبل في نفي الصفات بردها بالتأويل تارةً وبدفعها بالتوقف تارةً.
فكان في هذا أمران، أولهما تعطيل المعطلة الصفة برد دلالة النص عليها لتأويل له أو توقف فيه.
والثاني هو تلبيس المعطلة علىٰ الناس أنهم فيما جاءوا به موافقين للمنصوص والمسلمين.
وذلك من الواحد منهم، إذ يقول: القرآن كلام اللَّه، ففي الظاهر أظهر وِفاق النص، وفي الباطن أبطن خلافه، إذ يريد بكلام اللَّه ما هو بائن منفصل عنه مخلوق في خلق.
ويزيد في قوله ذلك استدلال من زاغ قلبه بمتشابه المنصوص المقطوع من غيره المفهوم علىٰ غير وجهه ليقضي بأن كلام اللَّه مخلوق في خلق كناقة اللَّه وبيت اللَّه تلبيسًا وتمويهًا علىٰ ضعاف الناس ممن لا يفقه وجه خلاف ذلك ما اعتقده واعتقد المسلمون من أن القرآن كلام تكلم اللَّه به.
فهذا أو يريد التوقف، فيقول ذلك متوقفًا علىٰ نفس الحروف وعينها دون تحقيق معناها أن كلام اللَّه يعني صفته غير مخلوق تعالىٰ وتقدس، فيعود لما عاد له من قال: إن القرآن مخلوق.
ويزيد في قيله ذلك قوله: لم يقل اللَّه غير مخلوق، وهذه بدعة، وما قال العلماء ذلك من قبل، فيلبس علىٰ ضعيف الرأي والفهم ويبطل بقوله، مع دعواه أن القرآن مجعول كالمجعول من المخلوقات، وكناقة اللَّه وبيته مما هو مخلوق، فقد قضىٰ بخلقه إذًا وأفصح، ووصف اللَّه بأعظم مما وصف به نفسه من الكلام في ظنه وعقله كالجهمية سواء لا فرق بينهم وبينه.
وإنما ذلك هو علم النص واعتقاده لا بدعة، فهو ما نطق به النص وأبان من قبل مما علمه العلماء وفهمه الفقهاء.
(١) وقد روىٰ أبو بكر الخلال عن الإمام أحمد قوله في هؤلاء الواقفة: هم أشد علىٰ الناس تربيتًا من هؤلاء الجهمية، هم يشككون الناس، وذلك أن الجهمية قد بأن أمرهم، وهؤلاء إذا قالوا: إنا لا نتكلم، استمالوا العامة،
يعني أنهم أشد علىٰ الناس تلبيسًا وتحييرًا، فبعد المحنة قد بأن أمر من يقول بخلق القرآن، وبين العلماء بدعة وخلاف أولئك الجهمية، حتىٰ جاء الواقفة متسترين بقولهم مشككين للناس.
(٢) وقد ذكر البخاري في خلق أفعال العباد: وقال عبد العزيز بن سلمة: إن كلام جهم صنعة بلا معنىٰ، وبناء بلا أساس.
قوله: صنعة بلا معنى، هذا هو التوقف عند الجهم بن صفوان، ومن تبعه عليه.
هذا وقد يقول قائل من المعطلة: اللَّه فوق العرش وعلا علىٰ العرش، ويريد علو المكانة والقدر دون النفس.
وربما أراد أنه فوق العرش، إذ كان بكل مكان، فهو هناك وفي كل مكان غيره، وهذا مذهب الحلولية الجهمية.
(٣) وقد ذكره الدارمي في نقضه عمن رد عليه، ذكر قوله: لأنه علىٰ العرش، وبكل مكان، ولا يوصف بأين.
فالقوم قد يقولون بإثبات الفوقية قاصدين الحلول.
ومثل ذلك التأويل والتوقف عندهم كثير.
فلهذا الذي كان منهم من تعطيل دلالة النص تلبيسًا وتمويهًا علىٰ ضعاف الرأي والفهم من العامة أنهم للنص والأئمة موافقون.
لذا كان في ما يُوقف عند السلف من ألفاظ خارجة عن لفظ المنصوص أمران.
أولها تثبيت النص وتحقيق معناه واعتقاده.
وثانيها رد تلبيس المعطلة موافقةَ المنصوصَ وأهلَ السنة في الاعتقاد.
فإذا قيل مثلًا: كلام اللَّه غير مخلوق، كان في هذا تحقيق النص بما لا اشتباه معه بموافقة ذلك القيل قيل أهل التعطيل، إذ يقولون: هو كلام اللَّه، ويريدون أنه مخلوق، أو يقصدون التوقف في اللفظ دون الإيمان به.
ولولا ظهور الداعي لذلك الموجب له وهو ما ذكرنا لم يكن الناس بحاجة لمثل هذا.
ولذا ما كان الناس ولا الأئمة يقولون قبل أن يظهر المعطلة ما قاله السلف من تلك الألفاظ كنحو قولهم بحد وغير مخلوق.
وهذا ما بينه الإمام أحمد في رده علىٰ الواقفة الزاعمين أن ذلك القول أنه غير مخلوق بدعة لم يقله اللَّه ولا الناس، وإنما هو اعتقاد النص ومعناه، وإنما لم يقله الناس، إذ لا داعي له، فلم يظهر أهل بدع ونفاق يظهرون وفاق النص ويبطنون خلافه.
روىٰ الخلال في السنة والآجري في الشريعة عن أبي داود السجستاني واللفظ للخلال:
”١٧٨٣ - وأخبرنا سليمان بن الأشعث، قال: سمعت أحمد سُئِل: لهم رخصة أن يقول الرجل: كلام اللَّه ويسكت؟
قال: ولم يسكت؟!، قال: لولا ما وقع الناس فيه كان يسعه السكوت، ولكن حيث تكلموا فيما تكلموا، لأي شيءٍ لا يتكلمون؟”
قال الآجري في الشريعة إثر ذكره هذا القول من الإمام:
”معنىٰ قول أحمد بن حنبل في هذا المعنىٰ يقول: لم يختلف أهل الإيمان أن القرآن كلام اللَّه تعالىٰ، فلما جاء جهم بن صفوان فأحدث الكفر بقوله: القرآن مخلوق، لم يسع العلماء إلا الرد عليه بأن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق بلا شك، ولا توقف فيه، فمن لم يقل غير مخلوق سمي واقفيًّا شاكًّا في دينه.”
فلم يكن يسع العلماء غير ذلك، إذ ظهر من يرد اعتقاد النص ومعناه بقوله: إن القرآن مخلوق.
وقال أبو سعيد الدارمي في كلام كثير له [ت الشوامي/٢٠٣ -٢٠٦]:
”... ثُمَّ أَنْشَأْتَ طَاعِنًا عَلَىٰ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَسَطَّرْتَ فِيهِ الْأَسَاطِيرَ، وَأَكْثَرْتَ مِنَ الْمَنَاكِيرِ، وغلظت فِي كَثِيرٍ، فَادَّعَيْتَ أَنَّ قَوْلَ النَّاسِ فِي الْقُرْآنِ إِنَّهُ مَخْلُوقٌ غير مَخْلُوقٍ بِدْعَةٌ، إِذْ لَمْ يَكُنْ يُخَاضُ فِيهِ عَلَىٰ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُمْ٥كَانُوا يَكْرَهُونَ الْخَوْضَ فِي الْقُرْآنِ.
فحَكَمْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ عَلَىٰ نَفْسِكَ بِالْبِدْعَةِ، وَشَهِدْتَ بِهَا علىٰ نَفْسِكَ لَمَّا أَنَّكَ صَرَّحْتَ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَهُوَ قَوْلُكَ: كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ اللَّهِ، وَهُوَ مِنْ أَفَاعِيلِهِ. وَالْأَفَاعِيلُ بِزَعْمِكَ زَائِلَةٌ عَنْهُ مَخْلُوقَةٌ فحكمت علىٰ نَفسك بِمَا تخولت عَلَىٰ غَيْرِكَ.
فَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْخَوْضَ فِي الْقُرْآنِ فَقَدْ صَدَقْتَ. وَأَنْتَ، الْمُخَالِفُ لَهُمْ لَمَّا أَنَّكَ قَدْ أَكْثَرْتَ فِيهِ الْخَوْضَ، وَجَمَعْتَ عَلَىٰ نَفْسِكَ كثير مِنَ النَّقْضِ. فَمِثْلُكَ فِيمَا ادَّعَيْتَ مِنْ كَرَاهِيَةِ الْخَوْضِ فِيهِ كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لِلْخَوَارِجِ حِينَ قَالُوا: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، فَقَالَ: كَلِمَةُ حَقٍّ يُبْتَغَىٰ بِهَا بَاطِلٌ.
فَقَدْ خُضْتَ فِيهَا أَيُّهَا الْمُعَارِضُ بِأَقْبَحِ خَوْضٍ، وَضَرَبْتَ لَهُ أَمْثَالَ السُّوءِ، وَصَرَّحْتَ بِأَنَّهُ مَفْعُولٌ، كَمَا قَالَ إِمَامُكَ الْمَرِيسِيُّ مَجْعُولٌ، وَكُلُّ مَجْعُولٍ عِنْدَكَ مَخْلُوقٌ لَا شَكَّ فِيهِ.
وَيْحَكَ!، إِنَّمَا كَرِهَ السَّلَفُ الْخَوْضَ فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ يَتَأَوَّلَ أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ وَأَغْمَارُ الْجُهَّالِ مَا تَأَوَّلْتَ فِيهِ أَنْتَ وَإِمَامُكَ الْمَرِيسِيُّ، فَحِينَ تَأَوَّلْتُمْ فِيهِ خِلَافَ مَا أَرَادَ اللَّهُ، وَعَطَّلْتُمْ صِفَاتِ اللَّهِ، وَجَبَ عَلَىٰ كُلِّ مُسْلِمٍ عِنْدَهُ بَيَانٌ أَنْ يَنْقُضَ عَلَيْكُمْ دَعْوَاكُمْ فِيهِ.
وَلَمْ يَكْرَهِ السَّلَفُ الخَوْضَ فِي القُرْآنِ جَهَالَةً بِأَنَّ كَلَامَ الخَالِقِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَا جَهَالَةً أَنَّهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، حَتَّىٰ لَوْ قَدِ ادَّعَىٰ مُدَّعٍ فِي زَمَانِهِمْ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، مَا كَانَ سَبيلُهُ عِنْدَهُمْ إِلَّا القَتْلَ، كَمَا هَمَّ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ بِصُبَيْغٍ أَنْ يَقْتُلَهُ، إِذْ تَعَمَّقَ فِي السُّؤَالِ عَنِ القُرْآنِ، فِيمَا كَانَ أَيْسَرَ مِنْ كَلَامِكُمْ هَذَا، فَلَمَّا لَمْ يَجْتَرِئْ كَافِرٌ أَوْ مُتَعَوِّذٌ بِالإِسْلَامِ أَنْ يُظْهِرَ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَمَا أَشْبَهَهُ فِي عَصْرِهِمْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَكَلَّفُوا لِنَقْضِ كُفْرٍ لَمْ يَحْدُثْ بَين أَظْهُرِهِم فَيكون سَبَبًا لِإِظْهَارِهِ، إِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ كَلِمَة كُفْرٍ تَكَلَّمَ بِهَا بَدْءًا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، مِنْهُمُ الوَحِيدُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيُّ، فَقَالَ: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ}
وَمِنْهُمُ النَّضْرُ بْنُ الحَارِثِ فَقَالَ: {لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ}، كَمَا قَالَ جَهْمٌ وَالمَرِيسِيُّ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، لِأَنَّ قَوْلَ البَشَرِ مَخْلُوقٌ لَا شكّ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: {إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}، كَمَا قَالَ جَهْمٌ وَالمَرِيسِيُّ سَوَاءً لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي اللَّفْظِ وَالمَعْنَىٰ: إِنْ هَذَا إِلَّا مَخْلُوقٌ، فَأنْكر عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ: فَقَالَ لِلْوَحِيدِ: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ}، لَمَّا قَالَ: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ}
وَقَالَ لِلَّذِي قَالَ: {لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}، {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}، وَلنْ يَفْعَلُوا.
ثُمَّ لَمْ يَزَلْ هَذَا الكُفْرُ بَعْدَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ دَارِسًا طَامِسًا، لما قَدْ طَمَسَهُ اللَّهُ بِتَنْزِيلِهِ، حَتَّىٰ مَضَى النَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَالتَّابِعُونَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ الجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ بِالبَصْرَةِ، وَجَهْمٌ بِخُرَاسَانَ فَقَتَلَهُمَا اللَّه بِشَرِّ قِتْلَةٍ، وَفَطِنَ النَّاسُ لِكُفْرِهِمَا، حَتَّىٰ كَانَ سَبِيلُ مَنْ أَظْهَرَ ذَلِكَ فِي الإِسْلَامِ القَتْلَ صَبْرًا، حَتَّىٰ كَانُوا يُسَمُّونَهُمْ بِذَلِكَ الزَّنَادِقَة.
ثُمَّ لَمْ يَزَلْ طَامِسًا دَارِسًا حَتَّىٰ دَرَجَ العُلَمَاءُ، وَقَلَّتِ الفُقَهَاءُ، وَنَشَأَ نَشْءٌ مِنْ أَبْنَاءِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَىٰ، مِثْلُ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ المَرِيسِيِّ، وَنُظَرَائِهِ فَخَاضُوا فِي شَيْءٍ مِنْهُ، وَأَظْهَرُوا طَرَفًا مِنْهُ، وَجَانَبَهُمْ أَهْلُ الدِّينِ وَالوَرَعِ وَشَهِدُوا عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، حَتَّىٰ هَمَّ بِهِمْ وَبِعُقُوبَتِهِمْ قَاضِي القُضَاة يَوْمَئِذٍ أَبُو يُوسُفَ، حَتَّىٰ فَرَّ مِنْهُ المَرِيسِيُّ إِمَامُكَ وَلَحِقَ بِالبَصْرَةِ، بِزَعْمِكَ، وبِرِوَايَتِك عَنهُ.
فَلم يَزَالُوا أَذِلَّةً مَقْمُوعِينَ، لَا يُقْبَلُ لَهُمْ قَوْلٌ، وَلَا يُلْتَفَتُ لَهُمْ إِلَىٰ رَأْيٍ، حَتَّىٰ رَكَنُوا إِلَىٰ بَعْضِ السَّلَاطِينِ الَّذِينَ لَمْ يُجَالِسُوا العُلَمَاءَ، وَلَمْ يُزَاحِمُوا الفُقَهَاءَ، فَاخْتَدَعُوهُمْ بِهَذِهِ المِحْنَةِ المَلْعُونَةِ حَتَّىٰ أَكْرَهُوا النَّاسَ عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ وَالسِّيَاطِ.
فَلَمْ تَزَلِ الجَهْمِيَّةُ سَنَوَاتٍ يَرْكَبُونَ فِيهَا أَهْلَ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ بِقُوَّةِ ابْنِ أَبِي دُؤَادٍ المُحَادِّ للَّه وَلِرَسُولِهِ، حَتَّىٰ اسْتُخْلِفَ المُتَوَكِّلُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَطَمَسَ اللَّهُ بِهِ آثَارَهُمْ، وَقَمَعَ بِهِ أنْصَارَهُمْ، حَتَّىٰ اسْتَقَامَ أَكْثَرُ النَّاسِ عَلَىٰ السُّنَّةِ الأُولَىٰ، وَالمِنْهَاجِ الأَوَّلِ.
وَاحْتَالَ رِجَالٌ مِمَّنْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاعْتِقَادِ التَّجَهُّمِ حِيلَةً لِتَرْوِيجِ ضَلَالَتِهِمْ فِي النَّاسِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الإِفْصَاحُ بِهِ مَخَافَةَ القَتْلِ وَالفَضِيحَةِ وَالعُقُوبَةِ مِنَ الخَلِيفَةِ المُنكِرُ لذَلِك، فاسْتَتَرُوا بِالوَقْفِ مِنْ مَحْضِ التَّجَهُّمِ، إِذْ لم يكن يَجُوزُ مِنْ إِظْهَارِهِ مَعَ المُتَوَكِّلِ ما كان يَجُوزُ لَهُمْ مَعَ مَنْ قَبْلَهُ.
