إنما تشكره بقدرك ويشكرك بقدره...

بسم اللَّه الشكور والصلاة والسلام علىٰ نبينا أحمد، وبعد:

فقد قال ابن أبي الدنيا في مصنف الشكر له:

” ٨ - حدثنا الحسن بن الصباح، نا أبو يحيىٰ الباهلي، قال: قال لي سليمان التيمي: إن اللَّه أنعم علىٰ العباد علىٰ قدره، وكلفهم الشكر علىٰ قدرهم. ”

وما أحسن ما قال، فالأمر واللَّه كما قال.

قال تعالىٰ: (وإن تعدوا نعمت اللَّه لا تحصوها)، أي هي أكثر من أن تحصوها، (إن الإنسان لظلوم)، إذ لم يشكرها، (كفور)، إذ كفر بها.

فنعمه تعالىٰ علىٰ كثرتها لا يشكرها أحد، فكل إنسان ظَلومٌ مُنقِصٌ إذ لم يشكرها شكرًا يكافئ كثرتها وتنوعها، ولكن شكرها شكر مُنقِصٍ مُقصِّر في شكره إذ هو شكر.

وقال تعالىٰ: (وأن اشكر لي ولوالديك)، فهذا الشكر المأمور به إنما هو علىٰ قدر الإنسان، فنعمة اللَّه أكبر من أن تشكرها كما يليق وينبغي.

وقال: (وسيجزي اللَّه الشاكرين)، و: (وإن تشكروا يرضه لكم)، فجزاك بقليل شكرك الكثير، ورضي لك به.

فكيف بعد هذا تتوهم كمالًا في نفسك أن تشكر اللَّه وتعبده كما يليق وينبغي، وتحتقر شكرك و عبادتك إذ لم تكن كما توهمت، فلا تسرك، ولا ترجو بها!

وهذا من سوء الظن باللَّه جل وعلا وبقدر رحمته، فإنه لا يُشكر شكرًا يكافئ نعمه، ولا يُعبد بما يليق بجلاله، ومن رحمته أن لم يفرض عليك هذا، وإنما كلفك علىٰ قدرك شكره وعبادته، ورضي لك ذلك، وأوعدك عليه جزيل الثواب.

فمالك لا تسرك طاعتك، وترجو أجرك وثوابك، وهذه رحمته؟

ومالك تتوهم ذلك في نفسك مسيئنًا الظن به كأنك قد تكافئ نعمه بشكرك، وتظن أن لن يثيبك إلا وأنت علىٰ أكمل الكمال وأتم الحال؟!

ولكن ربك الرحمن الرحيم، فهون علىٰ نفسك، ولتسرك طاعتك وشكرك، فإنك تُشكر عليها بالكثير.

قال ابن أبي الدنيا:

” ٧٢ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثني روح بن قاسم: أن رجلًا من أهله تنسك، فقال: لا آكل الخبيص، أو الفالوذج، لا أقوم بشكره.

قال: فلقيت الحسن، فقلت له في ذلك، فقال الحسن: هذا إنسان أحمق، وهل يقوم بشكر الماء البارد؟! )

أقول: يعني لأنه ظن أنه يشكر غير الفالوذج مما لم يتركه، فقال الحسن: هذا إنسان أحمق، وهل يقوم بشكر الماء البارد؟!

وهذا من سوء الظن بالنعمة، فأنت إنما تشكر بقدرك فقط.

وقال جل وعلا: (وإن تعدوا نعمة اللَّه لا تحصوها إن اللَّه لغفور رحيم)

فهو سبحانه غفور ساتر لعظيم تقصيرك بشكر نعمه وأياديه، رحيم بك مع تقصيرك في الشكر إذا ما شكرت بقدرك.

والمخلوق فإن عفى وستر فلا يجزي ويثيب علىٰ التقصير  رحمةً منه، وإن جزىٰ فليس يجزي بالكثير علىٰ القليل والتقصير.

سبحان الرحمن الرحيم، وصلىٰ اللَّه علىٰ نبيه نبي الرحمة الذي أرسل رحمة للعالمين. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الخلاف في صفة الهرولة...

لم نزل القرآن متفرقًا علىٰ محكم ومتشابه؟

الجواب النبوي الشافي من داء القنوط...