قاعدة في تحقيق المنصوص.
بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّه، وبعد:
فإن الناظر في كلام الأولين سيقف في نظره عند ألفاظ قالوها، وذلك كمثل: بائن، وبحد، وكلام اللَّه غير مخلوق، ونحو ذلك من الكلام الذي ليس في النص.
فما ذلك؟، وما داعيه وعندنا ألفاظ الوحي التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها؟
والإجابة أن مثل ذلك من بالغ فقه السلف، إذ نجم وظهر أهل التعطيل متخذين السبل في نفي الصفات بردها بالتأويل تارةً وبدفعها بالتوقف تارةً.
فكان في هذا أمران، فأولهما تعطيل المعطلة رب العالمين عما وصف به نفسه بمستنكر التأويل أو التوقف.
وثانيهما مع ذلك هو تلبيس المعطلة علىٰ الناس أنهم فيما جاءوا به موافقين للمنصوص والمسلمين.
وذلك من الواحد منهم، إذ يقول: القرآن كلام اللَّه، فقد أظهر وِفاق النص، وأبطن خلافه، إذ يريد بكلام اللَّه ما هو منفصل عنه مخلوق في خلق.
ويزيد في قوله ذلك استدلال من زاغ قلبه بمتشابه المنصوص المقطوع من غيره المفهوم علىٰ غير وجهه ليقضي بأن كلام اللَّه مخلوق في خلق كناقة اللَّه وبيت اللَّه تلبيسًا وتمويهًا علىٰ ضعاف الناس ممن لا يفقه وجه خلاف ذلك ما اعتقده واعتقد المسلمون من أن القرآن كلام تكلم اللَّه به.
فهذا أو يقول ذلك ويقول: أقول كما قال اللَّه، فيتوقف علىٰ اللفظ دون تحقيق معناه، إذ كان كلام اللَّه بمعنىٰ كلام منه غير مخلوق، كما أن كلام فلان وزيد بمعنىٰ كلام منه مخلوق، فيعود لما عاد له من قال: إن القرآن مخلوق.
وذلك أنه يزيد مع قيله ذلك قوله: لم يقل اللَّه مخلوق ولا غير مخلوق، وقول الناس ذلك بدعة، ما قالها اللَّه، وما خاض الصحابة في ذلك، فيلبس علىٰ ضعيف الرأي والفهم، ويبطل بدعواه أن القرآن مجعول كالمجعول من المخلوقات، وكناقة اللَّه وبيته مما هو مخلوق، فقد قضىٰ بخلقه إذًا وأفصح، ووصف اللَّه بأعظم مما وصف به نفسه من الكلام في ظنه وعقله كالجهمية سواء لا فرق بينهم وبينه.
فعاد حقًّا لقول من قال: كلامه مخلوق، فإنما تستر بالتوقف عن قولهم، وأظهر الورع ليستميل الناس، حتىٰ يعود من بعد إلىٰ نقضه ورعه، فيُفصح بخبث بما يقضي بخلق كلامه، ليدخل الناس في عظيم كفره.
- وكذا قال أحمد عن الواقفة في القرآن: « كلام سوء، هو ذا موضع السوء وقوفه، كيف لا يعلم؟، إما حلال وإما حرام، إما هكذا وإما هكذا، قد نزه اللَّه القرآن عن أن يكون مخلوقًا، وإنما يرجع هؤلاء إلىٰ أن يقولوا: إنه مخلوق، فاستحسنوا لأنفسهم، فأظهروا الوقف، القرآن كلام اللَّه بكل جهة، وعلىٰ كل تصريف. »
ذكره الخلال في السنة.
وإنما ذلك هو علم النص واعتقاده لا بدعة، فهو ما نطق به النص وأبان منذ نزول القرآن، مما علمه العلماء وفقهه الفقهاء.
وإنما ما قالوا: غير مخلوق، إذ لم يظهر من ينكر بين علم النص وواضح معناه، فلا حاجة لأن يتكلفوا نقض كفر لم يظهر بعد.
وليس يستوي من قال: إن كلامه والقرآن منه، وإنه غير مخلوق، تحقيقًا للإيمان بالكلام، الذي في قول اللَّه عن نبيه: ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾، مع من قال عكس ذلك، نقضًا للإيمان بما أوجب اللَّه، اتباعًا منه لسنة الكفار، إذ قال الوليد بن مغيرة المخزومي منهم: ﴿إنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾
وقول البشر مخلوق لا مرية فيه، وإنما أراد المشركون بذلك أنه مفترىٰ، وكذلك من قال: هو مخلوق، جعله كلامًا مفترىٰ، إذ ادعىٰ صاحبه أنه كلام اللَّه، وهو كلامه مخلوق، مع أن من قال بخلق القرآن ينكر هذا بلسانه لو قيل له.
وإنما ينسب الكلام لمن قاله بَدْءًا، وقد ينسب لغير من ابتدئه، إذ كان الذي بلغه وأداه، كما قال عن جبريل عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾
وقول الرسول إنما هو قول تبليغ لا ابتداء، لأنه يبلغ قول من أرسله.
فلا يستوي إذا القولان، فيكون الاثنان بدعة، وأحدهما تحقيق للنص والإيمان الواجب وأن القرآن غير مفترىٰ، والأخر عكس ذلك.
- وقد قال الإمام أبو عبد اللَّه أحمد في أولئك الواقفة: « هم أشد علىٰ الناس تربيتًا من الجهمية، هم يشككون الناس، وذلك أن الجهمية قد بأن أمرهم، وهؤلاء إذا قالوا: إنا لا نتكلم، استمالوا العامة. »
ذكره الخلال في السنة.
ويعني أنهم أشد علىٰ الناس تلبيسًا وتحييرًا منهم، فبعد المحنة قد بأن أمر من يقول بخلق القرآن، وبين العلماء بدعة وخلاف أولئك الجهمية، حتىٰ جاء الواقفة متسترين بقولهم عن القول بالخلق مستميلين للناس.
وذلك أن من ابتدئ الوقف محمد بن شجاع الثلجي، جهمي لم يترك صفة إلا وتأولها، ثم قال في القرآن بالوقف، مظهرًا الورع وترك الخوض فيما لم يخض فيه السلف، مبطنًا الجراءة علىٰ اللَّه والخوض في كلامه بمحال التأويل الذي لم يصب فيه شيئًا عن الصحابة، لإبطال أنه كلامه، فوقف تلبيسًا لإدخال القول بخلقه علىٰ الناس بعد أن فُضِح أمر من قال: القرآن مخلوق، حتىٰ لم يستطع أحد أن يُفصح بذلك صُراحًا، إلا وكُفّٓر وضُلِّل ونسب للجهم بن صفوان.
- وقد ذكر البخاري في خلق أفعال العباد: « وقال عبد العزيز بن سلمة: إن كلام جهم صنعة بلا معنىٰ، وبناء بلا أساس. »
قوله: صنعة بلا معنىٰ، هذا هو التوقف -ومثله عند المفوضة- عند الجهم بن صفوان.
وهو أنه يقول بقول النص أن القرآن كلامه، ثم لا يحقق معناه، ولا يعلم علمه، ولا يعتقد اعتقاده، فلا يكون قوله إلا صنعة بلا معنىٰ، وبناء بلا أساس، لأنه لا يثبت كلامًا علىٰ الحقيقة، فيكون القرآن من كلامه، كما يقول.
وهذا كما يقول المفوضة: يد اللَّه، وعينه، ووجهه، ثم لا يحققون من معنىٰ ذلك شيئًا، ولا يعتقدون اعتقاد ذلك، فيصنعون صنعة بلا معنىٰ.
وهم مع ذلك يبنون بناء بلا أساس، إذ أنهم لا يثبتون له نفسًا بمكان، حتىٰ يكون لها ذلك أو ما أراد اللَّه، كما يقولون: نؤمن بها علىٰ ما أراد، ولا تخوض في معناها.
ومهما يكن مراده، فهم غير مثبتين له، لأنه لا تثبت صفة ولا يد سواء أكانت يد قدرة أم يدًا هي اليد ولا وجهً سواء أكان نفسًا أم وجهًا هو الوجه ولا عينًا سواء أكانت رعاية ونظرًا أم عينًا هي العين.
ذلك لا يثبت إلا لنفس، فأي شيء هذا الذي يثبتونه وهم لها نافون؟
هذا وقد يقول قائل من المعطلة: اللَّه فوق العرش وعلا علىٰ العرش، ويريد علو المكانة والقدر دون النفس.
وربما أراد أنه فوق العرش، إذ كان بكل مكان، فهو هناك وفي كل مكان غيره، وهذا مذهب الحلولية الجهمية.
- وقد ذكره الدارمي في نقضه عمن رد عليه، ذكر قوله: « لأنه علىٰ العرش، وبكل مكان، ولا يوصف بأين. »
فالقوم قد يقولون بتثبيت الفوقية، ولا يعارض ذلك عندهم القول بالحلول، لأنهم يريدون: هو فوق، كما أنه تحت، وهو بكل مكان.
ومثل ذلك الذي ذكرت من التأويل والتوقف أو التفويض عندهم كثير، وفي غير موضع، وفي غير صفة.
ولذلك كان في ما قال السلف من الألفاظ الخارجة عن لفظ المنصوص أمران، فأولها تحقيق النص وتحقيق علمه واعتقاده.
وثانيها رد تلبيس المعطلة بموافقة المنصوص وأهل العلم في الاعتقاد.
فإذا قيل مثلًا: كلام اللَّه غير مخلوق، كان في هذا تحقيق النص بما لا اشتباه معه بقول الجهمية من الخلقية أو الواقفية.
ولولا ظهور الداعي لذلك، الموجب له مما ذكرنا، لم يكن الناس بحاجة لهذا وما أشبهه.
ولذا ما كان الناس ولا الأئمة يقولون قبل أن يظهر المعطلة ما قاله السلف من تلك الألفاظ حين ظهر منكرو الصفات.
وهذا ما بينه الإمام أحمد في رده علىٰ الواقفة الزاعمين أن ذلك القول أنه غير مخلوق بدعة لم يقله اللَّه ولا الناس، وإنما هو اعتقاد النص ومعناه، وإنما لم يقله الناس، إذ لا داعي له، فلم يظهر أهل بدع ونفاق، يظهرون وفاق النص، ويبطنون خلافه، ولا يحققون معناه ومراده.