فَانْتَدَبُوا طَاعِنِينَ عَلَىٰ مَنْ أَنْكَرَ التجهم ودَانَ بِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَانْتَدَبَ هَؤُلَاءِ الوَاقِفَةُ مُنَافِحِينَ عَنِ الجَهْمِيَّةِ، مُحْتَجِّينَ لِمَذَاهِبِهِمْ بِالتَّمْوِيهِ وَالتَّدْلِيسِ، مُنْتَفِينَ فِي الظَّاهِرِ مِنْ بَعْضِ كَلَامِ الجَهْمِيَّةِ، مُتَابِعِينَ لَهُمْ فِي كَثِيرٍ في البَاطِنِ، مُمَوِّهِينَ عَلَىٰ الضُّعَفَاءِ وَالسُّفَهَاءِ بِمَا حَكَيْتَ عَنْهُمْ أَيهَا المُعَارِضُ: أَنَّ أَبَا أُسَامَةَ، وَأَبَا مُعَاوِيَةَ، وَبَعْضَ نُظَرَائِهِمْ كَرِهُوا الخَوْضَ فِي المَخْلُوقِ وَغَيْرِ المَخْلُوقِ.
فَقُلْنَا لَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ: إِنَّمَا كَرِهَ مَنْ كَرِهَ الخَوْضَ مِنْ هَؤُلَاءِ المَشَايِخِ إِنْ صَحَّتْ عَنْهُم رِوَايَتُكَ، لمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَخُوضُ فِيهِ إِلَّا شِرْذِمَةٌ أَذِلَّةٌ سِرًّا بِمُنَاجَاةٍ بَيْنَهُمْ، وَإِذَا العَامَّةُ مُتَمَسِّكُونَ مِنْهُمْ بالسُّنَن الأُولَىٰ، والأَمْرِ الأَوَّلِ.
فَكَرِهَ القَوْمُ الخَوْضَ فِيهِ، إِذْ لم يَكُنْ يُخَاضُ فِيهَا عَلَانِيَةً، وَقَدْ أَصَابُوا فِي تَرْكِ الخَوْضِ فِيهِ، إِذْ لَمْ يُعْلَنْ.
فَلَمَّا أَعْلَنُوهُ بِقُوَّةِ السُّلْطَانِ، وَدَعَوُا العَامَّةَ إِلَيْهِ بِالسُّيُوفِ وَالسِّيَاطِ، وَادَّعَوْا أَن كَلَامَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ، أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مَنْ غَبَرَ مِنَ العُلَمَاءِ وَبَقِيَ مِنَ الفُقَهَاءِ، فَكَذَّبُوهُمْ وَكَفَّرُوهُمْ وَحَذَّرُوا النَّاسَ أَمْرَهُمْ، وَفَسَّرُوا مُرَادَهُمْ مِنْ ذَلِكَ.
فَكَانَ هَذَا مِنَ الجَهْمِيَّةِ خَوْضًا فِيمَا نُهُوا عَنهُ، وَمن أَصْحَابنَا إِنْكَارًا لِلْكُفْرِ البَيِّن، وَمُنَافَحَةً عَنِ اللَّهِ - عز وجل - كَيْلَا يُسَبَّ وَتُعَطَّلَ صِفَاتُهُ، وَذَبًّا عَنْ ضُعَفَاءِ النَّاس كَيْلَا يَضِلُّوا بِمِحْنَتِهِمْ هَذِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفُوا ضِدَّهَا مِنَ الحُجَجِ الَّتِي تَنْقُضُ دَعْوَاهُمْ وَتُبْطِلُ حُجَجَهُمْ.
(١٢٩) فَقَدْ كَتَبَ إِلَيَّ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عِيسَىٰ بْنَ يُونُسَ يَقُول: لَا تُجَالِسُوا الجَهْمِيَّةَ، وَبَيِّنُوا لِلنَّاسِ أَمْرَهُمْ، كَيْ يَعْرِفُوهُمْ فَيَحْذَرُوهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ المُبَارَكِ: لَأَنْ أَحْكِيَ كَلَامَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَىٰ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْكِيَ كَلَامَ الجَهْمِيَّةِ.
فَحِينَ خَاضَتِ الجَهْمِيَّةُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ وَأَظْهَرُوهُ وَادَّعَوْا أَنَّ كَلَامَ اللَّه مَخْلُوقٌ، وأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ المُبَارَكِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوق، فَإِنَّ مَنْ قَالَ: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا}، مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ.
(١٣٠) حَدَّثَنِيهِ يَحْيَىٰ الحِمَّانِيُّ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ.
فَكَرِهَ ابْنُ المُبَارَكِ حِكَايَةَ كَلَامِهِمْ قَبْلَ أَنْ يُعْلِنُوهُ. فَلَمَّا أَعْلَنُوهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ وَعَابَهُمْ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: كُنَّا نَرَى السُّكُوتَ عَنْ هَذَا قَبْلَ أَن يَخُوضَ فِيهِ هَؤُلَاءِ، فَلَمَّا أَظْهَرُوُه لم نَجِدْ بُدًّا مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ وَالرَّدِّ عَلَيْهِم.
ولَمْ يَقُلْ أَبُو أُسَامَةَ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ: أَنَّهُ مَتَىٰ مَا أَظْهَرَتِ الجَهْمِيَّةُ مِحْنَتَهُمْ وَأَذَاعُوا كُفْرَهُمْ وَدَعَوُا النَّاسَ إِلَيْهَا، فَأَمْسِكُوا عَنِ الإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ حَتَّىٰ يَسْتَمِرَّ فِي النَّاسِ كُفْرُهُمْ، وَتَدْرُسَ سُنَنُ رَسُولِ اللَّه وأَصْحَابِهِ، وَلَكِنْ قَالُوا أَمْسِكُوا عَنِ الخَوْضِ فِيهِ مَا لَمْ يُنَصِّبِ القَوْمُ الكُفْرَ إِمَامًا، فَإِذَا نَصَّبُوهُ إِمَامًا، فَمَنْ يَعْقِلُ تَدْلِيسَهُمْ وَتَمْوِيهَهُمْ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَىٰ أَهْلِ الإِسْلَامِ بِبَعْضِ مَنْ نَاقَضَهُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُفْرَهُمْ وَضَلَالَهُمْ.
فَالمُبْتَدِعُ الضَّالُّ مِنَ الحِزْبَيْنِ مَنْ نَصَّبَ رَأْيَ جَهْمٍ إِمَامًا، وأَذَاعَهُ فِي النَّاسِ بَدْءًا، وَالمُتَّبِعُ مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ وَنَاقَضَهُ.
فَمَنْ أَجْرَىٰ النَّاقِضَ لِلْبِدْعَةِ وَالرّاَدَّ لِلْكُفْرِ مَجْرَى مَنْ شَرَعَهَا، فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللَّهُ، وَفَرَّقَ بَيْنَ مَا جَمَعَ اللَّهُ. وَلَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يُسْمَعَ مِنْهُ وَيُقْبَلَ.”
هذا كلامه ذكرته بتمامه لحسن ما فيه من التفصيل وجماله.
وقد كان بعض من سلم من التعطيل يمتحن الجهمي بمثل تلك الألفاظ، يراه أمثبت هو معنىٰ النص معتقد اعتقاده أم لا؟
فإن قال بها فذاك، وإلا فهو ينافق في التعطيل.
ذكر الذهبي رحمه اللَّه في العلو شيئًا من ذلك، فقال:
”قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسن بن يزيد السلمي، سمعت أبي يقول: سمعت هشام بن عبيد اللَّه الرازي وحبس رجلًا في التجهم، فجيء به إليه ليمتحنه، فقال له: أتشهد أن اللَّه علىٰ عرشه بائن من خلقه، فقال: لا أدري ما بائن من خلقه، فقال: ردوه، فإنه لم يتب بعد.”
