علة من العلل الزيادة الشاذة ...
بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّه، وبعد:
فيقول بعض الناس في زيادة الثقة أنها مقبولة، وذلك أنه او روىٰ الحديث قد انفرد به، لقبلناه، فكذلك نقبل ما زاده.
ويقول البعض بمثل ذلك، غير أنهم قالوا: بل تقبل، كما تقبل زيادة الشاهد في شهادته علىٰ صاحبه، فمن حفظ حجة علىٰ من لم يحفظ.
- وقد يستدل هؤلاء بكلام الإمام مسلم في التمييز حين قال:
« والْحَدِيث للزائد والحافظ لأنه فِي معنىٰ الشَّاهِد الَّذِي قد حفظ فِي شَهَادَته مَا لم يحفظ صَاحبه.
وَالْحِفْظ غَالبٌ علىٰ النسْيَان وقاضٍ عَلَيْهِ لَا محَالة. »
وهذا وما سبقه من القياس قياس مع الفارق، فإن أمر الحديث أمر عام، بخلاف أمر الشهادة الخاص، فالزيادة في ذلك من الراوي في حديث علىٰ من شاركه فيه، إذ كانت تكون قاضيةٌ بتوهيم غيره ممن شارك روايته الحديث، إن صحت زيادته.
وكذلك الانفراد، فإنه منه ما هو قاضٍ بتوهيم غير من المنفرد بالحديث، إن صح حديثه، إذ كان أمر الحديث كما ذكرنا عامًّا لا خاصًّا، فكان الانفراد في ذلك بحديث عن مكثر خاصة قد عمَّ حديثه واشترك فيه الناس، حتىٰ حُصِرَ بين تلاميذ له أحاطوا به، فلا يخرج عنهم، قاضيًا بتوهيم كل من لم يرو ذلك الحديث من أصحاب ذلك المكثر الحافظين لحديثه المحيطين به.
فليس لقول القائل: تقبل الزيادة، كما يقبل الانفراد، مقال، فإن الانفراد منه ما هو علة أصلًا، ثم إن في الزيادة المعنىٰ الذي ذكرنا من الاستدراك والقضاء بالوهم علىٰ من لم يزدها من أقران الزائد.
ولذلك المعنىٰ كانت الزيادة مخالفةً، مع ما فيها من معنىٰ ذلك، إذ زاد بها الزائد دون غيره، فكان في ذلك خلافه لهم.
ولو صح مثل ذلك القياس لأهله، لصح لهم قبول زيادة كل ثقة، وهذا خلاف كلام مسلم نفسه، وخلاف ما ذكر عن أهل العلم بالحديث ممن تقدم.
- قال ابن رجب في شرح علل الترمذي:
« وذكر مسلم أيضًا في هذا الكتاب رواية من روىٰ من الكوفيين ممن روىٰ حديث ابن عمر في سؤال جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام عن شرائع الإسلام، فأسقطوا من الإسناد عمر، وزادوا في المتن ذكر الشرائع.
قال مسلم في هذه الزيادة: هي غير مقبولة، لمخالفة من هو أحفظ منهم من الكوفيين كسفيان، ولمخالفة أهل البصرة لهم قاطبة، فلم يذكروا هذه الزيادة.
وإنَّما ذكرها طائفة من المرجئة ليشيدوا بها مذهبهم.
وأما زيادة عمر في الإسناد، فقال: أهل البصرة أثبت وهم له أحفظ من أهل الكوفة، إذ هم الزائدون في الإسناد عمر، ولم يحفظه الكوفيون، والحديث للزائد والحافظ، لأنه في معنىٰ الشاهد الذي حفظ في شهادته ما لم يحفظ صاحبه.
وهذا القياس الذي ذكره ليس بجيد، لأنه لو كان كذلك لقبلت زيادة كل ثقة، زاد في روايته، كما يقبل ذلك في الشهادة.
وليس ذلك قول مسلم، ولا قول أئمة الحفاظ، واللَّه أعلم.
وإنَّما قبلت زيادة أهل البصرة في الإسناد لعمر لأنهم أحفظ وأوثق ممن تركه من الكوفيين. »
فإن قيل: فما قول أئمة العلل في زيادة الثقة في الحديث علىٰ غيره إذًا؟
قيل ما ذكره الإمام مسلم رحمه اللَّه، إذ قال في التمييز:
« فهذه الجهة التي وصفنا من خطأ الإسناد ومتن الحديث: هي أظهر الجهتين خطأً، وعارفوه في النّاس كثر.