روىٰ الخلال في السنة والآجري في الشريعة عن أبي داود السجستاني واللفظ للخلال:
” ١٧٨٣ - وأخبرنا سليمان بن الأشعث، قال: سمعت أحمد سُئِل: لهم رخصة أن يقول الرجل: كلام اللَّه ويسكت؟
قال: ولم يسكت؟!، قال: لولا ما وقع الناس فيه كان يسعه السكوت، ولكن حيث تكلموا فيما تكلموا، لأي شيءٍ لا يتكلمون؟ “
قال الآجري في الشريعة إثر ذكره هذا القول من الإمام:
” معنىٰ قول أحمد بن حنبل في هذا المعنىٰ يقول: لم يختلف أهل الإيمان أن القرآن كلام اللَّه تعالىٰ، فلما جاء جهم بن صفوان فأحدث الكفر بقوله: القرآن مخلوق، لم يسع العلماء إلا الرد عليه بأن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق بلا شك، ولا توقف فيه، فمن لم يقل غير مخلوق سمي واقفيًّا شاكًّا في دينه. “
فلم يكن يسع العلماء غير الرد بشيء وإن لم يكن عين لفظه في المنصوص، غير أنه تحقيق معناه، إذ ظهر من يقول بعين لفظ النص وهو ناقض اعتقاده بقوله بعد إقراره أن القرآن كلامه: إنه مخلوق.
وقال قال أبو سعيد الدارمي في كلام كثير له [ت الشوامي/٢٠٣ -٢٠٦]:
” ثُمَّ أَنْشَأْتَ طَاعِنًا عَلَىٰ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَسَطَّرْتَ فِيهِ الْأَسَاطِيرَ، وَأَكْثَرْتَ مِنَ الْمَنَاكِيرِ، وغلظت فِي كَثِيرٍ، فَادَّعَيْتَ أَنَّ قَوْلَ النَّاسِ فِي الْقُرْآنِ إِنَّهُ مَخْلُوقٌ غير مَخْلُوقٍ بِدْعَةٌ، إِذْ لَمْ يَكُنْ يُخَاضُ فِيهِ عَلَىٰ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْخَوْضَ فِي الْقُرْآنِ.
فحَكَمْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ عَلَىٰ نَفْسِكَ بِالْبِدْعَةِ، وَشَهِدْتَ بِهَا علىٰ نَفْسِكَ، لَمَّا أَنَّكَ صَرَّحْتَ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَهُوَ قَوْلُكَ: كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ اللَّهِ، وَهُوَ مِنْ أَفَاعِيلِهِ، وَالْأَفَاعِيلُ بِزَعْمِكَ زَائِلَةٌ عَنْهُ مَخْلُوقَةٌ، فحكمت علىٰ نَفسك بِمَا تخولت عَلَىٰ غَيْرِكَ.
فَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْخَوْضَ فِي الْقُرْآنِ فَقَدْ صَدَقْتَ وَأَنْتَ الْمُخَالِفُ لَهُمْ لَمَّا أَنَّكَ قَدْ أَكْثَرْتَ فِيهِ الْخَوْضَ، وَجَمَعْتَ عَلَىٰ نَفْسِكَ كثير مِنَ النَّقْضِ.
فَمِثْلُكَ فِيمَا ادَّعَيْتَ مِنْ كَرَاهِيَةِ الْخَوْضِ فِيهِ كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لِلْخَوَارِجِ حِينَ قَالُوا: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، فَقَالَ: كَلِمَةُ حَقٍّ يُبْتَغَىٰ بِهَا بَاطِلٌ.
فَقَدْ خُضْتَ فِيهَا أَيُّهَا الْمُعَارِضُ بِأَقْبَحِ خَوْضٍ، وَضَرَبْتَ لَهُ أَمْثَالَ السُّوءِ، وَصَرَّحْتَ بِأَنَّهُ مَفْعُولٌ، كَمَا قَالَ إِمَامُكَ الْمَرِيسِيُّ مَجْعُولٌ، وَكُلُّ مَجْعُولٍ عِنْدَكَ مَخْلُوقٌ لَا شَكَّ فِيهِ.
وَيْحَكَ!، إِنَّمَا كَرِهَ السَّلَفُ الْخَوْضَ فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ يَتَأَوَّلَ أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ وَأَغْمَارُ الْجُهَّالِ مَا تَأَوَّلْتَ فِيهِ أَنْتَ وَإِمَامُكَ الْمَرِيسِيُّ، فَحِينَ تَأَوَّلْتُمْ فِيهِ خِلَافَ مَا أَرَادَ اللَّهُ، وَعَطَّلْتُمْ صِفَاتِ اللَّهِ، وَجَبَ عَلَىٰ كُلِّ مُسْلِمٍ عِنْدَهُ بَيَانٌ أَنْ يَنْقُضَ عَلَيْكُمْ دَعْوَاكُمْ فِيهِ.
وَلَمْ يَكْرَهِ السَّلَفُ الخَوْضَ فِي القُرْآنِ جَهَالَةً بِأَنَّ كَلَامَ الخَالِقِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَا جَهَالَةً أَنَّهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، حَتَّىٰ لَوْ قَدِ ادَّعَىٰ مُدَّعٍ فِي زَمَانِهِمْ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، مَا كَانَ سَبيلُهُ عِنْدَهُمْ إِلَّا القَتْلَ، كَمَا هَمَّ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ بِصُبَيْغٍ أَنْ يَقْتُلَهُ، إِذْ تَعَمَّقَ فِي السُّؤَالِ عَنِ القُرْآنِ، فِيمَا كَانَ أَيْسَرَ مِنْ كَلَامِكُمْ هَذَا.
فَلَمَّا لَمْ يَجْتَرِئْ كَافِرٌ أَوْ مُتَعَوِّذٌ بِالإِسْلَامِ أَنْ يُظْهِرَ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَمَا أَشْبَهَهُ فِي عَصْرِهِمْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَكَلَّفُوا لِنَقْضِ كُفْرٍ لَمْ يَحْدُثْ بَين أَظْهُرِهِم فَيكون سَبَبًا لِإِظْهَارِهِ، إِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ كَلِمَة كُفْرٍ تَكَلَّمَ بِهَا بَدْءًا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، مِنْهُمُ الوَحِيدُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيُّ، فَقَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾
وَمِنْهُمُ النَّضْرُ بْنُ الحَارِثِ، فَقَالَ: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذا﴾، كَمَا قَالَ جَهْمٌ وَالمَرِيسِيُّ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، لِأَنَّ قَوْلَ البَشَرِ مَخْلُوقٌ لَا شكّ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، كَمَا قَالَ جَهْمٌ وَالمَرِيسِيُّ سَوَاءً لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي اللَّفْظِ وَالمَعْنَىٰ: إِنْ هَذَا إِلَّا مَخْلُوقٌ، فَأنْكر عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ، فَقَالَ لِلْوَحِيدِ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾، لَمَّا قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾
وَقَالَ لِلَّذِي قَالَ: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وَلنْ يَفْعَلُوا.
ثُمَّ لَمْ يَزَلْ هَذَا الكُفْرُ بَعْدَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ دَارِسًا طَامِسًا، لما قَدْ طَمَسَهُ اللَّهُ بِتَنْزِيلِهِ، حَتَّىٰ مَضَىٰ النَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَالتَّابِعُون.
فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ الجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ بِالبَصْرَةِ، وَجَهْمٌ بِخُرَاسَانَ، فَقَتَلَهُمَا اللَّه بِشَرِّ قِتْلَةٍ، وَفَطِنَ النَّاسُ لِكُفْرِهِمَا، حَتَّىٰ كَانَ سَبِيلُ مَنْ أَظْهَرَ ذَلِكَ فِي الإِسْلَامِ القَتْلَ صَبْرًا، حَتَّىٰ كَانُوا يُسَمُّونَهُمْ بِذَلِكَ الزَّنَادِقَة.
ثُمَّ لَمْ يَزَلْ طَامِسًا دَارِسًا حَتَّىٰ دَرَجَ العُلَمَاءُ، وَقَلَّتِ الفُقَهَاءُ، وَنَشَأَ نَشْءٌ مِنْ أَبْنَاءِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَىٰ، مِثْلُ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ المَرِيسِيِّ وَنُظَرَائِهِ، فَخَاضُوا فِي شَيْءٍ مِنْهُ، وَأَظْهَرُوا طَرَفًا مِنْهُ، وَجَانَبَهُمْ أَهْلُ الدِّينِ وَالوَرَعِ وَشَهِدُوا عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، حَتَّىٰ هَمَّ بِهِمْ وَبِعُقُوبَتِهِمْ قَاضِي القُضَاة يَوْمَئِذٍ أَبُو يُوسُفَ، حَتَّىٰ فَرَّ مِنْهُ المَرِيسِيُّ إِمَامُكَ، وَلَحِقَ بِالبَصْرَةِ بِزَعْمِكَ وبِرِوَايَتِك عَنهُ.
فَلم يَزَالُوا أَذِلَّةً مَقْمُوعِينَ، لَا يُقْبَلُ لَهُمْ قَوْلٌ، وَلَا يُلْتَفَتُ لَهُمْ إِلَىٰ رَأْيٍ، حَتَّىٰ رَكَنُوا إِلَىٰ بَعْضِ السَّلَاطِينِ الَّذِينَ لَمْ يُجَالِسُوا العُلَمَاءَ، وَلَمْ يُزَاحِمُوا الفُقَهَاءَ، فَاخْتَدَعُوهُمْ بِهَذِهِ المِحْنَةِ المَلْعُونَةِ حَتَّىٰ أَكْرَهُوا النَّاسَ عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ وَالسِّيَاطِ.
فَلَمْ تَزَلِ الجَهْمِيَّةُ سَنَوَاتٍ يَرْكَبُونَ فِيهَا أَهْلَ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ بِقُوَّةِ ابْنِ أَبِي دُؤَادٍ المُحَادِّ للَّه وَلِرَسُولِهِ، حَتَّىٰ اسْتُخْلِفَ المُتَوَكِّلُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَطَمَسَ اللَّهُ بِهِ آثَارَهُمْ، وَقَمَعَ بِهِ أنْصَارَهُمْ، حَتَّىٰ اسْتَقَامَ أَكْثَرُ النَّاسِ عَلَىٰ السُّنَّةِ الأُولَىٰ، وَالمِنْهَاجِ الأَوَّلِ.