فإن قيل بعد هذا: أليس لازمٌ علينا أن نتوقف علىٰ النص؟
قيل: فأما التوحيد والعقائد فلازمٌ علينا التوقف فيها علىٰ النص، فأما الإعلام والإخبار والتقسيم العلمي فغير لازمٍ فيه ذلك.
فإن قلنا: الإيمان قول وعمل، والتوحيد بالعبودية والربوبية، فهذا تقسيم النص واعتقاده ومعناه، فإن اللَّه يقول: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾
فقسم الإيمان والتوحيد، فهناك توحيد بالعبادة وأخر بالربوبية.
وإن النبي ﷺ يقول: «الإيمانُ بِضْعٌ وسَبْعونَ أو بِضْعٌ وسِتُّونَ شُعبةً: فأفضلُها قولُ لا إِلهَ إلَّا اللَّهُ، وأدْناها إماطةُ الأذَىٰ عَنِ الطَّريقِ، والحياءُ شُعْبةٌ مِنَ الإيمانِ.»
فقسم الإيمان لقول وعمل، فهناك إيمان بالقول وأخر بالعمل عمل القلب واليد والرجل.
فذاك القول منا هو تقسيم واعتقاد النص، وإن كان عين ونفس التقسيم المذكور ليس بالنص بالحرف حرفًا حرفًا.
ولا بأس في ذلك علينا، إذ غير لازم في الإعلام والتقسيم التوقف علىٰ نفس إعلام وتقسيم النص بالحرف حرفًا حرفًا، فكفىٰ إن كان بمعناه خاصة إذ كان ذلك لداعي، كالداعي الذي فصلته وبينته لقول السلف ما قالوا من تلك الألفاظ.
وهذا معقول مفهوم غير أنه يُبيَّن دفعًا لتلبيس المعطلة والقبورية من بعدهم، إذ يقولون: تقسيم التوحيد بدعة!!
وقد وقعوا فيما أنكروه، وأبدلوا ما قالوه، إذ قالوا بتقسيم التوحيد بمبتدع التقسيم، فجعلوه تعطيل اللَّه عن صفاته والفعله الذي سموه حلول حدوث.
ثم جعلوه تثبيت ربوبيته وألوهيته شيئًا واحدًا، فجعلوا هذا لا يكون إلا بذلك، والعبادة لا تكون إلا باعتقاد الربوبية، فصيروها اعتقادًا دون فعل، واعتقادًا بالربوبية.
قالوا لنا: ما خاض في تقسيم التوحيد العلماء، ثم خاضوا بأقبح الخوض في تقسيمه، وأبطلوه وأبدلوه.
ولئن كانوا صادقين في أن ذلك بدعة، ليقولوا عن السلف فيما قالوا من تلك الألفاظ أنهم مبتدعة إن كانوا أهلًا لها، وليسوا بأهل.
وإذا كان ذلك كذلك فليس في الإخبار والتقسيم اعتقاد جديد، كما ظن بعضهم أن تلك الألفاظ المأثورة المقبولة أو بعضها تثبيت لما لم يرد به نص.
فغَلِطوا بذلك غلطًا قبيحًا، إذ كيف يُظن بالسلف شيء كذاك؟
فقال بعضهم في التحرك والحركة: صفة لم ترد، فلا نقول بها.
وإنما هي إخبار معناه معنىٰ الفعل للَّه ما يسمونه بالصفات الاختيارية من نحو النزول والمجيء والبسط والقبض، فهو تبارك وتعالىٰ يفعل ويتحرك.
وداعي ذكر التحرك هو تحقيق نصوص الصفات الفعلية وتثبيت اعتقادها من الفعل القائم بالنفس دفعًا وردًّا لتوقف المتوقف فيها وتأول المتأول فيها غير معناها واعتقادها.
فإذا قلنا: ينزل ويجيء ويتحرك، أبلغنا الإثبات، وقطعنا عن الجهمية باب التلبيس والتمويه بوفاق المنصوص من الصفات.
قال أبو سعيد الدارمي:
”... لِأَنَّ الحَيَّ القَيُّومَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَتَحَرَّكُ إِذَا شَاءَ، ويَهْبِطُ ويَرْتَفِعُ إِذا شَاءَ، ويَقْبِضُ وَيَبْسُطُ، وَيَقُومُ وَيَجْلِسُ إِذَا شَاءَ، لِأَنَّ أَمَارَةُ مَا بَيْنَ الحَيِّ وَالمَيِّتِ التَّحَرُّكَ.
كلُّ حَيٍّ مُتَحَرِّكٌ لَا مَحَالَةَ، وَكُلُّ مَيِّتٍ غَيْرُ مُتَحَرِّكٍ لَا مَحَالَةَ.”
وما ذكره هاهنا مشابه لما ذكره البخاري عن الإمام نعيم بن حماد.
قال البخاري في خلق أفعال العباد:
”وَلَقَدْ بَيَّنَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ أَنَّ كَلَامَ الرَّبِّ لَيْسَ بِخَلْقٍ، وَأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَعْرِفُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ إِلَّا بِالْفِعْلِ، فَمَنْ كَانَ لَهُ فِعْلٌ فَهُوَ حَيٌّ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلٌ فَهُوَ مَيِّتٌ، وَأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ، فَضُيَّقَ عَلَيْهِ حَتَّىٰ مَضَىٰ لِسَبِيلِهِ، وَتَوَجَّعَ أَهْلُ الْعِلْمِ لِمَا نَزَلَ بِهِ، وَفِي اتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ دَلِيلٌ عَلَىٰ أَنَّ نُعَيْمًا وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُ لَيْسَ بِمُفَارِقٍ وَلَا مُبْتَدِعٍ، بَلِ الْبِدَعُ وَالرَّئِيسُ بِالْجَهْلِ بِغَيْرِهِمْ أَوْلَىٰ، إِذْ يُفْتُونَ بِالْآرَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ، مِمَّا لَمْ يأَذَنْ بِهِ اللَّهُ.”
فقوله: لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل، كقول الدارمي: أمارة ما بين الميت والحي التحرك.
وقوله: فمن كان له فعل فهو حي ومن لم يكن له فعل فهو ميت، كقول الدارمي: كل حي متحرك لا محالة، وكل ميت غير متحرك لا محالة.
فإنما قصد الإمام أبو سعيد الدارمي بالتحرك الفعل، وقيله نظير قول نعيم وهو مُفسَّرٌ به، وقوله عندي كأنه أخذه عنه فهو شيخه، واللَّه أعلم.
وكذا لفظ الحد ليس بجديد من الصفات كما توهم المتوهم ذلك.
وإنما معناه: ما يميز الشيء عن غيره من غايته ومنتهاه وصفته.
واللَّه له حد أي أن له غاية ونهاية تميزه عن خلقه، فله حجاب عنهم كما في الحديث، وله بينونية عن خلقه إذ كان فوقهم كما في القرآن.
وذلك معناه أن له حدًّا وحجابًا، فهو بائن عن خلقه.
فالحد إنما هو علىٰ هذا معنىٰ ما في الحديث والقرآن واعتقادهما.
وهو إعلام يُراد به تحقيق اعتقاد الحديث والقرآن لا تجاوز ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية:
”... قلت: أهل الإثبات المنازعون للخطابي وذويه يجيبون عن هذا بوجوه.
أحدهما أن هذا الكلام الذي ذكره إنما يتوجه لو قالوا: إن له صفة هي الحد كما توهمه هذا الراد عليهم، وهذا لم يقله أحد ولا يقوله عاقل، فإن هذا الكلام لا حقيقة له، إذ ليس في الصفات التي يوصف بها شيء من الموصوفات كما يوصف باليد والعلم صفة معينة يقال لها: الحد.
وإنما الحد ما يتميز به الشيء عن غيره من صفته وقدره كما هو المعروف من لفظ الحد في الموجودات، فيقال حد الإنسان وحد كذا، وهي الصفات المميزة له، ويقال حد الدار والبستان وهي جهاته وجوانبه المميزة له، ولفظ الحد في هذا أشهر في اللغة والعرف العام ونحو ذلك...”
