هل صالحو بني آدم خير من الملائكة؟
بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّه، وبعد:
فقد عد بعضهم هذه المسألة من فضول الكلام والعلم، وليس الأمر كذلك إذ هي كما ذكر أبو العباس ابن تيمية مسألة سلفية أثرية صحابية.
قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوىٰ:
( وكنت أحسب أن القول فيها محدث حتىٰ رأيتها أثرية سلفية صحابية. )
وابتدئ القول في مسألتنا بما قال الدارمي في نقضه:
( ٣٧ - حَدَّثَنَاه عَبْدُ الله بْنُ صَالِحٍ، حَدثنِي اللَّيْث، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّه بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: لَقَدْ قَالَتِ المَلَائِكَةُ: يَا رَبَّنَا، مِنَّا المَلَائِكَةُ المُقَرَّبُونَ، وَمِنَّا حَمَلَةُ العَرْشِ، وَمِنَّا الكِرَامُ الكَاتِبُونَ، وَنَحْنُ نُسَبِّحُ الله اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا نسأم وَلَا نفتر.
خلقتَ بَني آدَمَ فَجَعَلْتَ لَهُمُ الدُّنْيَا، وَجَعَلْتَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ، فَكَمَا جَعَلْتَ لَهُمُ الدُّنْيَا فَاجْعَلْ لَنَا الآخِرَةَ.
فَقَالَ: لَنْ أَفْعَل، ثُمَّ عَادُوا، فَاجْتَهَدُوا المَسْأَلَةَ، فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِك، فَقَالَ: لَنْ أَفْعَل، ثُمَّ عَادُوا فَاجْتَهَدُوا المَسْأَلَة بِمثْل ذَلِكَ، فَقَالَ: لَنْ أَجْعَلَ صَالِحَ ذُرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ كَمَنْ قُلْتُ لَهُ كُنْ فَكَانَ. )
وما قال عبد اللَّه بن أحمد في السنة:
( ١٠٦٥ - حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ، نا عُثْمَانُ بْنُ عَلَّاقٍ وَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ حِصْنِ بْنِ عَلَّاقٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ رُوَيْمٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَ الْمَلَائِكَةَ قَالُوا: رَبَّنَا خَلَقْتَنَا وَخَلَقْتَ بَنِي آدَمَ، فَجَعَلْتَهُمْ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَشْرَبُونَ الشَّرَابَ وَيَلْبَسُونَ الثِّيَابَ وَيَأْتُونَ النِّسَاءَ وَيَرْكَبُونَ الدَّوَابَّ وَيَنَامُونَ وَيَسْتَرِيحُونَ، وَلَمْ تَجْعَلْ لَنَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَاجْعَلْ لَهُمُ الدُّنْيَا، وَاجْعَلْ لَنَا الْآخِرَةَ.
فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَا، فَأَعَادُوا الْقَوْلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا أَجْعَلُ صَالِحَ ذُرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ فَكَانَ. )
قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوىٰ عن هذه المسألة:
( وكنت أحسب أن القول فيها محدث حتىٰ رأيتها اثرية سلفية صحابية، فانبعثت الهمة الىٰ تحقيق القول فيها، فقلنا حينئذ بما قاله السلف.
فروىٰ أبو يعلىٰ الموصلي فى كتاب التفسير المشهور له عن عبد اللَّه بن سلام، وكان عالمًا بالكتاب الأول والكتاب الثاني، وكان كتابيًّا، وقد شهد له النبي ﷺ بحسن الخاتمة، ووصية معاذ عند موته، وأنه أحد العلماء الأربعة الذين يبتغىٰ العلم عندهم.
قال: ما خلق اللَّه خلقًا أكرم عليه من محمد، الحديث عنه.
قلت: ولا جبرائيل ولا ميكائيل، قال: يا ابن أخي أوتدري ماجبرائيل وميكائيل، إنما جبرائيل وميكائيل خلق مسخر مثل الشمس والقمر، وما خلق اللَّه تعالىٰ خلقًا أكرم عليه من محمد.