وَاحْتَالَ رِجَالٌ مِمَّنْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاعْتِقَادِ التَّجَهُّمِ حِيلَةً لِتَرْوِيجِ ضَلَالَتِهِمْ فِي النَّاسِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الإِفْصَاحُ بِهِ مَخَافَةَ القَتْلِ وَالفَضِيحَةِ وَالعُقُوبَةِ مِنَ الخَلِيفَةِ المُنكِرُ لذَلِك، فاسْتَتَرُوا بِالوَقْفِ مِنْ مَحْضِ التَّجَهُّمِ، إِذْ لم يكن يَجُوزُ مِنْ إِظْهَارِهِ مَعَ المُتَوَكِّلِ ما كان يَجُوزُ لَهُمْ مَعَ مَنْ قَبْلَهُ.
فَانْتَدَبُوا طَاعِنِينَ عَلَىٰ مَنْ أَنْكَرَ التجهم ودَانَ بِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَانْتَدَبَ هَؤُلَاءِ الوَاقِفَةُ مُنَافِحِينَ عَنِ الجَهْمِيَّةِ، مُحْتَجِّينَ لِمَذَاهِبِهِمْ بِالتَّمْوِيهِ وَالتَّدْلِيسِ، مُنْتَفِينَ فِي الظَّاهِرِ مِنْ بَعْضِ كَلَامِ الجَهْمِيَّةِ، مُتَابِعِينَ لَهُمْ فِي كَثِيرٍ في البَاطِنِ، مُمَوِّهِينَ عَلَىٰ الضُّعَفَاءِ وَالسُّفَهَاءِ بِمَا حَكَيْتَ عَنْهُمْ أَيهَا المُعَارِضُ: أَنَّ أَبَا أُسَامَةَ، وَأَبَا مُعَاوِيَةَ، وَبَعْضَ نُظَرَائِهِمْ كَرِهُوا الخَوْضَ فِي المَخْلُوقِ وَغَيْرِ المَخْلُوقِ.
فَقُلْنَا لَكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ: إِنَّمَا كَرِهَ مَنْ كَرِهَ الخَوْضَ مِنْ هَؤُلَاءِ المَشَايِخِ إِنْ صَحَّتْ عَنْهُم رِوَايَتُكَ، لمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَخُوضُ فِيهِ إِلَّا شِرْذِمَةٌ أَذِلَّةٌ سِرًّا بِمُنَاجَاةٍ بَيْنَهُمْ، وَإِذَا العَامَّةُ مُتَمَسِّكُونَ مِنْهُمْ بالسُّنَن الأُولَىٰ، والأَمْرِ الأَوَّلِ.
فَكَرِهَ القَوْمُ الخَوْضَ فِيهِ، إِذْ لم يَكُنْ يُخَاضُ فِيهَا عَلَانِيَةً، وَقَدْ أَصَابُوا فِي تَرْكِ الخَوْضِ فِيهِ، إِذْ لَمْ يُعْلَنْ.
فَلَمَّا أَعْلَنُوهُ بِقُوَّةِ السُّلْطَانِ، وَدَعَوُا العَامَّةَ إِلَيْهِ بِالسُّيُوفِ وَالسِّيَاطِ، وَادَّعَوْا أَن كَلَامَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ، أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مَنْ غَبَرَ مِنَ العُلَمَاءِ وَبَقِيَ مِنَ الفُقَهَاءِ، فَكَذَّبُوهُمْ وَكَفَّرُوهُمْ وَحَذَّرُوا النَّاسَ أَمْرَهُمْ، وَفَسَّرُوا مُرَادَهُمْ مِنْ ذَلِكَ.
فَكَانَ هَذَا مِنَ الجَهْمِيَّةِ خَوْضًا فِيمَا نُهُوا عَنهُ، وَمن أَصْحَابنَا إِنْكَارًا لِلْكُفْرِ البَيِّن، وَمُنَافَحَةً عَنِ اللَّهِ - عز وجل - كَيْلَا يُسَبَّ وَتُعَطَّلَ صِفَاتُهُ، وَذَبًّا عَنْ ضُعَفَاءِ النَّاس كَيْلَا يَضِلُّوا بِمِحْنَتِهِمْ هَذِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفُوا ضِدَّهَا مِنَ الحُجَجِ الَّتِي تَنْقُضُ دَعْوَاهُمْ وَتُبْطِلُ حُجَجَهُمْ.
(١٢٩) فَقَدْ كَتَبَ إِلَيَّ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عِيسَىٰ بْنَ يُونُسَ يَقُول: لَا تُجَالِسُوا الجَهْمِيَّةَ، وَبَيِّنُوا لِلنَّاسِ أَمْرَهُمْ، كَيْ يَعْرِفُوهُمْ فَيَحْذَرُوهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ المُبَارَكِ: لَأَنْ أَحْكِيَ كَلَامَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَىٰ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْكِيَ كَلَامَ الجَهْمِيَّةِ.
فَحِينَ خَاضَتِ الجَهْمِيَّةُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ وَأَظْهَرُوهُ وَادَّعَوْا أَنَّ كَلَامَ اللَّه مَخْلُوقٌ، وأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ المُبَارَكِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوق، فَإِنَّ مَنْ قَالَ: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا}، مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ.
(١٣٠) حَدَّثَنِيهِ يَحْيَىٰ الحِمَّانِيُّ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ.
فَكَرِهَ ابْنُ المُبَارَكِ حِكَايَةَ كَلَامِهِمْ قَبْلَ أَنْ يُعْلِنُوهُ. فَلَمَّا أَعْلَنُوهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ وَعَابَهُمْ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: كُنَّا نَرَى السُّكُوتَ عَنْ هَذَا قَبْلَ أَن يَخُوضَ فِيهِ هَؤُلَاءِ، فَلَمَّا أَظْهَرُوُه لم نَجِدْ بُدًّا مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ وَالرَّدِّ عَلَيْهِم.
ولَمْ يَقُلْ أَبُو أُسَامَةَ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ: أَنَّهُ مَتَىٰ مَا أَظْهَرَتِ الجَهْمِيَّةُ مِحْنَتَهُمْ وَأَذَاعُوا كُفْرَهُمْ وَدَعَوُا النَّاسَ إِلَيْهَا، فَأَمْسِكُوا عَنِ الإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ حَتَّىٰ يَسْتَمِرَّ فِي النَّاسِ كُفْرُهُمْ، وَتَدْرُسَ سُنَنُ رَسُولِ اللَّه وأَصْحَابِهِ، وَلَكِنْ قَالُوا أَمْسِكُوا عَنِ الخَوْضِ فِيهِ مَا لَمْ يُنَصِّبِ القَوْمُ الكُفْرَ إِمَامًا، فَإِذَا نَصَّبُوهُ إِمَامًا، فَمَنْ يَعْقِلُ تَدْلِيسَهُمْ وَتَمْوِيهَهُمْ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَىٰ أَهْلِ الإِسْلَامِ بِبَعْضِ مَنْ نَاقَضَهُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُفْرَهُمْ وَضَلَالَهُمْ.
فَالمُبْتَدِعُ الضَّالُّ مِنَ الحِزْبَيْنِ مَنْ نَصَّبَ رَأْيَ جَهْمٍ إِمَامًا، وأَذَاعَهُ فِي النَّاسِ بَدْءًا، وَالمُتَّبِعُ مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ وَنَاقَضَهُ.
فَمَنْ أَجْرَىٰ النَّاقِضَ لِلْبِدْعَةِ وَالرّاَدَّ لِلْكُفْرِ مَجْرَىٰ مَنْ شَرَعَهَا، فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللَّهُ، وَفَرَّقَ بَيْنَ مَا جَمَعَ اللَّهُ. وَلَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يُسْمَعَ مِنْهُ وَيُقْبَلَ. “
هذا كلامه ذكرته بتمامه لحسن ما فيه من التفصيل وجماله.
وقد كان بعض من سلم من التعطيل يمتحن الجهمي بمثل تلك الألفاظ، يراه أمثبت هو معنىٰ النص معتقد اعتقاده أم لا؟
فإن قال بها فذاك، وإلا فهو ينافق في التعطيل، وحُق للمعطلة ذلك، إذ كانت مذاهبهم في اللَّه شنيعة في العقول والفطر مستنكرة، والإفصاح بها فضيحة عند العام قبل الخاص.
ذكر الذهبي رحمه اللَّه في العلو شيئًا من ذلك، فقال:
” قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسن بن يزيد السلمي، سمعت أبي يقول: سمعت هشام بن عبيد اللَّه الرازي وحبس رجلًا في التجهم، فجيء به إليه ليمتحنه، فقال له: أتشهد أن اللَّه علىٰ عرشه بائن من خلقه، فقال: لا أدري ما بائن من خلقه، فقال: ردوه، فإنه لم يتب بعد. “
فإن قيل بعد هذا: أليس لازمٌ علينا أن نتوقف علىٰ النص؟
قيل: فأما العقائد والتقسيم الاعتقادي الذي يُعتقد فلازمٌ علينا التوقف في ذلك علىٰ النص، فأما الإعلام والإخبار والتقسيم الاصطلاحي الذي لا يُعتقد، فغير لازمٍ فيه ذلك.
فإن قلنا بتقسيم اصطلاحي لبعض الفقهاء، جعلوه تسهيلًا للعلم، فهذا ليس شيئًا يُعتقد علىٰ الوجوب، كسائر الاعتقادات، بل هو شيء يُنتقد، فإن التقسيم الاصطلاحي ربما دخله ما دخله من الغلط، وربما كان أو بعضه علىٰ أصل فيه خلاف.
وإن قلنا: الإيمان قول وعمل، والتوحيد بالعبودية والربوبية، فهذا تقسيم يُعتقد، لأنه تقسيم النص واعتقاده، فإن اللَّه يقول: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾
فقسم التوحيد والإيمان به.
وفسر في غير موضع إيمانهم، فقال مرة: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾
فإيمانهم اعتقادهم ربوبيته وسيادته علىٰ خلقه بخلقهم ورزقهم وغير ذلك.
وفسر في غير موضع شركهم، فقال مرة: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾
فشركهم بعد إفرادهم الدعاء الذي يُدعا بمثله هو، لتفريج الكروب، وتسبيب الأسباب: دعاءُ غيره معه بمثل ما يُدعا به في تسبيب الأسباب.
فبين إذًا ما إيمانهم وما شركهم، وأن الإيمان به بهذا وذاك، وكذلك الشرك به بهذا وذاك.
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: « الإيمانُ بِضْعٌ وسَبْعونَ أو بِضْعٌ وسِتُّونَ شُعبةً: فأفضلُها قولُ لا إِلهَ إلَّا اللَّهُ، وأدْناها إماطةُ الأذَىٰ عَنِ الطَّريقِ، والحياءُ شُعْبةٌ مِنَ الإيمانِ. »
فقسم الإيمان لقول وعمل، فهناك إيمان بالقول وأخر بالعمل عمل القلب واليد والرجل، وأجمع سلف الأمة علىٰ اعتقاد أن الإيمان قول وعمل واعتقاد.