أقول: جئت مما ذكره الشيخ بموضع الشاهد من تعريف الحد.
وقال أبو سعيد الدارمي في نقضه:
”وَادَّعَىٰ المُعَارِضُ أَيْضًا أَنَّهُ لَيْسَ للَّه حَدٌّ وَلَا غَايَةٌ وَلَا نِهَايَةٌ.
وَهَذَا هُوَ الأَصْلُ الَّذِي بَنَىٰ عَلَيْهِ جَهْمٌ جَمِيعَ ضَلَالَاتِهِ، وَاشْتَقَّ مِنْهَا أُغْلُوطَاتِهِ، وَهِيَ كَلِمَةٌ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ سَبَقَ جَهْمًا إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنَ العَالَمِينَ.
فَقَال لَهُ قَائِلٌ مِمَّنْ يُحَاوِرُهُ: قَدْ عَلِمْتُ مُرَادَكَ بِهَا أَيُّهَا الأعجمي، وتعني أَن اللَّه لَا شَيْءٌ لأنَّ الخَلْقَ كُلَّهُم عَلِمُوا أَنَّه لَيْسَ شَيءٌ، يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ إِلَّا وَلَهُ حَدٌّ وَغَايَةٌ وَصِفَةٌ، وَأَنَّ لَا شَيْءٌ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ وَلَا غَايَةٌ وَلَا صِفَةٌ.
فَالشَّيْءُ أَبَدًا مَوْصُوفٌ لَا مَحَالَةَ، وَلَا شَيْءٌ يُوصَفُ بِلَا حَدٍّ وَلَا غَايَةٍ، وَقَوْلُكَ: لَا حَدَّ لَهُ يَعْنِي: أَنَّهُ لَا شَيْءٌ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَاللَّه تَعَالَىٰ لَهُ حَدٌّ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ غَيْرُه، وَلَا يجوزُ لأَحَدٍ أَن يتَوَهَّم لحدِّه غايةً فِي نَفْسِهِ، وَلَكِنْ يُؤْمِنُ بِالحَدِّ، ويَكِلُ عِلْمَ ذَلِكَ إِلَىٰ اللَّهِ، ولِمَكَانِهِ أَيْضًا حَدٌّ، وَهُوَ عَلَىٰ عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، فَهَذَانِ حَدَّانِ اثْنَانِ.
وَسُئِلَ ابْنُ المُبَارَكِ: بِمَ نَعْرِفُ رَبَّنَا؟، قَالَ: بِأَنَّهُ عَلَىٰ العَرْشِ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، قِيلَ: بِحَدٍّ؟، قَالَ: بِحَدّ.
(٢٨) حدّثنَاهُ الحَسَنُ بْنُ الصَّباح البَزَّارُ، عَنْ عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ.
فَمَنِ ادَّعَىٰ أَنَّهُ لَيْسَ للَّهِ حَدٌّ فَقَدْ رَدَّ القُرْآنَ، وَادَّعَىٰ أَنَّهُ لَا شَيْء لِأَنَّ اللَّه حَدَّ مَكَانَهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ، فَقَالَ: {الرَّحْمَنُ عَلَىٰ الْعَرْشِ اسْتَوَى}،{أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ}، {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ}، و: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ}، فَهَذَا كُلُّهُ وَمَا أَشْبَهَهُ شَوَاهِدُ وَدَلَائِلُ علىٰ الحَدِّ.
وَمَنْ لَا يَعْتَرِفُ بِهِ فَقَدْ كَفَرَ بِتَنْزِيلِ اللَّه، وَجَحَدَ آيَاتِ اللَّه.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: إِنَّ الله فَوْقَ عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، وَقَالَ لِلْأَمَةِ السَّوْدَاءِ: أَيْنَ اللَّه؟، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ فَقَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ.
فَقَوْلُ رَسُولِ اللَّه ﷺ: إنها مُؤْمِنَةٌ، دَلِيلٌ عَلَىٰ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تُؤْمِنْ بِأَنَّ اللَّه فِي السَّمَاءِ، لم تَكُنْ مُؤمِنَة، وَأَنَّهُ لا يَجُوزُ فِي الرَّقَبَة إِلَّا مَنْ يُحِدُّ اللَّهَ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وَقَدِ اتَّفَقَتِ الكَلِمَةُ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالكَافِرِينَ أَنَّ اللَّه فِي السَّمَاءِ، وَحَدُّوهُ بِذَلِكَ إِلَّا المَرِيسِيَّ الضَّالَّ وَأَصْحَابَهُ حَتَّىٰ الصِّبْيَانُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ قَدْ عَرَفُوهُ بِذَلِكَ، إِذَا حَزَبَ الصَّبِيَّ شَيْءٌ يرفع يَدَيْهِ إِلَىٰ رَبِّهِ يَدْعُوهُ فِي السَّمَاءِ دُونَ مَا سِوَاهَا، فَكُلُّ أَحَدٍ بِاللَّه وَبِمَكَانِهِ أَعْلَمُ مِنَ الجَهْمِيَّةِ.”
الإسناد المأثور صحيح لابن المبارك رحمه اللَّه.
وقد نقل حرب الكرماني في مصنف السنة له عن إسحاق بن راهويه خاصة تثبيت الحد، وعن العلماء عامة ذلك.
وقد قرن الدارمي الغاية والنهاية بالحد فذلك كله بمعنىً واحد.
وبيَّنَ أن الشيء الذي لا حد له ليس بشيء، وهذا لا يشتبه ولا يذهب، إذ الشيء إنما كان شيئًا لأن له حدًّا غايةً يتميز بها عن غيره من الأشياء.
فإذًا نقول: للَّه سبحانه حد وغاية، فله حجاب عن خلقه، لا يعلم حده ولا حجابه غيره.
وليس لأحد أن يتوهم لحده وحجابه نهايةً وحجابًا في نفسه، ولا أن يتوهم لصفاته حدًّا ووصفًا، فيحده كحد ويصفه كصفة المخلوق، إذ ليس كحده حد ولا كحجابه حجاب ولا كصفته صفة، وحقيقة ذلك وكيفيته مجهولة، يُوكل علمها للَّه تعالىٰ.
وهذا الذي ذكرت من نفي حده ووصفه كصفة المخلوق أو بما هو أعظم في الظنون من وصفه نفسه هو مراد الإمام أحمد بنفي الحد والصفة أن لا يُقال: صفة كصفة، وأن لا يوصف بأعظم مما وصف به نفسه.
قال أبو العباس ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية:
”... قال الخلال: وأخبرني علي بن عيسىٰ أن حنبلًا حدثهم، قال: سألت أبا عبد اللَّه عن الأحاديث التي تُروىٰ أن اللَّه تعالىٰ ينزل إلىٰ سماء الدنيا، وأن اللَّه تعالىٰ يُرىٰ، وأن اللَّه تعالىٰ يضع قدمه وما أشبه هذه الأحاديث.
فقال أبو عبد اللَّه: نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنىٰ ولا نرد منها شيئًا، ونعلم أن ما جاءت به الرسل حق، ونعلم أن ما ثبت عن الرسول ﷺ حق إذا كانت بأسانيد صحيحة، ولا نرد علىٰ قوله، ولا نصف اللَّه تبارك وتعالىٰ بأعظم مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية.
وقال حنبل في موضع آخر: ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف به نفسه، قد أجمل تبارك وتعالى بالصفة لنفسه، فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء، فيُعبَد اللَّه تعالىٰ بصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف نفسه، قال تعالىٰ: (وهو السميع البصير)
وقال حنبل في موضع آخر: قال: فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه وله، ولا نتعدىٰ القرآن والحديث، فنقول كما قال ونصفه كما وصف نفسه تعالىٰ ولا نتعدى ذلك، ولا تبلغه صفة الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفاته من لشناعة شنعت.
وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوة بعبده يوم القيامة ووضع كنفه عليه، هذا كله يدل علىٰ أن اللَّه تعالىٰ يُرَىٰ في الآخرة.
