هل المبتدع والفاسق عالم؟

بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّه وعلىٰ آله وصحبه ومن ولاه، وبعد:

فقال ابن القيم في الصواعق المرسلة:

” ... وقد شهد سبحانه لمن يرىٰ أنَّ ما جاء به من عند اللَّه هو الحق لا آراء الرجال بالعلم، فقال تعالىٰ: (وَيَرَىٰ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)

وقال تعالىٰ: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ)

فمن تعارض عنده حقائق ما جاء به وآراء الرجال، فقدمها عليه أو توقف فيه أو قدحت في كمال معرفته وإيمانه به، لم يكن من الذين شهد اللَّه لهم بالعلم، ولا يجوز أن يسمىٰ بأنه من أهل العلم. ”

أقول: من جميل فقه التفسير وحسنه الاستدلال علىٰ الشيء وذكره من ذكر عكسه.

ومن ذلك أن اللَّه تعالىٰ دل بقوله: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ)، علىٰ أن الذين لا يرون أن  المنزل من آيات التنزيل هو الحق هم أهل الجهل ممن لم يؤتوا العلم.

ودل تعالىٰ بقوله: (أَفَمَن يَعلَمُ أَنَّما أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هُوَ أَعمىٰ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلبابِ)، علىٰ أن الذين لا يعلمون أن المنزل من آيات التنزيل الحق هم العميان ممن لم يرزقوا العلم والبصيرة.

وكل مخالف بخلاف ومبتدع ببدعة في السنن والاعتقاد فهو ممن لا يرىٰ أن ما أنزل اللَّه هو الحق في الباب الذي به خالف وفيه نازع.

وذلك منه، إذ يزيغ قلبه ويميل، فيتتبع المتشابه عليه الخفي ابتغاء تأويله علىٰ باطل ابتغاء الفتنة بالشبهات علىٰ الظاهر له الجلي، فيجعل مصيِّرًا ما أنزله اللَّه من محكم الحق به متشابهًا غير محكم، فيرده بمستنكر التأويل بلا بيان هو معه النص علىٰ ما تأول وهو بين يديه محكم مفصل، فكما قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: فيحملون المحكم علىٰ المتشابه، والمتشابه علىٰ المحكم، ويلبِّسون، فلبَّس اللَّه عليهم

وكما قال اللَّه: (وللبسنا عليهم ما يلبسون)، من الحق بشبه من الأمور اشتبه عليهم، فردوا به ما ظهر لهم من العلم، كما ردوا صدق النبي ﷺ وهو علم ظاهر لهم بأمر النسخ مما اشتبه عليهن، فقالوا: (إنما أنت مفتر)، بل: (أكثرهم لا يعلمون)

فكما قال أن اللَّه لبس علىٰ المشركين ما لبسوه علىٰ أنفسهم لزيغ قلوبهم، كذلك يلبس علىٰ من استن بسنتهم، وانتهج نهجهم، وإن خالفهم في درجة ذلك، من المبتدعة ما لبسه علىٰ نفسه لزيغ قلبه، حتىٰ لا يرىٰ أن ما ظهر من المحكم المفصل واستبان حق، ولا يعلمه كذلك، بل يرىٰ ذلك فيما ظهر من المتشابه.

والقول في هذا الصنف كما قال ابن القيم في الصنف الأخر ممن قدم آراء الرجال أو عقولهم وأفهامهم، فليس هو من أهل العلم بشهادة اللَّه فلا يجوز ولا يسوغ أن يسمىٰ عالمًا.

وكذا من لم يرَ ولم يعلم أن المنزل من آيات العالم المشهود علىٰ اللَّه وصفاته وأفعاله الحق، فلم يخشَ اللَّه فيتقِ أن يُحجب عنه ويُعاقب بأمره ونهيه واتباع نبيه، أو كان فاسقًا فاجرًا، فليس ممن شهد اللَّه له بالعلم وإن جمع المسائل أو أكثر الرواية.

قال تبارك وتعالىٰ: (ألَمۡ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخۡتَلِفًا أَلوَانُهَا وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدُۢ بِيضٌ وَحُمۡرٌ مُّخۡتَلِفٌ أَلوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ٢٧ وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَلدَّوَابِّ وَالأَنعَامِ مُخۡتَلِفٌ أَلوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخۡشَىٰ اللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ العُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) 

فأبان تبارك وتعالىٰ أنه إنما يخشىٰ اللَّه من عباده العلماء بآياته المشهودة التي دلت عليها آياته المسطورة.

وروىٰ الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (إنما يخشىٰ اللَّه من عباده العلماء)، قال: الذين يعلمون أن اللَّه علىٰ كل شيء قدير.

وإنما يؤمن بآيات قدرته فيؤمن بها أهل السنة العالمون أن اللَّه علىٰ الفعل قدير فهو فعال لما يريد لم يزل كذلك وهو يقدر أن يفعل لا أهل التعطيل المنكرون لذلك الجاهلون به.

وقال أبو خيثمة في كتاب العلم:

” ٤٦ - ثنا جَرِيرٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَىٰ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ الْعِلْمِ أنْ يَخْشَىٰ اللَّهَ وَبِحَسْبِهِ جَهْلًا أنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ. ”

هذا سند صحيح للتابعي أبي عائشة مسروق بن الأجدع رحمه اللَّه

والخشية فالاتقاء إنما هي بالعلم بآيات اللَّه المسطورة والمشهودة، فغالط بعظيم الغلط من ظن في ذاك القول تهوينًا من الاعتقاد والإيمان بالصفات، بل ما لا يُتوصل للغاية إلا به فهو غاية.

