معنىٰ الإمام في القرآن الكريم

بسم اللَّه الرحمن الرحيم، وبعد:

فقد قال ابن قتيبة وما أحسن ما قال:

”الإمام: أصله ما أئتمتت به، (إني جاعلك للناس إماما)، أي يؤتم بك، ويُقتَدَى بسنته.”

هذا من كتابه تأويل مشكل القرآن.

وقال أحمد بن فارس في مقاييس اللغة:

”وَالْإِمَامُ: كُلُّ مَنِ اقْتُدِيَ بِهِ وَقُدِّمَ فِي الْأُمُورِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمَامُ الْأَئِمَّةِ، وَالْخَلِيفَةُ إِمَامُ الرَّعِيَّةِ، وَالْقُرْآنُ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ.”

وقال أبو عبد اللَّه البخاري في صحيحه:

”وقال ابن عباس ... إلىٰ أن ذكر قوله: ﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾، الْإِمَامُ كُلُّ مَا ائْتَمَمْتَ وَاهْتَدَيْتَ بِهِ.”

وقال ابن أبي حاتم في تفسيره:

”١١٧٤ - حَدَّثَنَا عِصَامُ بْنُ رَوَّادٍ الْعَسْقَلانِيُّ بِهَا، ثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيع، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، فَجَعَلَهُ اللَّهُ إِمَامًا يُؤْتَمُّ وَيُقْتَدَى بِهِ.”

هذا سند مقبول، وأبو جعفر يحتمل في مثل هذا المقطوع القصير علىٰ ما فيه.

وقال سفيان الثوري في تفسيره:

”عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قول اللَّه جل وعز: {وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمت فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إماما}، تقتدا”

هذا إسناد صحيح، وكأن المراد: يُقتَدى بك.

وقال ابن قتيبة في كتابه تأويل المشكل:

”ثم يُجعل الكتاب إمامًا يؤتم بما أحصاه، قال اللّٰه عز وجلّ: {يوم ندعو كل أناس بإمامهم}، أي بكتابهم الذي جُمعت فيه أعمالهم في الدنيا.

وقوله: {وكل شيء أحصيانه في إمام مبين}، يعني كتابًا، أو اللوح المحفوظ.”

وقال الطبري في تفسيره:

”... حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن: {يَوْمَ نَدْعُو كُلّ أُناسِ بإمامِهِمْ}، قال: بأعمالهم.

حدثنا محمد، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال الحسن: بكتابهم الذي فيه أعمالهم.”

هذا ثابت عن الحسن البصري رحمه اللَّه.

وأما قوله جل وجهه: {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين}، فهذا نظيره قوله تعالىٰ: {وَكُلَّ شَيءٍ أَحصَيناهُ كِتابًا} 

وإنما عنىٰ تبارك وتعالىٰ بالإمام المبين الكتاب المبين إذ كان في نظير الآية دلالة علىٰ ذلك.

والشيء يرد لنظيره ومثيله من الكلام فيُثبَت معناه ويُفسَر.

فإن قيل: أليس الأغلب من معاني الإمام الإمام المتبع المُقتَدى به من الأحياء كالبشر، فلم عدلنا عن الأغلب بقولنا: إن الإمام المبين هو الكتاب المبين .

قيل: وجه الكلام علىٰ الأغلب ما لم يأت صارف يصرف الكلام عن الأغلب من معانيه إلىٰ غيره.

وقد ذكرت الحجة من الكتاب علىٰ أن الإمام المبين إنما هو الكتاب المبين لا الإمام من البشر كما ادعىٰ بعض الرافضة، يريدون بذلك أن عليًّا يعلم كل شيء.

وهذا تشبيه للَّه بغيره في صفته وعلمه الغيب ممن يرمي أهل السنة بالتجسيم والتشبيه، فانظر كيف مكر اللَّه بهم، فأظهر لهم بقيلهم ذلك أنهم لما يذهبون إليه في علي والأئمة ناصرين من القرآن، وهم من حيث لا يدرون ولا يشعرون عادوا بقيلهم إلىٰ التشبيه الذي فرو منه.

فنعوذ باللَّه من خفي مكره.

وقال الطبري في تفسير الآية:

”حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد (فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) قال: في أم الكتاب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) كل شيء محصًى عند اللَّه في كتاب.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) قال: أم الكتاب التي عند اللَّه فيها الأشياء كلها هي الإمام المبين.”

هذه أسانيد صحاح وللَّه الحمد.

وإنما سمي الكتاب إمامًا لأن ما أحصاه يُتبَّع كالإمام المتبوع من البشر.

وقال ابن قتيبة في تأويل المشكل:

”... وقد يُجعل الطريق إمامًا لأن المسافر يأتم به ويستدل، قال اللَّه تعالىٰ: {وإنهما لبإمام مبين}، أي بطريق واضح.”

وإنما عنىٰ تبارك وتعالىٰ أن قرية سدوم بطريق مبين كما قال فيما لحق الكلام: (وإنها لبسبيل مقيم)

وسمىٰ تبارك اسمه الطريق الذي كانت به القرية إمامًا لأنه يُتبع، فيمر عليه الناس كما قال تعالىٰ: (وَإِنَّكُم لَتَمُرّونَ عَلَيهِم مُصبِحينَ)

قال عبد الرزاق الصنعاني في تفسيره:

”١٤٥٤ - عَنْ مَعْمَرٍ, عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَىٰ: {وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ}، قَالَ: طَرِيقٌ وَاضِحٌ.”

هذا سند صحيح.

معمر حفظ كلام قتادة نفسه، وأما الأسانيد فلم يحفظها عنه. 

قال الطبري:

”... وإنما جُعل الطريق إمامًا لأنه يُؤَم ويُتَّبع.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسىٰ وحدثني المثنىٰ، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد اللَّه، عن ورقاء وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، وحدثني الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ}، قال: بطريق معلم.”

هذا ثابت عن إمام المفسرين مجاهد، وتفسيره عن ابن عباس، واللَّه العالم.

وصل اللهم وسلم علىٰ نبينا محمد. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الخلاف في صفة الهرولة...

لم نزل القرآن متفرقًا علىٰ محكم ومتشابه؟

الجواب النبوي الشافي من داء القنوط...