الكلام عن الرواية بالمعنىٰ...
بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّه وعلىٰ آله الطيبين وصحبه الأبرار، وبعد:
فإن من الناس من إذا ما ضاق ذرعًا بشيء من السنة والحديث أخذ يدند عن أمر الرواية بالمعنىٰ.
فإذا صَعُب عليه حديث، قال: هو مروي بالمعنىٰ.
وهذا في اتخاذه الأمر مفزعًا كإخيه المريد تقليل شأن السنة والحديث، حتىٰ قد قال القائل: القرآن لفظ ومعنىً، والسنة معنىً لا لفظ.
وإني ذاكر أمرين عن الرواية بالمعنىٰ، فليتدبرهما العاقل الفهم، أيكون كعهما في الراوبة بالمعنىٰ حجة ومتعلق لأولئك القوم أم لا؟
فأولهما: إن الرواية بالمعنىٰ تكون في بعض لفظ الحديث لا كله، والمعنىٰ في ذلك واحد، كما يقال في هلم: تعال، وهكذا.
وإنما الرواية بالمعنىٰ لمن كان عليمًا بلغات العرب، مميزًا لمعاني ألفاظها، عارفًا بما يحيل المعنىٰ وبما لا يحيله.
قال ابن رجب في شرح علل الترمذي:
” وإنما يجوز ذلك لمن هو عالم بلغات العرب، بصير بالمعاني، عالم بما يحيل المعنىٰ، وما لا يحيله، نص علىٰ ذلك الشافعي. ”
يريد بكلامه هذا الرواية بالمعنىٰ.
وثانيها وهذه النقطة الأهم وهي أن الغالب مراعاة المحدثين للألفاظ كما هي.
فإن قيل: ما الدلالة المفهومة لكل من أراد أن يعرف صحة ما ذكرتَ؟
قيل: إنك لو ذهبت للأحاديث التي اشترك في روايتها المحدثين لوجدت تطابقًا وتوافقًا ظاهرًا اللهم إلا بعض الاختلاف في اليسير القليل هنا وهناك وهنا وهناك، كما ذكرنا في الأمر الأول.
يعني مثلًا فلان يقول: أبصر فلان، وعلان يقول: فلان أبصر، وهكذا.
مثلًا في حديث من لا يرحم لا يُرحم رُوِيَ الحديث تارة بلفظ: إنه من لا يرحم لا يُرحم، وتارة بلفظ: من لا يرحم لا يُرحم.
ورُوي حديثٌ بلفظ: أبصر الأقرع بن حابس، ورُوي تارة بلفظ: أن الأقرع بن حابس أبصر.
هذا وقد كان الصحابة يدققون في الألفاظ مما يدل علىٰ بعدهم عن الرواية بالمعنىٰ.
قال أبو عبد اللَّه البخاري في صحيحه:
” ٦٩٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّىٰ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَىٰ بْنَ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّهُمَا أَتَيَا أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، فَسَأَلَاهُ عَنِ الْحَرُورِيَّةِ، أَسَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ؟
قَالَ: لَا أَدْرِي مَا الْحَرُورِيَّةُ؟، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ - وَلَمْ يَقُلْ: مِنْهَا - قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ، أَوْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَىٰ سَهْمِهِ، إِلَىٰ نَصْلِهِ، إِلَىٰ رِصَافِهِ، فَيَتَمَارَىٰ فِي الْفُوقَةِ، هَلْ عَلِقَ بِهَا مِنَ الدَّمِ شَيْءٌ؟ ”
قول أبي سعيد الخدري: (ولم يقل: منها)، فيه دلالة واضحة علىٰ تدقيق الصحابة في الألفاظ أشد التدقيق.
هذا وهناك ما رُوي وصح عن أنس أنه كان يحدث بالحديث، فيقول: أو كما قال رسول اللَّه عليه الصلاة والسلام.
فإن وجه هذا لا يتبين إلا بجمع الباب بعضه إلىٰ بعض، كما أن وجه ما رُوي عن بعض الصحابة كابن عمر وغيره من ترك الرواية عن رسول اللَّه عليه السلام كذا وكذا من الزمان لا يتبين إلا بجمع الباب بعضه إلىٰ بعضه.
فهذا تورع واحتياط لا أنهم قد كانوا لا يروون الرواية عن النبي عليه السلام أو يستحبون الإقلال منها مع الحاجة لها، لأنهم رووا وحدثوا حتىٰ أكثر المكثر منهم كأبي هريرة دون نكير من غيره من الصحابة.
وكذلك ذلك إنما هو احتياط وتخوُّف لا أنه قد كان يروي بالمعنىٰ، فقد رُوي غير ذلك مما ذكرت وغيره مما دل علىٰ تدقيق الصحابة وتثبتهم وتحريهم الألفاظ كما هي، وهذا هو الظن بهم، وإن كان من أهل العلم من فهم أن من الصحابة من حدث بالمعنىٰ، واللَّه العالم.
وقد قال ابن عدي مقدمة في الكامل:
« الباب الثالث عشر: من كان منهم إذا حدث عنه فزع، وقال: أو كما قال، تحرجا من الزيادة.
حدثنا يحيى بن محمد بن البختري، حدثنا محمد بن عبيد بن حساب، حدثنا حماد بن زيد، عن ابن عون، عن محمد، قال: كان أنس قليل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فزع منه قال: أو كما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم. »
ففهم ابن عدي أن ذلك قد كان تحرجا وتخوفا من الزيادة، لا أن أنه للرواية بالمعنىٰ، وهذا الأليق بالصحابة.
والحمد للَّه رب العالمين.
تعليقات
إرسال تعليق