والجهة الأخرىٰ: أن يروي نفرٌ من حفاظ الناس حديثًا عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد، مجتمعون علىٰ روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنًى.
فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه، فيخالفهم في الإسناد أو يقلب المتن، فيجعله بخلاف ما حكىٰ من وصفنا من الحفاظ.
فيُعلَمُ حينئذٍ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد، وإن كان حافظًا، علىٰ هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث، مثل شعبة وسفيان بن عيينة ويحيىٰ بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من أئمة أهل العلم. »
فهذا كما ذكر مسلم قول شعبة، وكذلك هو قول أحمد.
- قال أبو داود في سؤالاته له:
« سمعت أحمد، قال: كان شعبة يتهيب حديث ابن عمر: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى.
يعني: يتهيبه للزيادة التي فيها: والنهار، لأنه مشهور عن ابن عمر من وجوه صلاة الليل، ليس فيه: والنهار.
وروى نافع: أن ابن عمر كان لا يرىٰ بأسًا أن يصلي بالنهار أربعًا، وبعضهم قال: عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يصلي بالنهار أربعا، فنخاف فلو كان حفظ ابن عمر، عن النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم: صلاة النهار مثنى مثنى, لم يكن يرىٰ أن يصلي بالنهار أربعًا، وقد روي عن عبد اللَّه بن عمر قوله: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، واللَّه أعلم. »
قوله يعني وما بعده، فمن كلام أبي داود رحمه اللَّه، وعادته أنه يذكر كلامه مع كلام أحمد، يبينه ويشرحه ويزيد من عنده، فيقول: يعني، وما أشبه ذلك.
وهو قول أبي جعفر الطبري، إذ قال في تفسيره في كلام له عن حديث اختصر منه موضع الشاهد:
« والحفاظ الثقات إذا تتابعوا علىٰ نقل شيء بصفة، فخالفهم واحد مفرد ليس له حفظهم، كانت الجماعة الأثبات أحق بصحة ما نقلوا من المنفرد الذي ليس له حفظهم. »
وهو قول الشافعي أيضًا.
- قال ابن أبي حاتم في أداب الشافعي ومناقبه:
« ثنا يونس نفسه، قال: سمعت الشافعي، يقول: ليس الشاذ من الحديث، أن يروي الثقة حديثًا لم يروه غيره، إنما الشاذ من الحديث أن يروي الثقات حديثًا، فيشذ عنهم واحد، فيخالفهم. »
والزيادة مخالفة، فكلامه يعمها.
- قال ابن رجب في شرح علل الترمذي:
« وحكىٰ أصحابنا الفقهاء عن أكثر الفقهاء والمتكلمين قبول الزيادة إذا كانت من ثقة، ولم تخالف المزيد.
وهو قول الشافعي، وعن أبي حنيفة أنها لا تقبل.
وعن أصحاب مالك في ذلك وجهان.
وفي حكاية ذلك عن الشافعي نظر.
فإنه قال في الشاذ: هو أن يروي ما يخالف الثقات، وهذا يدل علىٰ أن الثقة إذا انفرد عن الثقات بشيء أنه يكون ما انفرد به عنهم شاذًا غير مقبول، واللَّه أعلم. »
ويبقىٰ أمر، وهو أن رد زيادة الثقة، إذ كانت مخالفة، فكان الثقات المجتمعين أولىٰ بها لو صحت، فيُقدمون علىٰ من زادها.
فهذا كذلك، غير أن ذلك إنما هو في زيادة الثقات، لا عليتهم وكبارهم، ممن لهم من الحفظ ما يوازي الجماعات من الثقات.
وفي هذا قال الطبري أنه إن خالف الجماعة واحد منفرد ليس له حفظهم، كان الجماعة الأثبات أحق بالصحة.
فقيد بقوله: ليس له حفظهم.
- وفيه قال مسلم في التمييز:
« والزيادة في الأخبار لا تلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يعثر عليهم الوهم في حفظهم. »
- وقد قال ابن رجب في شرح العلل وهو يتكلم عن الخطيب البغدادي:
«؛وذكر في الكفاية حكاية عن البخاري أنّه سُئِلَ عن حديث أبي إسحاق في النكاح بلا ولي.
قال: الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل ثقة.
وهذه الحكاية إن صحت، فإنما مراده الزيادة في هذا الحديث، وإلا فمن تأمل كتاب تاريخ البخاري، تبين له قطعًا أنه لم يكن يرىٰ أن زيادة كل ثقة في الإسناد مقبولة.