ورأس الإيمان هو التوحيد، فقد قسم إذًا السلف التوحيد والإيمان باللَّه لعمل جوارح وعقد قلب.
فذاك القول إذًا بتقسيم التوحيد والإيمان، إنما هو تقسيم النص الذي يعتقد، وإجماع من سلف الأمة، لا أنه بدعة، وكيف يكون بدعة وهو من النص ومجمع عليه؟
وهذا معقول إن شاء اللَّه غير أنه يُبيَّن دفعًا لتلبيس المعطلة والقبورية من بعدهم، إذ يقولون: تقسيم التوحيد بدعة!
وقد وقعوا فيما أنكروه، وأبدلوا ما قالوه، إذ قالوا بتقسيم التوحيد بمبتدع التقسيم الذي ليس في النص، بل ما فيه نقيضه، فجعلوه تعطيل اللَّه عن صفاته وفعله الذي سموه حلول الحدوث.
ثم جعلوه إفراده بالربوبيته بعقد القلب دون إفراده بالألوهية بالفعل والدعاء، فجعلوا الاثنين شيئًا واحدًا، وجعلوا هذا لا يكون إلا بذلك، والعبادة لا تكون إلا باعتقاد الربوبية، فصيروها اعتقادًا دون فعل، واعتقادًا بالربوبية.
فخالفوا في ذلك الكفار والمسلمين وكل العالمين، إذ عقلوا أن العبادة في أصلها فعل لا اعتقاد، وأن السجود والدعاء عبادة، مجرد ذلك عبادة، ولو دون اعتقاد بمن يُفعَل له ذلك.
قالوا لنا: ما خاض في تقسيم التوحيد العلماء، ثم خاضوا بأقبح الخوض في تقسيمه، وأبطلوا تقسيمه الذي من اللَّه ورسوله، وأتوا بمحال خلاف المعقول في فطر العقول ما قال به أحد من العالمين ولا جاهل من المشركين أن العبادة هي اعتقاد القلب ربوبية المدعو.
ولئن كانوا صادقين في أن ذلك بدعة، ليقولوا عن السلف فيما قالوا من تلك الألفاظ أنهم مبتدعة إن كانوا أهلًا لها، وليسوا بأهل.
وإذا كان ذلك كذلك، فليس في ذكر تقسيم النص واعتقاده الذي هو تحقيقه تجاوز له، كما ظن بعضهم أن تلك الألفاظ المأثورة المقبولة أو بعضها تثبيت لما لم يرد به نص.
فغَلِطوا بذلك غلطًا ظاهر القبح، إذ كيف يُظن بالسلف شيء كذاك؟
فقال بعضهم في التحرك والحركة: صفة لم ترد، فلا نقول بها.
وإنما هي تحقيق نصوص الحياة والأفعال، ومعنىٰ الفعل للَّه، الذي يسمونه بالصفة الاختيارية.
فإن الحياة والفعل هو الحركة عند العرب، بل الأمر كذلك عند كل الناس في فطرة عقولهم.
قال اللَّه تعالىٰ: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾
فأسماهم أمواتًا، إذ كانوا لا يتحركون ولا يفعلون، يعني أنه حي بخلافهم، لأنه متحرك فاعل، فعال لما يريد كما قال.
وقال: ﴿الحي القيوم﴾
وقال اللَّه: ﴿وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا﴾، وفي بعض القراءة: ﴿كَيْفَ نُنشِرهَا﴾
والإنشاز: التحريك والرفع للعظام من أمكانها في الأرض حتىٰ تعود لأماكنها في الجسم، والإنشار: الإحياء، ولا فرق بين الاثنين، فالإحياء للعظام هو تحريكها وإرجاعها للجسم.
وقال ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن وهو يبين أن لا اختلاف تضاد في القراءات، وإنما هو اختلاف تنوع.
- فقال: « وكذلك: ﴿نُنشِرهَا﴾، و: ﴿نُنشِزُهَا﴾، لأن الإنشار: الإحياء، والإنشاز هو: التحريك للنقل، والحياة حركة، فلا فرق بينهما. »
وعليه، فكذلك قولنا: يتحرك أو متحرك، يعني أنه حي فاعل، ولا فرق بين قولنا ذلك وبين القول بأنه متحرك أو يتحرك.
وداعي النص علىٰ التحرك هو تحقيق نصوص الحياة والفعل، إذ ظهر من يثبت للَّه الحياة وينفي فعله، فيعود لإبطالها ونفي حقيقتها، كما يقول ابن كلاب ومن تبعه، وهو رجل قد عاصر الإمام أحمد.
وإذ ظهر من أهل الاعتزال من يظهر وفاق نص الفعل للَّه، فيقول به، ويقول: إنه يتكلم، والقرآن كلامه، ويجيء، ثم هو مع ذلك يتأول ذلك بمحال وضلال، ويقول: يجيء أمره، كما قال واسأل القرية، أي أهلها، فيشبه اللَّه الحي القيوم الفعال لما يريد بالقرية المعقول في فطرة العقل عند كل تالٍ للآية أنها لا تتكلم، وليس ذلك مع اللَّه كذلك.
وربما توقف في مجيءه بخبث، فما حققه.
فإذا قلنا: حي متحرك، ويتكلم ويجيء ويتحرك، أبلغنا الإثبات، وقطعنا عن الجهمية باب التلبيس والتمويه بوفاق المنصوص من الصفات، الذي أرادوا به إدخال الكفر علىٰ العامة ممن لا يفهم أمرهم ولا يعقل مرادهم.
قال أبو سعيد الدارمي في النقض:
” فَإِنَّ أَمَارَةَ مَا بَيْنَ الحَيِّ وَالمَيِّتِ التَّحَرُّكُ، وَمَا لَا يَتَحَرَّكُ فَهُوَ مَيِّتٌ، لَا يُوصَفُ بِحَيَاةٍ، كَمَا وَصَفَ اللَّه تَعَالَىٰ الأَصْنَامَ المَيِّتَةَ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾
فَاللَّهُ الحَيُّ القَيُّومُ القَابِضُ البَاسِطُ، يَتَحَرَّكُ إِذَا شَاءَ وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، بِخِلَافِ الأَصْنَامِ المَيِّتَةِ الَّتِي لَا تَزُولُ حَتَّىٰ تُزَالَ. “
وقال مرة:
” لِأَنَّ الحَيَّ القَيُّومَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَتَحَرَّكُ إِذَا شَاءَ، ويَهْبِطُ ويَرْتَفِعُ إِذا شَاءَ، ويَقْبِضُ وَيَبْسُطُ، وَيَقُومُ وَيَجْلِسُ إِذَا شَاءَ، لِأَنَّ أَمَارَةُ مَا بَيْنَ الحَيِّ وَالمَيِّتِ التَّحَرُّكَ.
كلُّ حَيٍّ مُتَحَرِّكٌ لَا مَحَالَةَ، وَكُلُّ مَيِّتٍ غَيْرُ مُتَحَرِّكٍ لَا مَحَالَةَ. “
وما ذكره هاهنا مشابه لما ذكره البخاري عن الإمام نعيم بن حماد.
قال البخاري في خلق أفعال العباد:
”وَلَقَدْ بَيَّنَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ أَنَّ كَلَامَ الرَّبِّ لَيْسَ بِخَلْقٍ، وَأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَعْرِفُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ إِلَّا بِالْفِعْلِ، فَمَنْ كَانَ لَهُ فِعْلٌ فَهُوَ حَيٌّ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلٌ فَهُوَ مَيِّتٌ، وَأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ.
فَضُيَّقَ عَلَيْهِ حَتَّىٰ مَضَىٰ لِسَبِيلِهِ، وَتَوَجَّعَ أَهْلُ الْعِلْمِ لِمَا نَزَلَ بِهِ، وَفِي اتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ دَلِيلٌ عَلَىٰ أَنَّ نُعَيْمًا وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُ لَيْسَ بِمُفَارِقٍ وَلَا مُبْتَدِعٍ، بَلِ الْبِدَعُ وَالرَّئِيسُ بِالْجَهْلِ بِغَيْرِهِمْ أَوْلَىٰ، إِذْ يُفْتُونَ بِالْآرَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ، مِمَّا لَمْ يأَذَنْ بِهِ اللَّهُ. “
فقوله: لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل، كقول الدارمي: أمارة ما بين الميت والحي التحرك.
وقوله: فمن كان له فعل فهو حي، ومن لم يكن له فعل فهو ميت، كقول الدارمي: كل حي متحرك لا محالة، وكل ميت غير متحرك لا محالة.
فإنما قصد الإمام أبو سعيد الدارمي بالتحرك الفعل، وقوله نظير قول نعيم، وهو مُفسَّرٌ به، كأنه أخذه عنه، فهو شيخه، واللَّه أعلم بذلك.
وكذلك لفظ الحد ليس بجديد من الصفات كما توهم المتوهم ذلك.
وإنما هو تحقيق النفس بحجاب والصفات للَّه.
وإنما معناه: ما يميز الشيء عن غيره من غايته ومنتهاه وصفته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية:
” قلت: أهل الإثبات المنازعون للخطابي وذويه يجيبون عن هذا بوجوه.
أحدهما أن هذا الكلام الذي ذكره إنما يتوجه لو قالوا: إن له صفة هي الحد، كما توهمه هذا الراد عليهم، وهذا لم يقله أحد ولا يقوله عاقل، فإن هذا الكلام لا حقيقة له، إذ ليس في الصفات التي يوصف بها شيء من الموصوفات كما يوصف باليد والعلم صفة معينة يقال لها: الحد.
وإنما الحد ما يتميز به الشيء عن غيره من صفته وقدره، كما هو المعروف من لفظ الحد في الموجودات، فيقال حد الإنسان وحد كذا، وهي الصفات المميزة له، ويقال حد الدار والبستان وهي جهاته وجوانبه المميزة له، ولفظ الحد في هذا أشهر في اللغة والعرف العام ونحو ذلك. “
أقول: جئت مما ذكره الشيخ بموضع الشاهد من تعريف الحد.
وعليه فإن قلنا: اللَّه له حد أي له لنفسه غاية ونهاية تميزها عن أنفس المخلوقات، فله حجاب عنهم كما في الحديث، فله نفس علىٰ الحقيقة، لا أنه حال في كل شيء غير متميز بنفس، كما يقول الجهمية الحلولية.
