متىٰ نتساهل في آثار الضعفاء ومتىٰ لا نتساهل؟

بسم اللَّه والصلاة علىٰ رسول اللَّه، وبعد:

فهذا بيان أبين به نهج المتقدمين في التساهل والتشديد في أثار الضعفاء، متىٰ يكون هذا ومتىٰ يكون ذاك.

فأما ما في الأمر الأول من التساهل في أثار الضعفاء، فقد قال ابن عدي في الكامل:

” ... حَدَّثَنَا علي بن أحمد، حَدَّثَنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، سَمِعْتُ يَحْيىٰ بن مَعِين يقول: أبو مَعْشَر المديني ضعيف، يُكتب من حديثه الرقاق، وكان رجلًا أميَّا، يُتقىٰ إذ يروي من حديثه المسند. "

علي بن أحمد هو ابن سليمان علان المصري، وابن أبي مريم هو أحمد بن سعد.

وقد قال المعلمي في التنكيل عنه: (وعلىٰ كل حال فأحمد هذا قد قبله الأئمة، واحتجوا به، ولم يطعن فيه أحد منهم، واللَّه الموفق)

قال ابن عدي:

” ... أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حَدَّثَنَا مُوسَىٰ بْن إِبْرَاهِيمَ بْن النَّضْر الْعَطَّار، حدّثنا محمّد ابن عُثْمَان بن أَبِي شَيْبَة، قَالَ: وسألت عَليّ بن عبد اللَّه بن المَدينِي عن أَبِي معشر الْمَدَنِيّ 

فَقَالَ: كانَ ذاك شيخًا ضعيفًا ضعيفًا، وَكَانَ يحدث عن مُحَمَّد بن قيس، ويحدث عن مُحَمَّد بن كعب بأحاديث صالحة، وَكَانَ يحدث عن المَقْبُرِي، وعن نافع بأحاديث منكرة. ”

موسىٰ بن إبراهيم بن النضر هذا قد روىٰ عنه أبو نعيم صاحب الحلية غير مرة.

وقد قال أبو نعيم في أخر كتاب الضعفاء له:

( فجملة من سميته في هذا الفصل بروايته للمناكير وللموضوعات والأباطيل وذكرته بضعف، فإن أمرهم لا يخفىٰ على علماء أهل هذه الصنعة، فإن النور في رواياتهم مفقود والظلمة في أكثر حديثهم موجود.

وإني وإن ذكرت اسم الواقعين فيهم والواضعين منهم، فلم أذكرهم لأني كنت لهم مقلدًا، بل ذكرتهم إعلامًا لجرح منهم قد تقدم لهم.

فعامة ما نسبته إلىٰ علي بن عبد اللَّه، فإني سمعته من موسى بن إبراهيم بن النضر العطار البغدادي عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة عنه. )

أقول: فما ذكره أبو نعيم في كتاب الضعفاء عن الأئمة من الجرح قد كان للإعلام بجرح متقدم لأولئك الضعفاء الذين ذكر.

ومن هؤلاء الأئمة الذي ذكر جرحهم علي بن المديني، ذكر أقواله بواسطة ابن النضر، فما اعتمده وأعلمَ به عن متقدم جرح ابن المديني إلا وهو ثقة عنده.

والشاهد من الأثرين السابقين قول يحيىٰ بن معين: يُتقىٰ إذ يروي من حديثه المسند.

ومفهوم هذا أن لا يُتقىٰ ولا يُخشىٰ منه إذ يروي من حديثه غير المسند بأسانيد، إذا ما وروىٰ عن مشيخته المباشرين أقوالهم. 

وقول ابن المديني عن أبي معشر نجيح سندي: كان يحدث عن محمد بن قيس، ويحدث عن محمد بن كعب بأحاديث صالحة.

مع قوله: وكان بحدث عن المقبري، وعن نافع بأحاديث منكرة.

فذكر أن ما رواه عن مباشر مشيخته كمحمد بن كعب ومحمد بن قيس فصالح، وما رواه عن المقبري ونافع بإسناد فمنكر.

وقد قال أحمد: (لا يقيم الإسناد، يجعل أحاديث المقبري عن أبي هريرة)

يعني يصل عن المقبري عن أبي هريرة، فإن لم يصل عن المقبري لم يُخش منه.

وقال الخطيب البغدادي في تاريخه:

” ... أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن الْقَطَّان، أخبرنا عُثْمَان بن أحمد الدّقّاق، حدّثنا سهل بن أحمد الواسطيّ، حدثنا أبو حفص عمرو بن علي قال: وَأَبُو معشر ضعيف.