والتحديد في هذا بدعة والتسليم للَّه بأمره بغير صفة ولا حد إلا ما وصف به نفسه، سميع بصير، لم يزل متكلمًا حيًّا عالمًا غفورًا عالم الغيب والشهادة علام الغيوب، فهذه صفاته وصف بها نفسه لا تدفع ولا ترد، وهو على العرش بلا حد كما قال: (ثم استوى علىٰ العرش)، كيف شاء، المشيئة إليه عز وجل، والاستطاعة له، (ليس كمثله شيء)
هو خالق كل شيء وهو كما وصف نفسه سميع بصير بلا حد ولا تقدير، قال إبراهيم لأبيه: (لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا)، فثبت أن اللَّه سميع بصير صفاته منه، لا نتعدىٰ القرآن والحديث.
والخبر: يضحك اللَّه، ولا يعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ، وبتثبيت القرآن، لا يصفه الواصفون ولا يحده أحد، تعالىٰ الله عما يقول الجهمية والمشبهة.
وقال لي أبو عبد اللَّه: قال لي إسحاق بن إبراهيم لما قرأ الكتاب بالمحنة: تقول ليس كمثله شيء؟، فقلت {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}
قال: ما أردت بهذا، قلت: القرآن صفة من صفات اللَّه تعالىٰ وصف بها نفسه لا ننكر ذلك ولا نرده.
قلت له والمشبهة ما يقولون، قال: من قال بصر كبصري ويد كيدي.
وقال حنبل في موضع آخر: وقدم كقدمي، فقد شبه اللَّه تعالىٰ بخلقه، وهذا يحده، وهذا كلام سوء، وهذا محدود، والكلام في هذا لا أحبه.
قال عبد اللَّه -يعني ابن مسعود-: جردوا القرآن، وقال النبي ﷺ: يضع قدمه، نؤمن به ولا نحده ولا نرده علىٰ رسول اللَّه ﷺ، بل نؤمن به، قال اللَّه تعالىٰ: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، وقد أمرنا اللَّه عز وجل بالأخذ بما جاء به، والنهي عما نهىٰ.
وأسماؤه وصفاته منه غير مخلوقة، ونعوذ باللَّه من الزلل والارتياب والشك، إنه على كل شيء قدير.
وقال الخلال: وزادني أبو القاسم الجبلي عن حنبل في هذا الكلام: وقال تبارك وتعالىٰ: (اللَّه لا إله إلا هو الحي القيوم)، (لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر)، هذه صفات اللَّه عز وجل وأسماؤه تبارك وتعالىٰ.
فهذا الكلام من الإمام أبي عبد اللَّه أحمد رحمه اللَّه يبين أنه نفىٰ أن العباد يحدون اللَّه تعالىٰ أو صفاته بحد أو يقدرون ذلك بقدر أو أن يبلغوا إلىٰ أن يصفوا ذلك، وذلك لا ينافي ما تقدم من إثبات أنه في نفسه له حد يعلمه هو لا يعلمه غيره، أو أنه هو يصف نفسه، وهكذا كلام سائر أئمة السلف يثبتون الحقائق وينفون علم العباد بكنهها.”
أقول: ذكرت كلام الإمام أحمد بطوله لحسنه وجماله علىٰ ما فيه من النقض والبيان للقوم المستدلين ببعض ما فيه المقتطعين له عن بقية كلام الإمام تلبيسًا وتمويهًا لزيغ قلوبهم لينسبوه إلىٰ غبي من المذاهب من التفويض كذبًا عليه.
فإن في قوله: (نؤمن بها وتصدق بها ولا كيف ولا معنىٰ)، بيانًا معه مستبين أنه بالصفات معتقد ولها مثبت، إذ لا يُصدق عن اختيار بما ليس بموضع للتصديق، وما هو حروف لا يُتكلَّف الإيمان بها، فهذا تصديق لا حقيقة له ولا موضع.
وهو احتيال علىٰ الإيمان وكفر بالرحمن، إذ كان كل الكفار سيرون الغيب عيانًا، فيؤمنون اضطرارًا، وما هم بمؤمنين إيمانًا يُوقع به الثواب ويُدفع عن صاحبه العقاب، فإنما الإيمان المُكلف به المُبتلىٰ به ما كان عن اختيار لا اضطرار.
ألا ترىٰ إلىٰ قوله: ﴿يَوۡمَ يَأۡتِي بَعۡضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفۡسًا إِيمَانُهَا لَمۡ تَكُنۡ ءَامَنَتۡ مِن قَبۡلُ أَوۡ كَسَبَتۡ فِيٓ إِيمَانِهَا خَيۡرٗا﴾
فظاهر معلوم إذًا أن قوله لا كيف أي لا يقال ذلك، إذ نطق النص بالصفة، وما أخبر عن كيفية ذلك.
وأن قوله لا معنىٰ أي لا معنىٰ هو خلاف ما نطق به النص، ووجب به الإيمان.
وفي ختام كلامه: (ولا نصف اللَّه تبارك وتعالىٰ بأعظم مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية.)
دليل لمن كان يفهم علىٰ أنه يصف من غير أن ينعت اللَّه بما لم ينعت به نفسه وبما هو أعظم مما وصف اللَّه به نفسه في الظنون والعقول.
وهذا إنما هو فعل أهل التفويض، إذ يصفوه بأعظم مما وصف في ظنونهم وعقولهم، فيردون الجارحة بزعمهم، ويعنون اليد التي تقبض وتبسط، ويقولون: نفوض ما قال، وما قال اللَّه يد حقيقية فنعرف أنها ليست بيد نعمة أو يد قدرة، مع أنه لم يقل أنها يد نعمة ولا قدرة أيضًا، فكيف استجازوا لأنفسهم أن ينفون ما سوىٰ ذلك من اليد التي هي اليد، وترك المعنيان السابقان دون رد؟
فقد قضوا بأن لا بد له إذّا وأفصحوا، وعُرِفوا في لحن القول وكُشِفوا، كما عُرِف إخوانهم من المنافقين من قبلهم بذلك:﴿وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِي لَحۡنِ القَوۡلِ﴾
وفي قوله: (فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء، فيُعبد اللَّه تعالىٰ بصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف نفسه، قال تعالىٰ: (وهو السميع البصير).)
بيان أن اللَّه عند الإمام كما هو عند المسلمين قد حد نفسه فوصفها بوصف لا شبيه له فيه، فاستحق أن يُعبد بصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف منها نفسه.
فما وصف منها به نفسه إذًا معلوم غير مجهول محدود به اللَّه ومنعوت.
وقوله: (فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه وله، ولا نتعدىٰ القرآن والحديث، فنقول كما قال ونصفه كما وصف نفسه تعالىٰ، ولا نتعدى ذلك، ولا تبلغه صفة الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفاته من لشناعة شنعت.)
ظاهرٌ في أنه إنما ينفي الحد والوصف علىٰ ما استبان من كلامه وقيله، لا أنه ينفي حد اللَّه ووصفه نفسه لشناعة شُنِّعت من أن ذلك تشبيه وتمثيل ما سواه أعظم منه وصفًا وأنزه منه قولًا.
ومما يدلك علىٰ أن ذلك كذلك أن قومًا قد كانوا يشنعون علىٰ السلف في الإثبات ما ذكره اللاكائي في شرح أصول الاعتقاد.
(٥) قال اللاكائي: ذكره عبد الرحمن قال: سمعت أبي يقول: علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة.
وعبد الرحمن هذا هو ابن أبي حاتم، وأبوه أبو حاتم الرازي رحمة اللَّه عليهما.
ويبدو أن اللاكائي فيما نقل عن ابن أبي حاتم في الاعتقاد وما دار حوله ناقل ذلك من كتاب صنفه مفقود.
وذكر أبو عيسىٰ الترمذي في الجامع عن إسحاق بن إبراهيم.
(٦) قال الترمذي: قال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد أو مثل يد، أو سمع كسمع أو مثل سمع، فإذا قال سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه.
إسحاق هو ابن راهويه، وقوله مع قول أبي حاتم في غيرهما دليل علىٰ ما ذكرنا.
وقوله: (وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوة بعبده يوم القيامة ووضع كنفه عليه، هذا كله يدل علىٰ أن اللَّه تعالىٰ يُرىٰ في الآخرة.)