وروىٰ عبد اللَّه في التفسير وغيره عن معمر عن زيد بن اسلم أنه قال: قالت الملائكة: ياربنا جعلت لبنى آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون، فاجعل لنا الاخرة، فقال: وعزتي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدى كمن قلت له: كن فكان.
وكذلك قصة سجود الملائكة كلهم أجمعين لآدم ولعن الممتنع عن السجود له، وهذا شريف وتكريم له. )
أقول: رواية هذا من قبل السلف، ورواية عثمان الدارمي وعبد اللَّه والليث بن سعد وزيد بن أسلم - وقد ثبت هذا عن زيد بن أسلم في تفسير الطبري - وغيرهم من أئمة السلف لذلك بلا نكير برهان دالٌّ علىٰ عقد قلوبهم بذلك.
قال عبد اللَّه بن أحمد:
( ١٥١ - حدثني وهب بن بقية الواسطي، سمعت وكيع بن الجراح، يقول: القرآن كلام اللَّه عز وجل ليس بالمخلوق.
سمعته من وكيع، وأثبته عندي في كتاب.
قال وهب بن بقية: لو لم يكن رأيي ما حدثت به. )
الشاهد قوله الأخير.
وأولئك الأئمة أهل علم وورع، فلا يعتقدون بشيء إلا عن علم بين.
وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوىٰ:
( وزيد بن أسلم زيد في علمه وفقهه وورعه حتىٰ إن كان علي بن الحسين ليدع مجالس قومه، ويأتي مجلسه، فلامه الزهري في ذلك، فقال: إنما يجلس حيث ينتفع أو قال يجد صلاح قلبه.
وقد كان يحضر مجلسه نحو أربعمائة طالب للعلم أدنىٰ خصلة فيهم الباذل ما في يده من الدنيا، ولا يستأثر بعضهم علىٰ بعض فلا يقول مثل هذا القول إلا عن. . . (١) بين، والكذب علىٰ اللَّه عز وجل أعظم من الكذب علىٰ رسوله.
وأقل ما في هذه الآثار أن السلف الأولين كانوا يتناقلون بينهم: أن صالحي البشر أفضل من الملائكة من غير نكير منهم لذلك، ولم يخالف أحد منهم في ذلك، إنما ظهر الخلاف بعد تشتت الأهواء بأهلها وتفرق الآراء فقد كان ذلك كالمستقر عندهم. )
أقول: جاء في الحاشية: ( قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد: يظهر أن العبارة (إلا عن علم بين)، أو نحوها. )
وما ذكره الشيخ من الاستدلال حسن جميل، رحمه اللَّه.
فإن قيل: فإن كان لا بد من دليل بين علىٰ ذلك، وإلا ما اعتقده الأئمة، فما هو هذا الدليل البين؟
قيل: قال جل وعلا: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)
وهذا صريح وواضح في أنهم خير من كل الخليقة، ومن الملائكة.
وقد قال ابن بن تيمية في مجموع الفتاوىٰ:
( الدليل الثالث: إن اللَّه تعالىٰ خلق آدم بيده كما ذكر ذلك في الكتاب والسنة، والملائكة لم يخلقهم بيده بل بكلمته. )
ثم قال:
( الدليل السابع: تفضيل بني آدم عليهم بالعلم حين سألهم اللَّه عز وجل عن علم الأسماء، فلم يجيبوه، واعترفوا أنهم لا يحسنونها، فأنبأهم آدم بذلك، وقد قال تعالىٰ: (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون). )
ثم قال:
( الدليل الحادي عشر: أحاديث المباهاة مثل: (إن اللَّه تعالىٰ ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا وعشية عرفة فيباهي ملائكته بالحاج وكذلك يباهي بهم المصلين يقول: انظروا إلىٰ عبادي قد قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرىٰ)
وكلا الحديثين في صحيح مسلم، والمباهاة لا تكون إلا بالأفاضل. )
وهذا استدلال جليل.