ما رَوَىٰ عن مُحَمَّد بن قيس، وَمُحَمَّد بن كعب ومشايخه، فَهُوَ صالح. وما رَوَى عن المَقْبُرِي، وهشام بن عروة، ونافع، وابن المنكدر. فهي ردية لا تُكتب. ”

هذا سند صحيح لعمرو بن علي وهو الفلاس. 

وقال صالح بن الإمام أحمد في سيرة أبيه والنقل مستفاد:

( وَاجْتمعت عَلَيْهِ أوجاع الْحصْر وَغير ذَلِك، وَلم يزل عقله ثَابتًا وَهُوَ فِي خلال ذَلِك يَقُول: كم الْيَوْم في الشَّهْر؟، فَأخْبرهُ وَكنت أَنَام بِاللَّيْلِ إِلَىٰ جنبه، فَإِذا أَرَادَ حَاجَة حركني، فأناوله.

وَقَالَ لي: جئني بِالْكتاب الَّذِي فِيهِ حَدِيث ابْن إِدْرِيس عَن لَيْث عن طَاوُوس أَنه كَانَ يكره الانين، فَقَرَأته عَلَيْهِ فَلم يَئِن إِلَّا فِي اللَّيْلَة التِي توفّي فِيهَا. )

ليث بن أبي سليم ضعيف، وقد احتمله أحمد في أثر عن شيخه.

وقال ابن رجب في شرح علل الترمذي:

( قال يزيد بن الهيثم عن يحيىٰ بن معين: اكتبوا عن أبي معشر حديث محمد بن كعب في التفسير، وأما أحاديث نافع وغيرها فليس بشيء.

التفسير حسن يعني ما يرويه عن محمد بن كعب القرظي في تفسير القرآن، وغالبه أو جميعه من كلامه غير مرفوع. )

فقوله: (وغالبه أو جميعه من كلامه غير مرفوع)، يبين أن روايته عن شيخه كلامه ليست كروايته المرفوع إلىٰ النبي ﷺ.

وقال ابن رجب:

( نقل البرذعي، عن أبي زرعة، قال: عبد الجبار بن عمر واهي الحديث وأمّا مسائله فلا بأس.

قال البرذعي: كأنّه يقول حديثه واهٍ ومسائله مستقيمة، يعني ما روى من المسائل عن ربيعة وغيره. )

فهذا يبين أن المسائل عن الشيخ المباشر ليست كالحديث بسند.

وقال العقيلي في الضعفاء:

( حدثنا عبد اللَّه بن أحمد: سمعت أبي يقول: صدقة السمين شامي، يروي عنه الوليد بن مسلم، ليس بشيء، ضعيف الحديث، أحاديثه مناكير ، ليس يسوى حديثه شيئًا، وما كان من حديثه مرسلًا عن مكحول، فهو أسهل، وهو ضعيف جدًّا. )

ففرق بين حديثه المسند، وحديثه عن مكحول شيخه.

وقال عبد اللَّه بن أحمد في العلل:

( سمعته يقول: إسماعيل بن مسلم المكي ما روىٰ عن الحسن في القراءات، فأما إذا جاء إلىٰ المسندة التي مثل حديث عمرو ابن دينار يسند عنه أحاديث مناكير ليس أراه بشيء، وكان ضعفه، ويُسند، عن الحسن عن سَمُرة أحاديثَ مناكير. )

مسلم هذا قد ضعفه أحمد بشدة حين قال كما في الجرح والتعديل: منكر الحديث. 

وهذا تضعيف شديد، ومع ذلك احتمل روايته عن الحسن في القراءة.

وإنما هو منكر شديد الضعف فيما أسند عند الإمام لا في كل حديثه حتىٰ غير المسند منه.

وقال أبو بكر الخلال في الوقوف والترجل والنقل مستفاد:

( فَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: أرَى أَنْ يُدْفَنَ، كانَ ابْنُ عُمَرَ يَدْفِنُ شعْرَهُ إِذَا حَلَقَهُ. )

وهذا الأثر من رواية عبد اللَّه العمري، عن نافع، عن ابن عمر.

العمري ضعيف، ومع ذلك احتمله في أثر موقوف يقصُر سنده ويسهُل متنه.

وهذا معناه التفريق بين ما كان بسند طويل فيه شيء من الصعوبة  وبين ما كان بسند قصير فيه شيء من السهالة.