في هذا بالغ الإثبات، إذ استدل علىٰ جواز الرؤية فجواز ما نطق به النص من ذلك بالكلام والنزول والخلوة، وإنما يكون مثل هذا الاستدلال بالصفة بعد تثبيت معناها المفهوم.
فإن ثبَّت مثبتٌ خلوه بعبده ونزوله وكلامه علىٰ معنىٰ ذلك المعروف، كان ذلك عنده دليلًا علىٰ أنه جائز عليه أن يُرىٰ، إذ كانت له نفس تتكلم وتنزل ويُخلَىٰ بها، فصح إذًا رؤيته في الآخرة،
ولو قيل: ما ذكر تعالىٰ ذكره من كلامه ونداءه وحسابه خلقه دون من سواه، دليل علىٰ جواز سماع الكلام منه بصوت وحرف، فدليل علىٰ ما ثبت من سماع كلامه بصوت كسماع صوت صلصلة مثل جر السلسلة علىٰ الصفوان، دون أن يكون الصوت كالصوت وإن كان سماع هذا كسماع ذاك.
لو قيل هذا ما كان إلا ظاهر مذهب الإمام رحمة اللَّه عليه.
وقد قال أبو بكر النجاد:
”ثنا عبد اللَّه بن أحمد، قال: سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلم اللَّه عز وجل موسىٰ لم يتكلم بصوت، قال أبي: تكلم تبارك وتعالىٰ بصوت، وهذه أحاديث نرويها كما جاءت.
وقال أبي: حديث ابن مسعود إذا تكلم اللَّه عز وجل يسمع له صوت كمر سلسلة علىٰ الصفوان.
قال أبي: فهذا الجهمية تنكره، وقال أبي: وهؤلاء كفار يريدون أن يموهوا علىٰ الناس، من زعم أن اللَّه لم يتكلم فهو كافر إلا أنا نروي هذه الأحاديث كما جاءت.”
الأثر في السنة لعبد اللَّه غير أني ذكرته من كتاب أبي بكر النجاد سلمان بن أحمد، إذ كان القوم يطعنون بكتاب السنة ويتعنتون، فذكرته من غيره للفائدة.
وقوله: (من زعم أن اللَّه لم يتكلم فهو كافر إلا أنا نروي هذه الأحاديث كما جاءت.)
يعني أن الكلام لا يكون إلا مسموعًا له صوت، فهذا اللازم هو معناه، فمن أنكره أنكر الكلام، وكذلك النفس لا تكون إلا مرئية لها رؤية، فمن أنكر ذلك أنكر النفس.
وأما ما ذكر الإمام من الاستدلال علىٰ الرؤية بالنزول والخلوة والكلام، وما ذكرت من الاستدلال علىٰ الصوت.
فهذا إنما هو تبيين لئلا ينخدع منخدع بمن يدعي استحالة ذلك بشبه من المنصوص، فذلك حقيقة الكلام أن له صوتًا، والنفس أن لها رؤية أصلًا، غير أن منكر ذلك يظهر القول باستحالته، وهو مبطن القول بنفي علو النفس فنفي رؤيتها، ونفي الفعل بمشيئة فنفي الكلام.
فإن أثبت العلو أثبت الرؤية، لأنه أثبت نفسًا لها مكان، وكذا إن أثبت الفعل بمشيئة، أثبت الكلام بالحرف والصوت، لأنه أثبت فعلًا بمشيئة.
وإن نفىٰ ذلك، نفىٰ النفس، إذ لا نفس لها مكان، ونفىٰ الكلام بالحرف والصوت، إذ نفىٰ الفعل بمشيئة، فكيف يُسمع منه حرف وصوت، فيكون فاعلًا متكلمًا بعد أن لم يكن؟
ولذلك قلنا: إنهم يتسترون عن ذلك بنفي الرؤية والكلام المعروف بشبه من المنصوص، كنحو قوله: (لا تدركه الأبصار)، وقوله: (إنا جعلناه قرآنًا عربيًا)، الذي زعموا أن معنىٰ الجعل فيه معنىٰ الخلق، مع أنهم يقولون: لا يجوز بحال أن يتكلم، فيُسمع له الكلام، ولا أن يُرىٰ، فخالفوا النص زيادة عليه بقولهم: إن ذلك محال عليه، وما في النص إن صح لهم علىٰ ما يدعون ذلك.
وكيف ذلك ونبي اللَّه موسىٰ صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم يسأل من قبل السائلين أن يرىٰ اللَّه، أفجهل محالًا لا يجوز في حقه، فسأله؟
وكيف والنبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم يقول في الإحسان: أن تعبد اللَّه كأنه تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
أفشبه عبادته في حال أن لا تراه، بعبادته في حال أن تراه، وهو محال مستحيل من شيء إلىٰ لا شيء، لا يجوز في حقه؟
وقد علمنا وكل الناس أن التشبيه لا يكون إلا بشيء، وأن الجهمية ما هم بأعلم بما يجوز في حق اللَّه وما لا يجوز من نبي اللَّه موسىٰ صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم.
وتستر مع ذلك بعضهم بشبه من أقوال العلماء، فاستدل بعضهم يقول مجاهد في الرؤية أنها الانتظار انتظار الثواب، مع أن هذا القول منه علىٰ ما يعنون لا يحيل الرؤية ولا يجعل تثبيتها تشبيهًا للمرئي وتمثيلًا.
هذا حتىٰ أن الأئمة قد عرفوهم في لحن القول قولهم وكشفوهم، فقال حماد بن زيد: إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شيء، وقال ابن المبارك: إنهم يجعلون ربك الذي تعبد لا شيء.
فتستروا بشبه من المنصوص وبعض أقوال العلماء، يلبسون بذلك علىٰ الجهال، عن نفي العلو والنفس والفعل مموهين بذلك علىٰ عامة الناس مدلسين لئلا ينفروا منهم نفورهم من الكفار، إذ ظنوا أن خلافهم كمثل خلاف فرق لمَّا تخرج من الوحي إلىٰ غيره من مرجئة وقدرية وشيعة مفضلة ممن تعلق بمتشابه من المنصوص وشاذ من الأقوال، إذ تعلق الشيعة بشيء من أقوال من كان يفضل عليًّا علىٰ عثمان ممن لم يبلغه نص ابن عمر في تفضيل عثمان عليه في زمان النبي صلَّىٰ اللَّه عليه دون نكير منه.
وظن هذا بعض من حظي بشيء من العلم، فقاسهم وعذرهم كما عذر أولئك من الكفر، أو من الخروج به عن الملة والانحلال ومن أصل التسليم والاتباع، إذا ما ظهر أمر اللَّه وجاء، الذي هو في الإيمان باللَّه، الذي من تركه كفر به، وليس الأمر كذلك.
فأولئك أهل زيغ يتعلقون بما اشتبه، وهم بالأصل متبعون مسلمون، وأولئك أهل كفر يتبعون كلامًا ومعقولًا هو عن النص خارج وله معارض، وهم بالأصل غير متبعون ولا مسلمون.
ولذلك فشتان ما بين تلك الفرق التي لم يكفرها العلماء، وبين الجهمية التي كفرها العلماء فأبدأوا وأعادوا وأكثروا.
قال أبو سعيد الدارمي في كتاب النقض علىٰ المريسي:
”افْتَتَحَ هَذَا المُعَارِضُ كِتَابَهُ بِكَلَامِ نَفْسِهِ مُثَنِّيًا بِكَلَام المَرِيسِيِّ، مُدَلِّسًا عَلَى النَّاسِ بِمَا يَهمُ أَنْ يَحْكِيَ وَيُرِي مَنْ قِبَلَهُ مِنَ الجُهَّالِ وَمَنْ حَوَالَيْهِ مِنَ الأَغْمَارِ، أَنَّ مَذَاهِبَ جَهْمٍ وَالمَرِيسِيِّ فِي التَّوْحِيدِ كَبَعْضِ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الإِيمَانِ فِي القَوْلِ وَالعَمَلِ، وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَكَاخْتِلَافِهِمْ فِي التَّشَيُّعِ وَالقَدَرِ، وَنَحْوِهَا، كَيْ لَا ينفرُوا مِنْ مَذَاهِبِ جَهْمٍ وَالمَرِيسِيِّ أَكْثَرَ مِنْ نُفُورِهِمْ مِنْ كَلَامِ الشِّيعَةِ والمُرْجِئَةِ والقَدَرِيَّةِ.