ومعنىٰ ذلك أيضًا أن له صفات تميزه عن غيره من خلقه والمعبود من دونه، تثبت بها ربوبيته وألوهيته علىٰ خلقه.
فالحد إنما هو علىٰ هذا معنىٰ ما في الحديث والقرآن واعتقادهما.
وقال أبو سعيد الدارمي في نقضه:
” وَادَّعَىٰ المُعَارِضُ أَيْضًا أَنَّهُ لَيْسَ للَّه حَدٌّ وَلَا غَايَةٌ وَلَا نِهَايَةٌ.
وَهَذَا هُوَ الأَصْلُ الَّذِي بَنَىٰ عَلَيْهِ جَهْمٌ جَمِيعَ ضَلَالَاتِهِ، وَاشْتَقَّ مِنْهَا أُغْلُوطَاتِهِ، وَهِيَ كَلِمَةٌ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ سَبَقَ جَهْمًا إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنَ العَالَمِينَ.
فَقَال لَهُ قَائِلٌ مِمَّنْ يُحَاوِرُهُ: قَدْ عَلِمْتُ مُرَادَكَ بِهَا أَيُّهَا الأعجمي، وتعني أَن اللَّه لَا شَيْءٌ، لأنَّ الخَلْقَ كُلَّهُم عَلِمُوا أَنَّه لَيْسَ شَيءٌ، يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ إِلَّا وَلَهُ حَدٌّ وَغَايَةٌ وَصِفَةٌ، وَأَنَّ لَا شَيْءٌ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ وَلَا غَايَةٌ وَلَا صِفَةٌ.
فَالشَّيْءُ أَبَدًا مَوْصُوفٌ لَا مَحَالَةَ، وَلَا شَيْءٌ يُوصَفُ بِلَا حَدٍّ وَلَا غَايَةٍ، وَقَوْلُكَ: لَا حَدَّ لَهُ يَعْنِي: أَنَّهُ لَا شَيْءٌ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَاللَّه تَعَالَىٰ لَهُ حَدٌّ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ غَيْرُه، وَلَا يجوزُ لأَحَدٍ أَن يتَوَهَّم لحدِّه غايةً فِي نَفْسِهِ، وَلَكِنْ يُؤْمِنُ بِالحَدِّ، ويَكِلُ عِلْمَ ذَلِكَ إِلَىٰ اللَّهِ، ولِمَكَانِهِ أَيْضًا حَدٌّ، وَهُوَ عَلَىٰ عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، فَهَذَانِ حَدَّانِ اثْنَانِ.
وَسُئِلَ ابْنُ المُبَارَكِ: بِمَ نَعْرِفُ رَبَّنَا؟، قَالَ: بِأَنَّهُ عَلَىٰ العَرْشِ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، قِيلَ: بِحَدٍّ؟، قَالَ: بِحَدّ.
(٢٨) حدّثنَاهُ الحَسَنُ بْنُ الصَّباح البَزَّارُ، عَنْ عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ.
فَمَنِ ادَّعَىٰ أَنَّهُ لَيْسَ للَّهِ حَدٌّ فَقَدْ رَدَّ القُرْآنَ، وَادَّعَىٰ أَنَّهُ لَا شَيْء لِأَنَّ اللَّه حَدَّ مَكَانَهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ، فَقَالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَىٰ الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، و: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، فَهَذَا كُلُّهُ وَمَا أَشْبَهَهُ شَوَاهِدُ وَدَلَائِلُ علىٰ الحَدِّ.
وَمَنْ لَا يَعْتَرِفُ بِهِ فَقَدْ كَفَرَ بِتَنْزِيلِ اللَّه، وَجَحَدَ آيَاتِ اللَّه.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم: إِنَّ الله فَوْقَ عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، وَقَالَ لِلْأَمَةِ السَّوْدَاءِ: أَيْنَ اللَّه؟، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ فَقَالَ: أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ.
فَقَوْلُ رَسُولِ اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم: إنها مُؤْمِنَةٌ، دَلِيلٌ عَلَىٰ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تُؤْمِنْ بِأَنَّ اللَّه فِي السَّمَاءِ، لم تَكُنْ مُؤمِنَة، وَأَنَّهُ لا يَجُوزُ فِي الرَّقَبَة إِلَّا مَنْ يُحِدُّ اللَّهَ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وَقَدِ اتَّفَقَتِ الكَلِمَةُ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالكَافِرِينَ أَنَّ اللَّه فِي السَّمَاءِ، وَحَدُّوهُ بِذَلِكَ إِلَّا المَرِيسِيَّ الضَّالَّ وَأَصْحَابَهُ حَتَّىٰ الصِّبْيَانُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ قَدْ عَرَفُوهُ بِذَلِكَ، إِذَا حَزَبَ الصَّبِيَّ شَيْءٌ يرفع يَدَيْهِ إِلَىٰ رَبِّهِ يَدْعُوهُ فِي السَّمَاءِ دُونَ مَا سِوَاهَا، فَكُلُّ أَحَدٍ بِاللَّه وَبِمَكَانِهِ أَعْلَمُ مِنَ الجَهْمِيَّةِ. “
الإسناد المأثور صحيح لابن المبارك رحمه اللَّه.
وقد نقل حرب الكرماني في مصنف السنة له عن إسحاق بن راهويه خاصة تثبيت الحد، وعن العلماء عامة ذلك.
وقد قرن الدارمي الغاية والنهاية بالحد فذلك كله بمعنىً واحد.
وبيَّنَ أن الشيء الذي لا حد له ليس بشيء، وهذا لا يشتبه ولا يذهب، إذ الشيء إنما كان شيئًا لأن له حدًّا غايةً يتميز بها عن غيره من الأشياء.
فإذًا نقول: للَّه سبحانه حد وغاية، فله حجاب عن خلقه، ولا يعلم حده ولا حجابه غيره.
أي لا يعلم ذلك علىٰ الإحاطة والحقيقة، فالكيفية فيه مجهولة، يُوكل علمها للَّه، ولا يجوز أن يُتوهم له حد وحجاب في النفس، فيشبه ذلك بما في المخلوقات، بل هو أعلم بذلك، وهو العالم بحقيقة ذلك وحده.
وكذلك له حد، فله صفات مُمِيِّزة له عن خلقه، ولا يعلمها علىٰ الإحاطة والحقيقة غيره، كما أن الجنة والنار لا يعلم ما فيهما علىٰ الإحاطة والحقيقة، ولكن يوكل علم ذلك له، ولا يتوهم لصفته صفة في النفس، فتشبه بصفة خلقه.
وهذا الأخير هو مراد الإمام أحمد من نفي الحد، أراد الحد الذي كحد المخلوق، أن لا يحد به، ويشبه بخلقه، مع أن له الصفات كما قال الإمام.
قال أبو العباس ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية:
” قال الخلال: وأخبرني علي بن عيسىٰ أن حنبلًا حدثهم، قال: سألت أبا عبد اللَّه عن الأحاديث التي تُروىٰ أن اللَّه تعالىٰ ينزل إلىٰ سماء الدنيا، وأن اللَّه تعالىٰ يُرىٰ، وأن اللَّه تعالىٰ يضع قدمه وما أشبه هذه الأحاديث.
فقال أبو عبد اللَّه: نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنىٰ ولا نرد منها شيئًا، ونعلم أن ما جاءت به الرسل حق، ونعلم أن ما ثبت عن الرسول صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم حق إذا كانت بأسانيد صحيحة، ولا نرد علىٰ قوله، ولا نصف اللَّه تبارك وتعالىٰ بأعظم مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية.
وقال حنبل في موضع آخر: ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف به نفسه، قد أجمل تبارك وتعالى بالصفة لنفسه، فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء، فيُعبَد اللَّه تعالىٰ بصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف نفسه، قال تعالىٰ: (وهو السميع البصير)
وقال حنبل في موضع آخر: قال: فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه وله، ولا نتعدىٰ القرآن والحديث، فنقول كما قال ونصفه كما وصف نفسه تعالىٰ ولا نتعدى ذلك، ولا تبلغه صفة الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفاته من لشناعة شنعت.
وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوة بعبده يوم القيامة ووضع كنفه عليه، هذا كله يدل علىٰ أن اللَّه تعالىٰ يُرَىٰ في الآخرة.
والتحديد في هذا بدعة والتسليم للَّه بأمره بغير صفة ولا حد إلا ما وصف به نفسه، سميع بصير، لم يزل متكلمًا حيًّا عالمًا غفورًا عالم الغيب والشهادة علام الغيوب، فهذه صفاته وصف بها نفسه لا تدفع ولا ترد، وهو على العرش بلا حد كما قال: (ثم استوى علىٰ العرش)، كيف شاء، المشيئة إليه عز وجل، والاستطاعة له، (ليس كمثله شيء)
هو خالق كل شيء وهو كما وصف نفسه سميع بصير بلا حد ولا تقدير، قال إبراهيم لأبيه: (لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا)، فثبت أن اللَّه سميع بصير صفاته منه، لا نتعدىٰ القرآن والحديث.
والخبر: يضحك اللَّه، ولا يعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ، وبتثبيت القرآن، لا يصفه الواصفون ولا يحده أحد، تعالىٰ الله عما يقول الجهمية والمشبهة.
وقال لي أبو عبد اللَّه: قال لي إسحاق بن إبراهيم لما قرأ الكتاب بالمحنة: تقول ليس كمثله شيء؟، فقلت: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
قال: ما أردت بهذا، قلت: القرآن صفة من صفات اللَّه تعالىٰ وصف بها نفسه لا ننكر ذلك ولا نرده.
قلت له والمشبهة ما يقولون، قال: من قال بصر كبصري ويد كيدي.
وقال حنبل في موضع آخر: وقدم كقدمي، فقد شبه اللَّه تعالىٰ بخلقه، وهذا يحده، وهذا كلام سوء، وهذا محدود، والكلام في هذا لا أحبه.
قال عبد اللَّه -يعني ابن مسعود-: جردوا القرآن، وقال النبي ﷺ: يضع قدمه، نؤمن به ولا نحده ولا نرده علىٰ رسول اللَّه ﷺ، بل نؤمن به، قال اللَّه تعالىٰ: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، وقد أمرنا اللَّه عز وجل بالأخذ بما جاء به، والنهي عما نهىٰ.
وأسماؤه وصفاته منه غير مخلوقة، ونعوذ باللَّه من الزلل والارتياب والشك، إنه على كل شيء قدير.
وقال الخلال: وزادني أبو القاسم الجبلي عن حنبل في هذا الكلام: وقال تبارك وتعالىٰ: (اللَّه لا إله إلا هو الحي القيوم)، (لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر)، هذه صفات اللَّه عز وجل وأسماؤه تبارك وتعالىٰ.