وهذا وما سبق قد خالف فيه غير واحد من المتأخرين.

وذلك أنك تجدهم ينقدون الأثار المباشرة والقصيرة كما ينقدون ما فيه رفع أو صعوبة بسنده، فيضعفونها، فلا يقولون بدرجة صحيحة هي دون الحسن والصحيح أي درجة المقبول.

وهذا ينبغي أن يتنبه المرء له، فيعلم أن الضعيف ما لمن يكن كاذبًا ليس بضعيف علىٰ الإطلاق، بل يكون في مثل ما ذكرنا مقبول الرواية غير مردودها.

هذا وبعضهم يتشدد في أثار هي عن رؤية مباشرة، وليست حتىٰ عن سماع مباشر!، واللَّه المستعان الرؤية أمرها هين.

وعلة منهج الأئمة الذي أوضحته أن رواية الضعيف المحتمل أو حتىٰ الذي ضعفه شديد لأثر مباشر أو قصير، هذا بخلاف الجادة في الأسانيد.

والجادة هي الطريق المتكرر المعروف الذي تطرق له الأذهان، وتسبق له الأوهام، فيغلط بسلوكه الضعفاء.

فذلك بخلاف الجادة إذ أن الموصول والمرفوع إلىٰ النبي ﷺ جادة بخلاف ما كان من الرواية عن مباشرة أو قِصر إسناد بلا وصل.

ولذا كان غالب الأوهام والأخطاء من الضعفاء برفع الحديث أو تجويده أي وصله، فإن روىٰ الضعف شيئًا عن مباشرة أو روىٰ شيئًا قصيرًا لم يصل فيه كان هذا أحرىٰ أن لا يكون غلطًا منه.

قال ابن رجب:

( قول أبي حاتم: مبارك لزم الطريق.

يعني به أن رواية ثابت عن أنس - رضي اللَّه عنه - سلسلة معروفة مشهورة، تسبق إليها الألسنة والأوهام، فيسلكها من قل حفظه.

وأبو حاتم كثيرًا ما يعلل الأحاديث بمثل هذا، وكذلك غيره من الأئمة. )

أقول: هذا يقال حتىٰ فيمن لم يقل حفظه، فمن كان يقبل التلقين والإدخال غالب غلطه إنما يكون بتجويد الحديث أو رفعه أي بجعله علىٰ الجادة.

ومثال ذلك مجالد تلميذ الشعبي الذي كان يتلقن، فيصل الحديث ويرفعه.

 قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل:

( نا محمد بن حمويه بن الحسن، قال: سمعت أبا طالب، قال: سألت أحمد بن حنبل عن مجالد، فقال: ليس بشيء، يرفع حديثًا كثيرًا لا يرفعه الناس، وقد احتمله الناس. )

فذكر رفعه.

وقال: 

( نا محمد لن إبراهيم بن شعيب، نا عمرو بن علي الصيرفي، قال: سمعت يحيىٰ بن سعيد القطان يقول لعبد اللَّه: أين تذهب؟

قال: أذهب إلىٰ وهب بن جرير اكتب السيرة - يعني عن مجالد -

قال: تَكتب كذبًا كثيرّا، لو شئت أن يجعلها لي مجالد كلها عن الشعبي عن مسروق عن عبد اللَّه فعل. )

فذكر قبوله للتلقين بوصل الحديث.

وقال: 

( أنا أبو بكر بن أبي خيثمة فيما كتب إلي، قال: سمعت يحيىٰ بن معين، يقول: مجالد ضعيف واهي الحديث.

قال أبو بكر: قلت ليحيىٰ بن معين: كان يحيىٰ بن سعيد القطان يقول: لو أردت ان يرفع لي مجالد حديثه كله رفعه.

قال: نعم، قلت: ولم يرفع حديثه، قال: لضعفه. )

وقال عبد اللَّه بن أحمد في العلل: ( سألته عن مجالد، فقال: كذا وكذا وحرك يده، ولكنه يزيد في الإسناد. )

فهذا وما سبق دال علىٰ أنه يتلقن، فيصل السند ويزيده ويرفعه، فهذا الغالب في تلقنه إذ هو تلقن.

ولو روىٰ عن الشعبي قوله، فمثل هذا بعيد عن التلقين إذ لو كان قد تلقن، لرفع السند أو وصله، فجعله مثلًا عن مسروق عن عبد اللَّه بن مسعود.