وَقَدْ أَخْطَأَ المُعَارِضُ مَحَجَّةَ السَّبِيلِ، وَغَلَطَ غَلَطًا كَثِيرًا فِي التَّأْوِيلِ، لما أَنَّ هَذِهِ الفِرَقَ لَمْ يُكَفِّرْهُمُ العُلَمَاءُ بِشَيْءٍ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ، وَالمَرِيسِيُّ وَجَهْمٌ وأصحابُهم؛ لَمْ يَشُك أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي إِكْفَارِهِمْ.
وقوله: (لم يزل متكلمًا حيًّا عالمًا غفورًا عالم الغيب والشهادة علام الغيوب، فهذه صفاته وصف بها نفسه لا تدفع ولا ترد، وهو على العرش بلا حد كما قال: (ثم استوى علىٰ العرش)، كيف شاء، المشيئة إليه عز وجل، والاستطاعة له، (ليس كمثله شيء).)
فهل ظاهر مذهب الإمام من هذا الذي ذكر من أنه لم يزل كذلك إلا أنه لم يزل خالقًا يخلق، إذ كان لم يزل متكلمًا يخلق بكلامه؟
وهل هذا إلا ما شنع به المشنعون علىٰ شيخ الإسلام أبي العباس؟، فرحمه اللَّه فقد سبقه في ذلك الإمام أحمد بل عامة السلف ممن وافقوه في الاعتقاد، ومن قبلهم ابن عباس سبق بذلك، إذ قال في قوله: (وكان اللَّه سميعًا بصيرًا)، قال: لم يزل كذلك.
فإذا لم يزل كذلك، لم يزل خالقًا متكلمًا يخلق بقيله: كن.
وهذا ظاهر القرآن أصلًا: (إن ربك هو الخلاق العليم)، والخلاق كثير الخلق، وقال: (فعال لم يريد)، والفعال كثير الفعل، كالغفار والقهار.
وهذا الخلاق الفعال لمل يريد: (الحي الذي لا يموت)، فلم يزل خلاقًا فعالًا، إذ لم يزل حيًّا، ومن أبطل ذلك فإنما أبطل كماله وعطله، وكذب بقدرته وحياته، إذ زعم أنه لا يجوز عليه أن يفعل ويخلق إلا في زمان دون زمان.
وقوله: (قال إبراهيم لأبيه: (لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا)، فثبت أن اللَّه سميع بصير.)
فاستدل بالعقل الذي جاء به النص لتأييده، وهذه عكس حال أهل الكلام إذ يستدلون بعقل ما جاء به النص، وهو ضده لرده وترك الأخذ بما دل عليه!
وإن استدللنا كما استدل الإمام، فقلنا: قال اللَّه تعالىٰ: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا)
فثبَّت أن له يدًا يبطش بها، وعينًا يبصر بها، ورجلًا.
أكان هذا إلا كما استدل الإمام علىٰ صفتي السمع والبصر؟، أكان هذا إلا ظاهر مذهب الإمام؟
وقوله: (وهذا يحده، وهذا كلام سوء، وهذا محدود، والكلام في هذا لا أحبه.)
واضح أنه إنما يتكلم عن حد العبد له حدًّا في نفسه كحد المخلوق، فيقول: قدم كقدمي، فيتوهم لقدمه غاية كغاية قدمه.
فهذا واضح في نفي الحد المحدود من قبل العبد، والمتوهمِ في نفسه.
ولذا قال: (وقال النبي ﷺ: يضع قدمه، نؤمن به، ولا نحده)، فإنما الكلام عن أن لا نحده قدمه وصفاته تعالىٰ.
وقد نقل حرب الكرماني في السنة إثبات الحد عن أحمد وأئمة الإسلام.
هذا وداعي تلك لفظ الحد والتحرك وما أشبههما قد بينته وأظهرته، فظهر واستبان، فلا يصلح أن يأتي الآتي، فيزعم أن تلك الألفاظ لا داعي لها، وأننا نستغني عنها بألفاظ النصوص.
وأذكر أن ثمة كلامًا كذاك في موقع الدرر السنية إذا لم يخب ظني.
وليس الأمر كذلك بل داعيها موجود، والقول بها مأثور.
ومن هذا الباب ما ذكره ابن بطة في الإبانة الصغرىٰ حيث قال:
” ... ثم الإيمان بصفات اللَّه بأن اللَّه حي، ناطق، سميع بصير ... ”
فقوله: ناطق، هذا إخبار وإعلام لا تسمية، ومعناه في النص أنه يتكلم وينادي - والنداء لا يكون إلا بصوت -، فالمراد تحقيق صفة الكلام القائمة بالنفس بصوت مسموع.
والباب يطول ذكر كل ما فيه، وفيما ذكرت كفاية إن شاء اللَّه.
وقد قال الخلال في السنة:
( ٨٣٥ - وأخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر أن الحارث حدثهم قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: القرآن كلام اللَّه ليس بمخلوق، ومن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو كافر.
قلت: يا أبا عبد اللَّه أي شيء قلت لأبي العباس؟
قال: لا أقول غير مخلوق إلا أن يكون في كتاب اللَّه.
فقلت له: فتقول: إن وجه اللَّه ليس بمخلوق؟
فقال: لا ، إلا أن يكون في كتاب نصًّا.
فارتعد أبو عبد اللَّه وقال: استغفر اللَّه، سبحان اللَّه!، هذا الكفر باللَّه، أحد يشك أن وجه اللَّه ليس مخلوق؟! )
فهذا الواقفي يمتنع عن الإخبار والإعلام بقولنا: غير مخلوق، وحجته في ذلك أن ذاك ليس في الكتاب.
وهذه حجة مدحوضة، وقد بينا أن مثل ذلك لا يلزم فيه التوقيف، وإنما معناه في النص، وهو تحقيق له لا تجاوز.
وما أحسن إلزام الإمام له، فإن كنا لا نطلق غير مخلوق لأن ذلك لم يرد، فلن نطلق أن اللَّه غير مخلوق، وأن وجهه غير مخلوق متوقفين في ذلك أيضًا إذ لم يرد نصًّا.
فإذا كان ذلك معنىٰ النصوص وما دلت عليه، وكان تحقيقًا لها، فكذلك قولنا: غير مخلوق، وغيره.
وربما امتنع بعض أهل السنة عن إطلاق شيء من تلك الألفاظ الإخبارية الإعلامية مع تثبيتهم للمراد بها.
وذلك لالتباس حصل، أو لكراهة ترك لفظ النص - علىٰ أن الصواب أن تُقَال كما قالها السلف -
أقول: فهذا، ومعنىٰ اللفظ إن كان بالنص، وكان تحقيقًا له، فلا يجوز أن يتوقف فيه المرء وإن توقف في اللفظة.
وقول ابن رجب في فضل علم السلف علىٰ الخلف:
( ومنهم من أثبت للًَه صفات لم يأت بها الكتاب والسُّنَّة كالحركة وغير ذلك مما هي عنده لازم الصفات الثابتة )
لا يصح، وليست الحركة بصفة جديدة هي لازم الصفات الثابتة، ولا شيء من تلك الألفاظ المأثورة هي علىٰ ما توهم ابن رجب في لفظ الحركة.
وهو نفسه يثبت الحركة للَّه علىٰ معنىٰ الصفة الاختيارية أو الفعلية، ولكن التبس عليه المراد بها، فظنها صفة جديدة، فأنكرها، وهذه زلة.
وأما من توقف في لفظ الحركة أو أنكره لإنكاره الفعل القائم باللَّه عز وجل حقًّا، فهذا جهمي.
ورحم اللَّه رجلًا قال بما قال السلف، وترك زلة الخلف.
وصل اللهم وسلم علىٰ نبينا محمد.
تعليقات
إرسال تعليق