فهذا الكلام من الإمام أبي عبد اللَّه أحمد رحمه اللَّه يبين أنه نفىٰ أن العباد يحدون اللَّه تعالىٰ أو صفاته بحد أو يقدرون ذلك بقدر أو أن يبلغوا إلىٰ أن يصفوا ذلك، وذلك لا ينافي ما تقدم من إثبات أنه في نفسه له حد يعلمه هو لا يعلمه غيره، أو أنه هو يصف نفسه، وهكذا كلام سائر أئمة السلف يثبتون الحقائق وينفون علم العباد بكنهها. “
ذكرت كلام الإمام أحمد بطوله لحسنه وجماله لما فيه من النقض والبيان علىٰ القوم المستدلين ببعض ما فيه المقتطعين له عن بقية كلام الإمام تلبيسًا وتمويهًا عن زيغ في قلوبهم لينسبوه إلىٰ غبي من المذاهب من التفويض كذبًا عليه.
فإن في قوله: (نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنىٰ)، بيانًا معه مستبين أنه للصفات مثبت ولمعانيها محقق، إذ لا يُصدَّق عن اختيار بشيء التصديق به حاصل لا يُختار، فلا يصدق بحروف لا يُتكلَّف الإيمان بها، ولا يقال: نؤمن بها، لأن ذلك حاصل لمن عرفها أصلًا.
وإنما التصديق في معناها وأنها منسوبة للشريعة والوحي، إذ كان هذا التصديق الذي يكون عن اختيار، الذي به يبتلىٰ الناس، حتىٰ ينقسموا من بعد لكافر ومسلم ومبتدع ومتبع.
فهذا، وكل الكفار سيرون الغيب عيانًا، فيؤمنون اضطرارًا، وما هم بمؤمنين إيمانًا يُوقع به الثواب ويُدفع عن صاحبه العقاب، فإنما الإيمان المُكلف به، المُبتلىٰ به، ما كان عن اختيار لا اضطرار.
ألا ترىٰ إلىٰ قوله: ﴿يَوۡمَ يَأۡتِي بَعۡضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفۡسًا إِيمَانُهَا لَمۡ تَكُنۡ ءَامَنَتۡ مِن قَبۡلُ أَوۡ كَسَبَتۡ فِيٓ إِيمَانِهَا خَيۡرٗا﴾
فظاهر معلوم إذًا أن قوله لا كيف أي لا يقال ذلك، إذ نطق النص بالصفة، وما أخبر عن كيفية ذلك.
وأن قوله لا معنىٰ أي لا معنىٰ ولا وصف خلاف معنىٰ النص ووصفه، يظنه صاحبه أعظم مما وصف اللَّه به نفسه، وأكبر من وصف النص.
وفي ختام كلامه: (ولا نصف اللَّه تبارك وتعالىٰ بأعظم مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية.)
شاهد علىٰ ما ذكرت، لأنه قال: لا نصفه بأعظم مما وصف به نفسه، يعني في ظنون النفوس، فإذًا نصفه بما وصف بغير وصف، نراه أعظم من وصفه، فإنه أعلم بنفسه، وهو الواصف لها بما هي أهله، سبحانه وتعالىٰ.
وذلك إنما هو فعل أهل التفويض، إذ يصفوه بأعظم مما وصف في ظنونهم وعقولهم، فيردون الجارحة بزعمهم، ويعنون اليد التي تقبض وتبسط، التي ذكر اللَّه، ويقولون: نفوض ما قال، وما قال اللَّه يد حقيقية، فنعرف أنها ليست بيد نعمة أو يد قدرة.
هذا مع أنه لم يقل أنها يد نعمة ولا قدرة أيضًا، فكيف استجازوا لأنفسهم أن ينفوا ما سوىٰ ذلك من اليد التي هي اليد، وترك المعنيان السابقان دون رد؟
فقد قضوا بأن لا يد له إذّا وأفصحوا بعد ورع وتوقف أظهروه، وعُرِفوا في لحن القول وكُشِفوا، كما عُرِف إخوانهم من المنافقين من قبلهم بذلك: ﴿وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِي لَحۡنِ القَوۡلِ﴾
وفي قوله: (ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف به نفسه، قد أجمل تبارك وتعالى بالصفة لنفسه فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء، فيُعبد اللَّه تعالىٰ بصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف نفسه، قال تعالىٰ: (وهو السميع البصير).)
بيان أن اللَّه عند الإمام كما هو عند المسلمين قد حد نفسه، فوصفها بوصف لا شبيه له فيه، فاستحق أن يُعبد بصفاته غير موصوف بها وغير معلومة لخلقه إلا ما أعلمهم منها وصف منها نفسه.
فاستثناء الإمام الأخير يعني أن الصفات المنصوصة في الدين معلومة محدود بها اللَّه وموصوف، وهذا صريح نقيض التفويض.
وذكره في تثبيته العلم بصفاته التي ذكر قوله: (وهو السميع البصير)، الذي جاء بعد قوله: (ليس كمثله شيء)، يعني أنه لا ينقض هذا بذاك، ولا يرد العلم بالمنصوص عليه من صفاته بزعم نفي التشبيه عنه.
وهذا صريح نقيض التأويل محال تأويل المؤولة، لأن أصله الذي يدعيه أصحابه للقول به هو نفي التشبيه علىٰ معنىٰ نفي الصفات التي ذكر بالمعلوم من معانيها.
وقوله: (فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه وله، ولا نتعدىٰ القرآن والحديث، فنقول كما قال ونصفه كما وصف نفسه تعالىٰ، ولا نتعدى ذلك، ولا تبلغه صفة الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفاته من لشناعة شنعت.)
ظاهر أنه إنما ينفي الحد والوصف علىٰ ما استبان من كلامه، فيفي أن يكون له حد كحد المخلوق، فيبلغ الواصفون صفته، ويحيط المحيطون بكمال معناها وحقيقتها في أصلها.
فهذا لا أنه ينفي حد اللَّه ووصفه نفسه، لشناعة شُنِّعت من أن ذلك تشبيه وتمثيل ما سواه أعظم منه وصفًا وأنزه منه قولًا.
ومما يدلك علىٰ أن ذلك كذلك أن قومًا قد كانوا يشنعون علىٰ السلف في الإثبات ما ذكره اللاكائي في شرح أصول الاعتقاد.
- قال اللاكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة: « ذكره عبد الرحمن قال: سمعت أبي يقول: علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة. »
وعبد الرحمن هذا هو ابن أبي حاتم، وأبوه أبو حاتم الرازي رحمة اللَّه عليهما.
ويبدو أن اللاكائي فيما نقل عن ابن أبي حاتم في الاعتقاد وما تعلق به، فإنما ينقل ذلك من كتاب صنفه مفقود، وهو كتاب الرد علىٰ الجهمية لابن أبي حاتم، نقل فيه ابن أبي حاتم، كما يظهر مما ذكر اللاكائي منه، أثارًا بأسانيده، وأمورًا من كتب كانت عنده، ككتاب نعيم بن حماد، وكتاب هشام بن عبيد اللَّه الرازي، وهو الذي تقدم ذكره أنه حبس رجلًا علىٰ التجهم.
وما ذكر أبو عيسىٰ الترمذي في الجامع عن إسحاق بن إبراهيم.
- قال الترمذي: « قال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد أو مثل يد، أو سمع كسمع أو مثل سمع، فإذا قال سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه. »
إسحاق هو ابن راهويه، وقوله مع قول أبي حاتم في غيرهما دليل علىٰ ما ذكرنا.
وقوله: (وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوة بعبده يوم القيامة ووضع كنفه عليه، هذا كله يدل علىٰ أن اللَّه تعالىٰ يُرىٰ في الآخرة.)
في هذا بالغ الإثبات، إذ استدل علىٰ جواز الرؤية، فصحة ما نطق به النص من ذلك في الآخرة بالكلام والنزول والخلوة ووضع الكنف علىٰ العبد.
وإنما يكون مثل هذا الاستدلال بالصفة علىٰ الصفة بعد تثبيتها علىٰ المعلوم من معناها وعلىٰ حقيقتها، إذ من فوض علم الصفات، فليس له أن يستدل استدلالًا كذاك، لأنه لا يعلم ولا يثبت خاصة إن كان ممن يفوض مع نفي الظاهر، وهؤلاء أظهر في الورع الكاذب.
فهذا ولئن ثبَّت مُثبًِتٌ خلوه بعبده ووضعه كنفه عليه ونزوله وكلامه علىٰ معنىٰ ذلك المعروف، فكان ذلك عنده دليلًا علىٰ أنه جائز عليه أن يُرىٰ، إذ كانت له نفس تتكلم وتنزل وتضع كنفها علىِٰ غيرها ويُخلَىٰ بها، فتصح رؤيته في الآخرة كما أخبر.
فذا نظير ما لو قلنا: ما ذكر تعالىٰ ذكره من كلامه ونداءه وحسابه خلقه دون من سواه، دليل علىٰ جواز سماع الكلام منه بصوت وحرف، فتصحيح لما ثبت من سماع صوته، كسماع صوت صلصلة مثل جر السلسلة علىٰ الصفوان، دون أن يكون الصوت كالصوت وإن كان سماع هذا كسماع ذاك.
لو قيل هذا ما كان إلا ظاهر مذهب الإمام رحمة اللَّه عليه.
وقد صح عنه تثبيت الصوت لكلام اللَّه بالنص عليه.
قال أبو بكر النجاد في الرد علىٰ من يقول بخلق القرآن:
” ثنا عبد اللَّه بن أحمد قال: سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلم اللَّه عز وجل موسىٰ لم يتكلم بصوت، قال أبي: تكلم تبارك وتعالىٰ بصوت، وهذه أحاديث نرويها كما جاءت.
وقال أبي: حديث ابن مسعود إذا تكلم اللَّه عز وجل يسمع له صوت كمر سلسلة علىٰ الصفوان.
قال أبي: فهذا الجهمية تنكره، وقال أبي: وهؤلاء كفار يريدون أن يموهوا علىٰ الناس، من زعم أن اللَّه لم يتكلم فهو كافر إلا أنا نروي هذه الأحاديث كما جاءت. “
هذا الأثر في السنة لعبد اللَّه غير أني ذكرته من كتاب أبي بكر النجاد أحمد بن سلمان، إذ كان القوم يطعنون بكتاب السنة ويتعنتون، فذكرته من غيره للفائدة.