وقال ابنُ القَيِّمِ:
( اعلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبحانَه وتعالىٰ اختَصَّ نوعَ الإنسانِ مِن بين خَلْقِه بأن كَرَّمه وفَضَّله وشَرَّفه، وخَلَقَه لنَفْسِه، وخَلَق كُلَّ شَيءٍ له، وخَصَّه من معرفتِه ومحبَّتِه وقُربِه وإكرامِه بما لم يُعْطِه غيرَه.
وسَخَّر له ما في سَمواتِه وأرضِه وما بينهما حتىٰ ملائِكتُه - الذين هم أهلُ قُربِه - استخدمَهم له، وجعَلَهم حَفَظةً له في منامِه ويقظَتِه، وظَعْنِه وإقامتِه، وأنزل إليه وعليه كُتُبَه، وأرسَلَه وأرسَلَ إليه، وخاطَبَه وكَلَّمه منه إليه.
واتَّخَذ منهم الخليلَ والكليمَ والأولياءَ والخواصَّ والأحبارَ، وجعَلَهم مَعدِنَ أسرارِه، ومحَلَّ حِكمَتِه، ومَوضِعَ حُبِّه، وخَلَق لهم الجنَّةَ والنَّارَ، وخلق الأمرَ، والثَّوابُ والعِقابُ مدارُه علىٰ النوعِ الإنسانيِّ، فإنَّه خُلاصةُ الخَلقِ، وهو المقصودُ بالأمرِ والنَّهيِ، وعليه الثوابُ والعِقابُ.
فللإنسانِ شأنٌ ليس لسائِرِ المخلوقاتِ، وقد خَلَق أباه بيَدِه، ونفخ فيه من رُوحِه، وأسجد له مَلائِكَتَه، وعَلَّمَه أسماءَ كُلِّ شَيءٍ، وأظهر فَضْلَه علىٰ المَلائِكةِ فمَن دونَهم من جميعِ المخلوقاتِ، وطرَدَ إبليسَ عن قُربِه، وأبعَدَه عن بابه: إذ لم يسجُدْ له مع السَّاجِدينَ، واتَّخَذه عَدُوًّا له.
فالمُؤمِنُ من نوعِ الإنسانِ خَيرُ البَرِيَّةِ علىٰ الإطلاقِ، وخِيرةُ اللَّهِ مِن العالَمينَ. )
أقول: وهذا القول الأخير ظاهر في كلام الطبري حين قال:
( (أولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)، يقول: من فعل ذلك من الناس فهم خير البرية. )
وقال ابن القيم في بدائع الفوائد:
( ومنها أنّه سُئِلَ – يعني شيخ الإسلام – عن صالحي بني آدم والملائكة أيهما أفضل، فأجاب بأنٌ صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية.
فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلىٰ منزهين عما يلابسه بنو آدم مستغرقون في عبادة الرب، ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر.
وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة، فيصير حال صالحي البشر أكمل من حال الملائكة.
وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل، وتتفق أدلة الفريقين ويصالح كل منهم علىٰ حقه. )
أقول: كمال النهاية خير من كمال البداية، فلا يتناقض هذا القول مع قولنا بتفضيل صالحي البشر.
وأمّا حجة من يفضل الملائكة فبما روىٰ مسلم إذ قال رحمه اللَّه:
( (٢٦٧٥) - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أنا عند ظن عبدي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ، ذكرته في ملإ خير منه. وإن اقترب إلي شبرا، تقربت إليه ذراعا. وإن اقترب إلي ذراعا، اقتربت إليه باعا. وإن أتاني يمشي، أتيته هرولة. )
فاستدلوا بكون الملأ الذي عند الملائكة خير من الملأ الذي عند بني آدم.
والجواب: ذلك لأن اللَّه جل وعلا فيه، فلو كان في ملأ بني آدم كل الأنبياء لما كان أحسن من الملأ الذي فيه اللَّه جل وعلا بلا شك.
هذا وصل اللهم وسلم علىٰ نبينا محمد.
تعليقات
إرسال تعليق