وهكذا الدارقطني يذكر في بعض المواضع أن الزيادة من الثقة مقبولة، ثم يرد في أكثر المواضع زيادات كثيرة من الثقات، ويرجح الإرسال علىٰ الإسناد.
فدل علىٰ أن مرادهم زيادة الثقة في مثل تلك المواضع الخاصة، وهي إذا كان الثقة مبرزًا في الحفظ.
وقال الدارقطني في حديث زاد في إسناده رجلان ثقتان رجلًا، وخالفهما الثوري، فلم يذكره.
قال: لولا أن الثوري خالف لكان القول قول من زاد فيه، لأن زيادة الثقة مقبولة.
وهذا تصريح بأنه إنما يقبل زيادة الثقة إذا لم يخالفه من هو أحفظ عنه. »
وأولئك الذين ذكر مسلم من لم يعثر عليهم الوهم في حفظهم، هم كبار الحفاظ والثقات، فهم مع ما لديهم من مزيد الحفظ، قد تقبل زيادتهم لما فيهم من ذلك علىٰ الجماعة، كما هو قول مسلم، وقد لا تقبل زيادتهم، إذ الجماعة أولىٰ بالحفظ.
والأمر في ذلك ربما احتاج لمتابعة، يطمأن القلب بها للزيادة.
فإن قيل: أثمة أئمة حفاظ يوازون في حفظهم حفظ أنفسهم وحفظ تثبتهمم وتوقيهم حفظ جماعات؟
قيل: بلىٰ، منهم سفيان الثوري الذي فضله يحيىٰ القطان في حفظه علىٰ جماعة من الرواة، وسيأتي ذلك.
ومنهم سفيان بن عيينة.
- قال الدوري في تاريخه عن يحيىٰ بن معين:
« ٣٠٤ - سمعت يحيىٰ يقول: محمد بن مسلم الطائفي لم يكن به بأس، وكان سفيان بن عيينة أثبت منه، ومن أبيه، ومن أهل قريته.
كان إذا حدث من حفظه، يقول: كأنه يخطئ، وكان إذا حدث من كتابه، فليس به بأس. »
وهناك أبو إسحاق السبيعي أحد السبعة الذين عليهم مدار الإسناد، وهو الذي فضله شعبة علىٰ مجاهد والحسن وابن سيرين في حسن الحديث، لوسع روايته وحفظه، وثمة غيره.
وهناك مالك في تثبته الشديد، فقد كان لا يسمع حديثًا وهو شاك فيه ولو في بعضه إلا طرحه، فكان بتثبته ذلك من علية الحفاظ، مع حفظ نفسه، ولكنه ليس وحده.
- قال ابن أبي حاتم فس باب ما ذُكِرَ من صحة حديث مالك وعلمه بالآثار من الجرح والتعديل:
« حدثنا الربيع بن سليمان قال سمعت الشافعي يقول: كان مالك إذا شك في بعض الحديث طرحه كله. »
- وقال:
« ذكر عبد اللَّه بن أبي عمر البكري، قال: سمعت عبد الملك بن عبد الحميد الميموني الرقي، قال: سمعت أحمد بن حنبل غير مرة يقول: كان مالك ابن أنس من أثبت الناس في الحديث، ولا تبالي أن لا تسأل عن رجل روى عنه مالك بن انس، ولا سيما مديني. »
وكذا مثل مالك في التثبت وأحسن شعبة، فكان معه حفظ نفسه، حافظًا بالتثبت العظيم والتوقي، فلا يكتفي بالسماع مرة، بل يسمع من الشيخ مرتين، بل كان يسمع منه مرارًا، فأي شيء كان حفظه وإتقانه!
- قال ابن أبي حاتم في باب ما ذُكِرَ من حفظ شعبة للحديث وإتقانه من الجرح والتعديل:
« نا أبي، قال: سمعت أبا الوليد الطيالسي، قال: سمعت حماد بن زيد يقول: إذا خالفني شعبة في شيء تركته، لأنه كان يكرر، ما أبالي من خالفني إذا وافقني شعبة، لأن شعبة كان لا يرضىٰ أن يسمع الحديث مرة. »
وفي لفظ: لأن شعبة كان لا يرضىٰ أن يسمع الحديث مرة، يعاود صاحبه مرارًا.
وكان مع ذلك شعبة إذا سمع حديث الشيخ من غيره ذهب إليه حتىٰ يسمعه منه مباشرة، فيتثبت منه.