وقوله في نفاة الصوت: (من زعم أن اللَّه لم يتكلم فهو كافر إلا أنا نروي هذه الأحاديث كما جاءت.)
فهذا في الكلابية الذين عاصرهم أحمد لا المعتزلة، لأن هؤلاء يجعلون الكلام هو الحروف والأصوات دون المعنىٰ بخلاف الكلابية والأشعرية الذين يصيرونه معنىً بلا حرف ولا صوت.
فالمعتزلة إذ كان ذلك قولهم أثبتوا أن كلامه مع موسىٰ قد كان بصوت، غير أن ذلك لما كان مستحيلًا عندهم علىٰ اللَّه أن يوصف به، قالوا: كلامه معه خلق خلقه في الشجرة.
وهكذا جعلوا معنىٰ ادعاء الربوبية الذي تكلم به اللَّه عن نفسه مع موسىٰ عليه السلام، جعلوه من مخلوق تكلم به عن نفسه، فقالوا بشرك عظيم وظلم جسيم، إذ أغفلوا أن الكلام هو المعنىٰ كما أنه هو الحروف والأصوات.
وقد بين ذلك محمد بن الحسين الآجري في كتاب الشريعة.
- قال الآجري رحمه اللَّه في الشريعة: « فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسَىٰ، فَقَدْ رَدَّ نَصَّ الْقُرْآنِ وَكَفَرَ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ.
فَإِنْ قَالَ مِنْهُمْ قَائِلٌ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَىٰ خَلَقَ كَلَامًا فِي الشَّجَرَةِ، فَكَلَّمَ بِهِ مُوسَىٰ.
قِيلَ لَهُ: هَذَا هُوَ الْكُفْرُ، لَأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ الْكَلَامَ مَخْلُوقٌ، تَعَالَىٰ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ، وَيَزْعُمُ أَنَّ مَخْلُوقًا يَدَّعِي الرُّبُوبَيَّةَ، وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ الْقَوْلِ وَأَسْمَجِهِ.
وَقِيلَ لَهُ: يَا مُلْحِدُ، هَلْ يَجُوزُ لِغَيْرِ اللَّهِ أَنْ يَقُولَ: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ؟، نَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ يَكُونَ قَائِلُ هَذَا مُسْلِمًا، هَذا كَافِرٌ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَرَجَعَ عَنْ مُذْهَبِهِ السُّوءِ وَإِلَّا قَتَلَهُ الْإِمَامُ، فَإِنْ لَمْ يَقْتُلْهُ الْإِمَامُ وَلَمْ يَسْتَتِبْهُ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ هَذَا مَذْهَبُهُ هُجِرَ، وَلَمْ يُكَلَّمْ، وَلَمْ يُسَلَّمْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُصَلَّ خَلْفَهُ، وَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، وَلَمْ يُزَوِّجْهُ الْمُسْلِمُ كَرِيمَتَهُ. »
فهذا كلام حسن في بيان الأمر.
ويعني الإمام أبو عبد اللَّه أحمد في قوله ذلك عن الكلابية الذين يثبتون كلامه ثم ينفون عنه الصوت، أن الكلام لا يكون إلا بصوت، فهذا حقيقة الكلام ومعناه، فمن أنكره والحرف أنكر الكلام للَّه، الذي نص عليه اللَّه، لا إله إلا هو.
وكذلك النفس لا تكون إلا مرئية، فهذا حقيقة النفس ومعناها أنها شيء يُرَىٰ، فمن أنكر ذلك أنكر النفس.
وأما ما ذكر الإمام من الاستدلال علىٰ الرؤية بالنزول والخلوة والكلام، وما ذكرت من الاستدلال علىٰ الصوت.
فهذا إنما هو تبيين لئلا ينخدع منخدع بمن يدعي استحالة ذلك بشبه من المنصوص، فذلك حقيقة الكلام أن له صوتًا، والنفس أن لها رؤية أصلًا، غير أن منكر ذلك يظهر القول باستحالته، وهو مبطن القول بنفي النفس بمكان فنفي رؤيتها، ونفي الفعل بمشيئة فنفي الكلام.
فإن أثبت النفس بعلوها أثبت الرؤية، لأنه أثبت نفسًا لها مكان، فيصح أن ترىٰ في الآخرة.
وكذا إن أثبت الفعل بمشيئة، أثبت الحرف والصوت، لأنه أثبت الفعل بمشيئة، فيصح أن كلامه بحرف وصوت يتكلم به بعد سكوت.
وإن نفىٰ ذلك، نفىٰ الرؤية، إذ لا نفس لها مكان ترىٰ، ونفىٰ والحرف والصوت، إذ لا فعل بمشيئة يُسمع من اللَّه بحال.
ولذلك قلنا: إن المعتزلة يتسترون عن نفي النفس والفعل بنفي الرؤية والكلام بشبه من المنصوص، كنحو قوله: (لا تدركه الأبصار)، وقوله: (إنا جعلناه قرآنًا عربيًا)، الذي زعموا أن معنىٰ الجعل فيه معنىٰ الخلق، مع أنهم يقولون: لا يجوز بحال أن يتكلم، فيُسمع له الكلام، ولا أن يُرىٰ، فلا يثبتون شيئًا، وخالفوا النص زيادة عليه بقولهم: إن ذلك محال عليه، وما في النص إن صح لهم علىٰ ما يدعون ذلك.
وكيف ذلك ونبي اللَّه موسىٰ صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم يسأل من قبل السائلين أن يرىٰ اللَّه، أفجهل محالًا لا يجوز في حقه، فسأله؟
وكيف والنبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم يقول في الإحسان: أن تعبد اللَّه كأنه تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
أفشبه عبادته في حال أن لا تراه، بعبادته في حال أن تراه، وهو محال مستحيل من شيء إلىٰ لا شيء، لا يجوز في حقه؟
وقد علمنا وكل الناس أن التشبيه لا يكون إلا بشيء وعلىٰ أصل لا علىٰ معدوم محال، وأن الجهمية ما هم بأعلم بما يجوز في حق اللَّه وما لا يجوز من نبي اللَّه موسىٰ ومحمد صلَّىٰ اللَّه عليهما وسلم.
وتستر مع ذلك بعضهم بشبه من أقوال العلماء، فاستدل بعضهم يقول مجاهد في الرؤية أنها الانتظار انتظار الثواب، مع أن هذا القول منه علىٰ ما يفهمون لا يحيل الرؤية ولا يجعل تثبيتها تشبيهًا للمرئي.
وإنما قال مجاهد ذلك لقول اللَّه تعالىٰ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾
وهو نظير ما قال في القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (٢٢) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾
فبين أن الوجوه بعد إذ تنضرت فأسفرت، والإسفار الإنارة نظير الذي في قوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾، أي أنار وأضاء، فتنفس.
أبان أنها ضاحكة تستبشر، والاستبشار طلب البشارة نظير الاستغفار طلب المغفرة.
وإنما استبشرت بعد أن حق عليها الثواب ووقع، فإنما تستبشر بأعظم الثواب لها والزيادة التي وعدها ربها، وهي الرؤية.
وإنما أراد مجاهد أنها تنتظر رؤياه، تستبشر بذلك.
وقد قال إسحاق بن راهويه في مسنده:
” ١٤٢٩ - أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، قَالَ: كَانَ أُنَاسٌ يَقُولُونَ فِي حَدِيثٍ: إِنَّهُمْ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ، قَالَ: فَقُلْتُ لِمُجَاهِدٍ: إِنَّ أُنَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّهُ يُرَىٰ، فَقَالَ: أَلَا تَسْمَعُ إِلَىٰ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾، يَقُولُ: نَضْرَةٌ مِنَ السُّرُورِ، ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ “
وهذا سند لا يدفع، وفيه توكيد لما ذكرت أنه أراد انتظار الرؤيا، فقد فسر الآية بها كما هو هاهنا.
- هذا حتىٰ أن الأئمة قد عرفوهم في لحن القول قولهم وكشفوهم، فقال حماد بن زيد: « إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شيء. »، وقال عبد الرحمن بن مهدي: « يدورون علىٰ أن يقولوا ليس في السماء شيء. » وقال ابن المبارك: « إنهم يجعلون ربك الذي تعبد لا شيء. »، وقال أحمد وذاكره الميموني في أمر الجهمية وما يقولون: « كلامهم كلام الزندقة، يدورون علىٰ التعطيل، ليس يثبتون شيئًا، وهكذا الزنادقة »
فتستروا بشبه من المنصوص وبعض أقوال العلماء عن نفي النفس وعلوها وفعلها، ملبسين بذلك مموهين علىٰ عامة الناس أمرهم، لئلا ينفروا منهم أكثر من نفورهم من أهل البدع، إذ ظنوا أن خلافهم ومقالهم كمثل خلاف ومقال فرق لمَّا تخرج من الإسلام إلىٰ الكفر فيما قالت من أهل رأي ومرجئة وقدرية وشيعة مفضلة ممن تعلق بمتشابه من المنصوص وشاذ من الأقوال.
- وحتىٰ قد قال أبو عبد اللَّه أحمد: « وأي كفر أبين من هذا؟، وأي كفر بعد هذا؟، إذا زعموا إن القرآن مخلوق، فقد زعموا أن أسماء اللَّه مخلوقة، وأن علم اللَّه مخلوق، ولكن الناس يتهاونون بهذا، ويقولون: إنما يقولون القرآن مخلوق، فيتهاونون، ويظنون أنه هين، ولا يدرون ما فيه من الكفر! »
ذكره الخلال في السنة.
وقد قال أبو سعيد الدارمي في مقدمة النقض:
” افْتَتَحَ هَذَا المُعَارِضُ كِتَابَهُ بِكَلَامِ نَفْسِهِ مُثَنِّيًا بِكَلَام المَرِيسِيِّ، مُدَلِّسًا عَلَىٰ النَّاسِ بِمَا يَهمُ أَنْ يَحْكِيَ وَيُرِي مَنْ قِبَلَهُ مِنَ الجُهَّالِ وَمَنْ حَوَالَيْهِ مِنَ الأَغْمَارِ، أَنَّ مَذَاهِبَ جَهْمٍ وَالمَرِيسِيِّ فِي التَّوْحِيدِ كَبَعْضِ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الإِيمَانِ فِي القَوْلِ وَالعَمَلِ، وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَكَاخْتِلَافِهِمْ فِي التَّشَيُّعِ وَالقَدَرِ، وَنَحْوِهَا، كَيْ لَا ينفرُوا مِنْ مَذَاهِبِ جَهْمٍ وَالمَرِيسِيِّ أَكْثَرَ مِنْ نُفُورِهِمْ مِنْ كَلَامِ الشِّيعَةِ والمُرْجِئَةِ والقَدَرِيَّةِ.