ورُوِي عن الزبير بن العوام قوله لابنه: إنه واللَّه ما بالدنيا بأس، ما تدرك الآخرة إلا بالدنيا، فيها يوصل الرحم، ويفعل المعروف، وفيها يتقرب إلىٰ اللَّه عز وجل بالأعمال الصالحة.

وهذا كذلك يقال في مسألتنا: لا تدرك الخشية إلا بالإيمان بالصفات، والاعتقاد الصحيح الداعي للرغبة والرهبة.

وقال تعالىٰ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ 

فذلك العلم من آيات اللَّه المنظورة غاية، ومثله ما سواه من علم الاعتقاد الذي من آيات اللَّه المسطورة.

وكذا من ظن في كراهية السلف للقول وإعجابهم بالعمل ذلك فهو غالط، فليس أن الاعتقاد وإيمان القلب بالصفات والأسماء علىٰ ما هي عليه عمل قلب فقط، بل هو أول العمل وأجله.

وقد قال ابن بطة في الإبانة الكبرىٰ بباب فضل لزوم السنة:

” حدثني أبي، قال: حدثنا عبد اللَّه بن الوليد، قال: حدثنا عبد الوهاب الوراق، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، قال: أفضل العبادة حسن الرأي، يعني السنة. ”

والرأي هاهنا كما هو مفسر السنة والاعتقاد، ومن ذلك قول الإمام أحمد لما سُئِل عن الليث بن أبي سليم، فقال: ما كان أحسن رأيه.

يعني اعتقاده.

قال أبو بكر الخلال في السنة:

” أخبرنا أبو داود السجستاني، قال: سمعت أحمد بن حنبل، قيل له: ليث بن أبي سليم يتهم بالبدعة؟، قال: لا. ”

فهذا الأثر يفسر قوله الأول.

وليعلم المرء أن الواحد مع ما نصصت علىٰ أنه العلم علىٰ أحوال، فهو إما عالم فقيه يعلمه يفتي به ولا يراجع العلماء الفقهاء ليصححوا له، فذاك العالم الفقيه الإمام كل الإمام.

وإما جاهل لا يعلمه، فالجاهل إما عالم بما علمه من أوله ولازمه من السنة متعلم يعلم بعضه ويجهل بعضه، فذاك العالم السني الإمام علىٰ شرط السنة به، وإما عالم بما علمه من غير السنة متعلم يجهل أهمه ويعلم ما دونه، فذاك المبتدع الذي ليس بإمام.

ويبقىٰ الجاهل الذي لا يعلم منه شيئًا، فذاك ذاك.

وجهال أهل السنة خير من جهال أهل البدع، فهؤلاء يتعلمون في جهلهم ولا يأثمون، وإن قصر بهم علمهم فخير ما علموا من السنة، وأولئك لا يتعلمون في جهلهم الذي استبصروه ويأثمون، وإن كثر علمهم فشر ما علموا من خلاف السنة.

قال تبارك وتعالىٰ: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ)

والاستبصار رؤياك وعلمك في الشيء البصيرة، كالاستذلال والاستحقار رؤياك وعلمك في الشيء ذلك.

يعني تبارك وتعالىٰ أن الشيطان قد زين وجمل لهم عقائدهم وما فرحوا به من العلم الذي عندهم، حتىٰ استبصروه بمتشابهات وخفيات تيمموها قاصدين لها في محكمات وظاهرات معها هي ظاهرة لم يذهب ظهورها كذبوا بها.

قال قتادة في قوله: (وكانوا مستبصرين)، في ضلالتهم معجبين بها.

والمبتدعة في ذلك الاستبصار للضلال كالكفار في أنهم لا يتعلمون ما علموا واستبصروا خلافه من العلم فيعلمون بل هم آثمون، وإن علموا ظاهرًا من الحياة الدنيا أو مسائل في الدين، إذ كان جهلهم واستبصارهم لما عندهم من العلم لزيغ في القلب وميل عن سواء السبيل.

وذلك الأمر من أنهم لا يتعلمون فيعلمون يكون منهم في غالب الأمر وأكثره لا كله، كما أن ذلك كذلك في الكفار.

وقد بين شيخ الإسلام في التحفة العراقية أمر أن المبتدع لا يتوب، فليُراجع كلامه فإنه حسن جميل.

هذا وقد قال عبد اللَّه بن مسعود: اغدُ عالمًا أو متعلمًا، ولا تغدُ بين ذلك.

روىٰ ذلك أبو خيثمة في مصنف العلم عن وكيع، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن أبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود.

ويريد أن كن متعلمًا ولا تكن جاهلًا، فكثير من عوام أهل السنة هو متعلم يعلم لحد هو فيما سواه جاهل غير متعلم، فهؤلاء يقال لهم ما قال ابن مسعود رحمه اللَّه أن لا ترضوا من أنفسكم أن تكونوا بين العالم والمتعلم جاهلين.

والحمد للَّه رب العالمين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الخلاف في صفة الهرولة...

لم نزل القرآن متفرقًا علىٰ محكم ومتشابه؟

الجواب النبوي الشافي من داء القنوط...