- قال مسلم في التمييز:
« حدثنا محمود بن غيلان، ثنا وكيع، قال: سمعت شعبة يقول: سفيان الثوري أحفظ مني، وما حدثني عن شيخ، إلا واذا سألت الشيخ حدثني علىٰ ما قال سفيان. »
- وقد قال الترمذي كما في شرح العلل لابن رجب:
« ورب حديث إنما استُغرِبَ لزيادة تكون في الحديث، وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد علىٰ محله.
مثل ما روىٰ مالك بن أنس، عن نافع عن ابن عمر، قال: فرض رسول اللَّه عليه السلام زكاة الفطر في رمضان علىٰ كل حر أو عبد ذكر أو أنثىٰ من المسلمين صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير.
فزاد مالك في هذا الحديث: من المسلمين.
وروىٰ أيوب السختياني وعبيد اللَّه بن عمر، وغير واحد من الأئمة هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر، ولم يذكر فيه: من المسلمين.
وقد روىٰ بعضهم عن نافع مثل رواية مالك ممن لا يعتمد علىٰ حفظه.
وقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك واحتجوا به.
منهم الشافعي وأحمد بن حنبل، قالا: إذا كان للرجل عبيد غير مسلمين لم يؤد زكاة الفطر عنهم، واحتجا بحديث مالك.
فإذا زاد حافظ ممّن يعتمد علىٰ حفظه قُبِلَ ذلك عنه. »
- قال ابن رجب إثر المذكور:
« هذا أيضًا نوع من الغريب، وهو أن يكون الحديث في نفسه مشهورًا، لكن يزيد بعض الرواة في متنه زيادة تستغرب.
وقد ذكر الترمذي أن الزيادة إن كانت من حافظ يعتمد علىٰ حفظه، فإنها تقبل.
يعني: وإن كان الذي زاد ثقة لا يعتمد علىٰ حفظه لا تقبل زيادته.
وهذا أيضًا ظاهر كلام الإمام أحمد، قال في رواية صالح: قد أُنكِر علىٰ مالك هذا الحديث، يعني زيادته: من المسلمين.
ومالك إذا انفرد بحديث هو ثقة، وما قال أحد ممن قال بالرأي أثبت منه، يعني في الحديث.
وقال: قد رواه العمري الصغير والجمحي ومالك.
فذكر أحمد أن مالكًا يقبل تفرده، وعلل بزيادته في التثبيت علىٰ غيره، وبأنه قد توبع علىٰ هذه الزيادة.
وقد ذكرنا هذه الزيادة، ومن تابع مالكًا عليها في كتاب الزكاة، ولا تخرج بالمتابعة عن أن تكون زيادة من بعض الرواة، لأنّ عامة أصحاب نافع لم يذكروها.
وقد قال أحمد في رواية عنه: كنت أتهيب حديث مالك من المسلمين يعني حتىٰ وجده من حديث العمريين.
قيل له: أمحفوظ هو عندك من المسلمين؟، قال: نعم.
وهذه الرواية تدل علىٰ توقفه في زيادة واحد من الثقات، ولو كان مثل مالك، حتىٰ يتابع علىٰ تلك الزيادة، وتدل علىٰ أن متابعة مثل العمري لمالك مما يقوي رواية مالك، ويزيل عن حديثه الشذوذ والإنكار.
وسيأتي فيما بعد إن شاء اللَّه عن يحيىٰ القطان نحو ذلك أيضًا.
وكلام الترمذي ههنا يدل على خلاف ذلك وأن العبرة برواية مالك، وأنه لا عبرة ممن تابعه ممن لا يعتمد علىٰ حفظه.
وقال أحمد أيضًا: في حديث ابن فضيل عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي عطية، عن عائشة في تلبية النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم، وذكر فيها: والملك لا شريك لك.
قال أحمد: وهم ابن فضيل في هذه الزيادة، ولا تعرف هذه عن عائشة، إنما تعرف عن ابن عمر، وذكر أن أبا معاوية روىٰ الحديث عن الأعمش بدونها.
وخرجه البخاري بدونها أيضًا من طريق الثوري، عن الأعمش وقال: تابعه أبو معاوية.
قال الخلال: أبو عبد اللَّه لا يعبأ بمن خالف أبا معاوية في الأعمش، إلا أن يكون الثوري، وذكر أن هذه الزيادة رواها ابن نمير وغيره أيضًا عن الأعمش.