وَقَدْ أَخْطَأَ المُعَارِضُ مَحَجَّةَ السَّبِيلِ، وَغَلَطَ غَلَطًا كَثِيرًا فِي التَّأْوِيلِ، لما أَنَّ هَذِهِ الفِرَقَ لَمْ يُكَفِّرْهُمُ العُلَمَاءُ بِشَيْءٍ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ، وَالمَرِيسِيُّ وَجَهْمٌ وأصحابُهم لَمْ يَشُك أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي إِكْفَارِهِمْ.
- سَمِعْتُ مَحْبُوبَ بْنَ مُوسَىٰ الأَنْطَاكِيَّ، أَنَّهُ سَمِعَ وَكِيعًا يُكَفِّرُ الجَهْمِيَّةَ.
- وَكَتَبَ إِلَيَّ عَلِيٌّ بْنِ خَشْرَمٍ، أَنَّ ابْنَ المُبَارَكِ كَانَ يُخْرِجُ الجَهْمِيَّةَ مِنْ عِدَادِ المُسْلِمِينَ.
- وَسَمِعْتُ يَحْيَى بنَ يَحْيَىٰ، وَأَبَا تَوْبَةَ، وَعلي بن المَدِينِيِّ: يُكَفِّرُونَ الجَهْمِيَّةَ، وَمَنْ يَدَّعِي أَنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ.
فَلَا يَقِيسُ الكُفْرَ بِبَعْضِ اخْتِلَافِ هَذِهِ الفِرَقِ إِلَّا امْرُؤٌ جَهِلَ العِلْمَ وَلَمْ يُوَفَّقْ فِيهِ لِفَهْمٍ. “
وقوله: (لم يزل متكلمًا حيًّا عالمًا غفورًا عالم الغيب والشهادة علام الغيوب، فهذه صفاته وصف بها نفسه لا تدفع ولا ترد، وهو على العرش بلا حد، كما قال: (ثم استوى علىٰ العرش)، كيف شاء، المشيئة إليه عز وجل، والاستطاعة له، (ليس كمثله شيء)
فهل ظاهر مذهب الإمام من هذا الذي ذكر من أنه لم يزل حيًّا متكلمًا، إلا أنه لم يزل فاعلًا وخالقًا يخلق، إذ كان لم يزل متكلمًا، ومن كلامه ما يخلق به، إذ يقول للشيء كن فيكون؟
وهل هذا إلا ما شنع به المشنعون علىٰ شيخ الإسلام أبي العباس؟، فرحمه اللَّه فقد سبقه في ذلك الإمام أحمد بل عامة السلف ممن وافقوه في الاعتقاد، ومن قبلهم ابن عباس سبق بذلك، إذ قال في قوله: (وكان اللَّه سميعًا بصيرًا)، قال: لم يزل كذلك.
فإذا لم يزل كذلك، لم يزل إذًا بكل صفاته، فلم يزل فعالًا متكلمًا خالقًا يخلق بقيله: كن.
وهذا ظاهر القرآن أصلًا: (فعال لما يريد)، والفعال كثير الفعل، كالقهار والغفار، وقال: (إن ربك هو الخلاق العليم)، والخلاق كثير الخلق، كما يقال: فلان قتال، يكثر القتل، وفلان مكار، يكثر المكر.
وهذا الخلاق الفعال لما يريد: (الحي الذي لا يموت)، فلم يزل فعالًا خلاقًا، إذ لم يزل حيًّا، ومن أبطل ذلك، فإنما حد كمال فعله وكلامه الذي لا يحد بعدد.
قال: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾
- وروىٰ الطبري في تفسيرها: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿قُل لَوْ كانَ البَحْرُ مِدَادًا لكَلِماتِ رَبّي﴾، يقول: « إذًا لنفد ماء البحر قبل أن تنفد كلمات اللَّه وحكمه. »
وقوله: (قال إبراهيم لأبيه: (لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا)، فثبت أن اللَّه سميع بصير.)
فاستدل بالعقل الذي جاء به خالق العقول.
وإن استدللنا كما استدل الإمام، فقلنا: قال اللَّه تعالىٰ: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا)
فثبَّت أن له يدًا يبطش بها، وعينًا يبصر بها، ورجلًا.
أكان هذا إلا كما استدل الإمام علىٰ صفتي السمع والبصر؟، أكان هذا إلا ظاهر مذهب الإمام؟
وقوله: (قلت له والمشبهة ما يقولون، قال: من قال بصر كبصري ويد كيدي.
وقال حنبل في موضع آخر: وقدم كقدمي، فقد شبه اللَّه تعالىٰ بخلقه، وهذا يحده، وهذا كلام سوء، وهذا محدود، والكلام في هذا لا أحبه
قال عبد اللَّه: جردوا القرآن، وقال النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم: يضع قدمه، نؤمن به ولا نحده ولا نرده علىٰ رسول اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم، بل نؤمن به، قال اللَّه تعالىٰ: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، وقد أمرنا اللَّه عز وجل بالأخذ بما جاء به، والنهي عما نهىٰ)
واضح أنه إنما ينفي حد اللَّه بحد العبد، ووصفه بصفته، كأن يقال: قدم كقدمي، زيد كيدي، وبصر كبصري، فهذا تشبيه لصفات اللَّه بصفات خلقه في الكيف والمعنىٰ، واللَّه المنزه عن ذلك.
وقد نقل حرب الكرماني في السنة إثبات الحد عن أحمد خاصة، وعن وأئمة الإسلام عامة.
هذا وداعي تلك لفظ الحد والتحرك وما أشبههما قد بينته، فبان إن شاء اللَّه، فلا يصلح أن يأتي الآتي، فيزعم أن تلك الألفاظ وإن صح معناها، فكان هو معنىٰ ما في النصوص، فلا داعي لها، وأن التعبير بلفظ النص أحسن.
فإن الجهمية يقولون بألفاظ النصوص أيضًا، ولكن علىٰ تأويل لها محال أو توقف فيها مناقض للتحقيق لها والإثبات.
هذا وأقبح من ذلك القول أن يقال: لم ترد، فلا ننفيها ولا نثبتها، كأنها في اعتقادها اعتقاد ليس في النص، وإنما هي اعتقاد النص ومعناه.
وأقبح من القولين السابقين أن يقال: إن ما تكلم به السلف من لفظ الحد وغيره من الألفاظ المجملة، التي تنفىٰ وتثبت عند الاستفصال عن المراد، وعند التبيين، وربما نفيت بحق، وربما لا.
فقائل هذا قائل بهجر من القول، وقد نزه اللَّه السلف عن أن يتكلموا في الاعتقاد -حتىٰ يتتابعوا علىٰ ذلك، ويقر بعضهم بعضًا علىٰ ما قال، وينقل الواحد منهم الإجماع علىٰ بعض تلك الألفاظ- بما هو مجمل من الألفاظ، التي لا تعين معنىً هو معنىٰ النص، ولا تحقق تحقيقًا هو التحقيق للنص.
والاعتقاد الذي في النص عند ظهور المنازع فيه المخالف له مع إظهاره وفاق النص محل تحقيق وتفصيل، لكشف التلبيس فصلًا بين الحق والباطل، لا أنه محل إجمال أو إيهام.
وكيف يجوز أن يقول السلف ألفاظًا كتلك مشنعين علىٰ من لم يقل بها، مكفرين له في ردها أو تركها، وجائز نفيها بحق بحال؟!
وقد قال الخلال في السنة:
” ٨٣٥ - وأخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر أن الحارث حدثهم قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: القرآن كلام اللَّه ليس بمخلوق، ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر.
قلت: يا أبا عبد اللَّه أي شيء قلت لأبي العباس؟
قال: لا أقول غير مخلوق إلا أن يكون في كتاب اللَّه.
فقلت له: فتقول: إن وجه اللَّه ليس بمخلوق؟
فقال: لا ، إلا أن يكون في كتاب نصًّا.
فارتعد أبو عبد اللَّه وقال: استغفر اللَّه، سبحان اللَّه!، هذا الكفر باللَّه، أحد يشك أن وجه اللَّه ليس مخلوق؟! “
فهذا واقفي خبيث يقول: لا أقول عن وجه اللَّه غير مخلوق، إلا أن يكون ذلك منصوصًا عليه..
وما أشبه هذا بمن يقول من السلفية: الحد أو الحركة لم يرد ذلك، فلا نقول به!
فهؤلاء لو قيل لهم: أتقولون: إن القرآن غير مخلوق، وإنه حي يفعل بمشيئته، لقالوا - بخلاف الواقفي والجهمي -: بلىٰ.
قيل: فكذلك قولوا بالحد والحركة، فإنما هو كذلك تحقيق النص ومعناه.
وما أحسن إلزام الإمام أحمد، فإن كنا لا نقول غير مخلوق لأن ذلك لم يرد نصًّا، وهو معنىٰ النص، فلن نقول إذًا: إن وجه اللَّه غير مخلوق.
وكذلك إن كنا لا نقول بالحد والحركة لأن ذلك لم يرد نصًّا، وهو اعتقاد النص، فلن نقول إذًا: إن اللَّه بائن منفضل عن خلقه.
هذا وربما ترك بعض أهل السنة القول بمثل تلك الألفاظ التي لم ترد في عينها ونفسها، من تثبيته لمعناها واعتقادها، إذ كان هو معنىٰ النص واعتقاده، علىٰ أن الصواب أن تُقَال كما قالها السلف، لداعيها المعقول.
وقول ابن رجب في فضل علم السلف علىٰ الخلف:
( ومنهم من أثبت للًَه صفات لم يأت بها الكتاب والسُّنَّة كالحركة وغير ذلك مما هي عنده لازم الصفات الثابتة )
لا يصح، وليست الحركة بصفة جديدة هي لازم الصفات الثابتة، ولا شيء من تلك الألفاظ المأثورة هي علىٰ ما توهم ابن رجب في لفظ الحركة.
وهو نفسه يثبت الحركة للَّه علىٰ معنىٰ الصفة الاختيارية أو الفعلية، ولكن التبس عليه المراد بها، فظنها صفة جديدة، فأنكرها، وهذه زلة.
وأما من توقف في لفظ الحركة أو أنكره لإنكاره الفعل القائم باللَّه عز وجل حقًّا، فهذا جهمي.
ورحم اللَّه رجلًا قال بما قال السلف، وترك زلة الخلف.
وصل اللهم وسلم علىٰ نبينا محمد.
تعليقات
إرسال تعليق