ولذا فروايته المباشرة أو القصيرة في سندها محتملة مقبولة.

وهذا إن شاء اللَّه معنىٰ قول أحمد: (وقد احتمله الناس)

يعني أن تضعيفه ليس علىٰ الإطلاق.

وقال ابن أبي يعلي في طبقات الحنابلة والنقل مستفاد من الشيخ أبي جعفر جزاه اللَّه خيرًا:

( منها ما رواه أَبُو بكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: قَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بْن سلام زرت أَحْمَد بن حنبل، فلما دخلت عليه بيته قام فاعتنقني وأجلسني فِي صدر مجلسه.

فقلت: يا أبا عَبْد اللَّه أليس يقال: صاحب البيت أو المجلس أحق بصدر بيته أو مجلسه.

قَالَ: نعم يَقعد، ويُقعد من يريد.

قال: فقلت: فِي نفسي خذ إليك أبا عبيد فائدة، ثم قلت: يا أبا عَبْد اللَّه لو كنت آتيك عَلَى حق ما تستحق لأتيتك كل يوم.

فقال: لا تقل ذاك، فإن لي إخوانا ما ألقاهم في كل سنة إلا مرة، أنا أوثق فِي مودتهم ممن ألقىٰ كل يوم.

قَالَ: قلت: هذه أخرىٰ يا أبا عبيد.

فلما أردت القيام قام معي، قلت: لا تفعل يا أبا عَبْد اللَّه، قَالَ: فقال: قَالَ: الشعبي من تمام زيارة الزائر أن يمشي معه إلىٰ باب الدار ويؤخذ بركابه.

قَالَ: قلت: يا أبا عَبْد اللَّه من عَنِ الشعبي، قَالَ: ابن أبي زائدة عَنْ مجالد، عَنِ الشعبي.

قَالَ: قلت: يا أبا عبيد هذه ثالثة. )

فاحتمل أحمد مجالدًا في روايته عن الشعبي قوله.

وقد كان شعبة كما قال يحيىٰ بن معين لا يروي تفسير سماك  إلا عن عكرمة، يعني يحتمله في هذا.

وذاك أنه لما كان يتلقن عن عكرمة خاصة، فيصل حديثه إلىٰ ابن عباس، كان ما يرويه عن عكرمة قوله محتملًا، فليس بموضع تلقين. 

وكذا من كان مضطربًا، لا يحفظ ما كان من الرواية كذا وما كان منها كذا، فيُدخل هذا علىٰ ذاك ويخلط، يحتمل فيما رواه فخالف فيه الجادة. 

قال الترمذي في العلل:

( وهكذا من تكلم في ابن أبي ليلىٰ، إنما تكلم فيه من قبل حفظه.

قال يحيىٰ بن سعيد القطان: روى شعبة عن ابن أبي ليلىٰ عن أبي أيوب عن النبي ﷺ في العطاس.

قال يحيىٰ: ثم لقيت ابن أبي ليلىٰ، فحدثنا ابن أبي ليلىٰ عن أخيه عيسىٰ عن عبد الرحمن بن أبي ليلىٰ عن علي عن النبي ﷺ

قال أبو عيسى: وكان يروي الشيء مرة هكذا، ومرة هكذا، يغير الإسناد.

وإنما جاء هذا من قبل حفظه، وأشذ ما يكون هذا إذا لم يحفظ الإسناد، فزاد في الإسناد أو نقص. )

فهذا كذلك غير أن ابن أبي ليلىٰ لو روىٰ عن شيخه المباشر قوله، لاحتُمِل له هذا إذ الاضطراب بالعادة لا يكون في ذلك.

فالاضطراب يكون عادة في المرفوع  المسند بشيء من الطُول. 

وكذا المختلط، الذي خَرِف أو كَبِر فضعُف حِفظه حتىٰ قد ساء بعد خير، تُقبل روايته إذ يروي ما هو خلاف الجادة.

وهذا لأن الذي قد اختلط سينسىٰ ولا يتذكر السند كما هو بسبب ما كان من تغير عقله وخرفه أو كَبِر سنه وضعف حفظه، فسيجعله مرفوعًا أو موصولًا إذ كان ذلك الكثير المتكرر الذي يذهب إليه ذهنه ويتذكره.

فإن جاء بالسند علىٰ الطرق القصار المخالفة للجادة أو روىٰ شيئًا مباشرًا عن شيخ له، فهذه أمارة تدل علىٰ تذكُّره وحفظه.