وكذلك قال أحمد في رواية الميموني: حديث أبي هريرة في الاستسعاء يرويه ابن أبي عروبة، وأما شعبة وهمام، فلم يذكراه، ولا أذهب إلىٰ الاستسعاء.
فالذي يدل عليه كلام الإمام أحمد في هذا الباب: إن زيادة الثقة للفظة في حديث من بين الثقات، إن لم يكن مبرزًا في الحفظ والتثبت علىٰ غيره ممن لم يذكر الزيادة ولم يتابع عليها، فلا يقبل تفرده.
وإن كان ثقة مبرزًا في الحفظ على من لم يذكرها ففيه عنه روايتان، لأنه قال مرة في زيادة مالك من المسلمين: كنت أتهيبه حتىٰ وجدته من حديث العمريين. »
أقول: ذكر أحمد لرواية العمري، إنما يريد به تقوية زيادة مالك إذ تأرجح القول بين قوله في الزيادة وقول غيره في تركها، لأن مالك متثبت كبير الشأن في نافع، وأولئك جماعة قد اجتمعوا.
فلما تابع مالك العمري، وهو غير مطرح الحديث متروكه، كانت لمتابعته عضد وتقوية لرواية مالك بالزيادة التي زاد، فكانت قرينة ليطمئن القلب لها.
فلا يصح رد مثل ذلك بضعف العمري، فإن الضعيف غير النطرح، قد يُستَدلُ بحديثه غير المنكر منه مع غيره، لا بما انفرد من الحديث، يُعضَدُ بحديثه الحديث ويُقوَّىٰ.
- وفي ذلك قال أحمد: « أنا قد أكتب حديث الرجل، كأني أستدل به مع حديث غيره يشده، لا أنه حجة إذا انفرد. »
ولا أرىٰ واللَّه أعلم أن الأمر علىٰ روايتين، بل الإمام أحمد يُفهَمُ حاله من حال شيوخه الذين أخذ عنهم علم الحديث، أعني عبد الرحمن بن مهدي ويحيىٰ القطان رحمهما اللَّه.
فقد يرجحون رواية الثقة المنفرد كما رجح يحيىٰ رواية سفيان علىٰ رواية جماعة.
وربما كان العكس كما أشار عبد الرحمن لترجيح الجماعة علىٰ رواية سفيان.
وربما توقفوا أو الواحد منهم حتىٰ يجد متابعة، كما توقف أحمد في رواية مالك، حتىٰ وجد له متابعة، فاطمأن قلبه لها.
- قال ابن أبي حاتم في باب ما ذُكِرَ من معرفة سفيان الثوري برواة الأخبار وناقلة الآثار وكلامه فيهم من الجرح والتعديل:
« نا محمد بن إبراهيم بن شعيب، نا عمرو بن علي، قال: سمعت سفيان بن زياد يقول ليحيىٰ في حديث أشعث بن أبي الشعثاء، عن زيد بن معاوية العبسي، عن علقمة، عن عبد اللَّه ختامه مسك.
فقال: يا أبا سعيد خالف أربعة، قال: من؟، قال: زائدة وأبو الأحوص وإسرائيل وشريك.
قال يحيىٰ: لو كانوا أربعة آلاف مثل هؤلاء كان سفيان أثبت منهم.
وسمعت سفيان بن زياد يسأل عبد الرحمن عن هذا، فقال عبد الرحمن: هؤلاء أربعة قد اجتمعوا، وسفيان أثبت منهم، والإنصاف لا بأس به. »
فهنا خالف سفيان نفر، فرجح يحيىٰ رواية سفيان، إذ كانت آية في الحفظ والتثبت.
وعبد الرحمن بن مهدي قال: هؤلاء أربعة قد اجتمعوا، فكأنه يشير لترجيح رواية الأكثر، وإن كان حفظ سفيان يوازي حفظهم بل هو أحفظ منهم، إذ هم أولىٰ بالحفظ حين اجتمعوا.
فكأن مذهب أحمد ويحيىٰ وعبد الرحمن في أمرنا هذا ليس متكئًا علىٰ أصل مطرد، واللَّه العالم.
هذا وقد ذكرنا العلة المتفق عليها فيما لو زاد ثقة عن جماعة، وذكرنا العلة المختلف فيها فيما لو زاد أحد علية الثقات عن جماعة، ولم نذكر علة زيادة الضعيف عن الثقات، لوضوح أمرها.
والحمد للَّه رب العالمين.
تعليقات
إرسال تعليق