ولدينا مثلًا علي بن زيد بن جدعان الذي قال عنه شعبة: ( ثنا علي بن زيد بن جدعان، وكان رفَّاعًا. )

ورفاع صيغة مبالغة من رفع، يعني أنه يرفع الحديث إلىٰ النبي ﷺ كثيرًا، فغالب غلطه إنما هو بالرفع والوصل

وقال أحمد عن عطاء بن السائب: ( صالح من سمع منه -يعني: قديمًا -، وقد تغير، فإنه ليس بذاك، إنه ليرفع إلىٰ ابن عباس. )

يعني أنه يروي عن سعيد أو غيره عن ابن عباس، وإنما القول قول سعيد أو غيره، فيصله غلطًا لابن عباس.

وسُئل أحمد عن سماك وعطاءء فقال: ( ما أقربهما، وسماك يرفعها عن عكرمة، عن ابن عباس، وعطاء عن سعيد، عن ابن عباس، ما أقربهما. )

وهناك الليث بن أبي سليم الذي قال ابن حبان عنه: ( وَلَكِن اخْتَلَط فِي آخر عمره حَتَّىٰ كَانَ لَا يدْرِي مَا يحدث بِهِ، فَكَانَ يقلب الْأَسَانِيد وَيرْفَع الْمَرَاسِيل. )

فذكر غلطه برفع المراسيل إذ كان ذلك هو الكثير الغالب عليه في حال اختلاطه.

هذا وسبب تضعيفه أيضًا أنه كان يجمع بين الشيوخ، فيحكي عنهم الاتفاق وهو لا يشعر.

قال ابن سعد في الطبقات:

( وكَانَ ضَعِيفًا فِي الْحَدِيثِ.

يُقَالُ: كَانَ يَسْأَلُ عَطَاءً وَطَاوُسًا وَمُجَاهِدًا عَنِ الشَّيْءِ، فَيَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَيَرْوِي أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ لِذَلِكَ. )

وقال عبد اللَّه في العلل:

( ذكر الليث بن أبي سليم، قال: ضعيف الحديث عن طاوس، وإذا جمع طاوس وغيره زيادة هو ضعيف. )

وجاء في الثقات للعجلي:

( وحدث ليث بن أبي سليم يومًا، قال: سألت القاسم، وسالمًا، وعطاء، وطاووسًا، وذكر غيرهم، فقال له شعبة: أين اجتمع هؤلاء؟، قال: في عرس أمك. )

فإن كان يروي عن شيخه المباشر قوله لكان هذا أمرًا هينًا، يُقبل منه ما لم يخالف أو يُعرف لما رواه علة.

فهذا الكلام كله من وجه وهو خلاف الجادة.

ومن وجه آخر يقال: إن رواية الضعفاء والمضطربين والمتلقنين والمختلطين ما لم يكونون متهمين بكذب لأثار مباشرة أو قصيرة

هذا أسهل وأقرب للحفظ، ولا ينشغل الضعيف فيما هو كذلك بحفظ المتن عن الإسناد أو العكس.

وهذا يبعد الغلط والوهم.

قال الإمام مسلم في التمييز:

( ومنهم من همته حفظ المتون دون الأحاديث، فيتهاون بحفظ الأثار، يتخرصها من بعد، فيحيلها بالتوهم علىٰ قوم غير الذين أدي إليه عنهم. )

ما ذكره مسلم رحمه اللَّه بعيد في حال رواية الضعيف لما كان قريب الإسناد والمتن، واللَّه العالم.

وأما ما في الأمر الثاني من ترك التساهل في أثار الضعفاء، فإنه ربما ظن الظان من الكلام آنفًا أن كل أثر مباشر أو سهل الإسناد قصيره فمحتمل فيه الضعيف ومقبول.

ولكن الأمر ليس كذلك، فإن التساهل في أثار الضعفاء فيما ذكرت، هذا إذا لم يخالفوا، ولم يُعلم لما رووه علة.

فإن كان الضعيف قد خالف في رواية قول شيخه غيره ممن هو أوثق منه، أو غيره ممن هم أكثر منه، فالقول قول غير الضعيف لا شك.

وكذا إن روىٰ ما به علة. 

وصل اللهم وسلم علىٰ نبينا محمد. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الخلاف في صفة الهرولة...

لم نزل القرآن متفرقًا علىٰ محكم ومتشابه؟

الجواب النبوي الشافي من داء القنوط...