الجواب النبوي الشافي من داء القنوط...
بسم اللَّه الرحمن الرحيم والصلاة والسلام علىٰ نبيه المبعوث رحمة للعالمين، وبعد:
فقد قال أبو بكر الخطيب:
” ... وَحُدِّثْتُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ الْفَقِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ -: إِنَّ قَوْمًا يَكْتُبُونَ الْحَدِيثَ وَلَا يُرَىٰ أَثَرُهُ عَلَيْهِمْ، وَلَيْسَ لَهُمْ وَقَارٌ؟
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يَؤُولُونَ فِي الْحَدِيثِ إِلَىٰ خَيْرٍ. ... ”
هذا ما ذكره الخطيب من شرف أصحاب الحديث.
وتلك الإجابة من أحمد علىٰ الإصابة والبركة، فإنها إجابة نبوية وجدتُ فيها شِفاءً لداء القنوط واليأس.
وذاك أن أحمد قد روىٰ في مسنده، فقال:
” ٩٧٧٨ - حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، قَالَ: أَرَىٰ أَبَا صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَىٰ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يُصَلِّي بِاللَّيْلِ، فَإِذَا أَصْبَحَ سَرَقَ.
قَالَ: إِنَّهُ سَيَنْهَاهُ مَا تَقُولُ. ”
فهذا معنىٰ إجابة أحمد تلك، لأن قوله ﷺ: (إنه سينهاه ما تقول)، أي سيؤول في قيام الليل إلىٰ خير، فسينهاه.
وهذا ما غفل عنه من استشكل قوله تعالىٰ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾
لأنه قال ذلك وكم ممن يصلي، وهو واقع بالفحشاء والمنكر؟.
وهذا سوء فهم، فإن نهي الصلاة عن ذلك للعاصي نهي مآلٍ وعاقبةٍ، فمن أقام الصلاة، فإنه سيؤول فيها إلىٰ خير، فستنهاه ويهديه اللَّه بها لأن من اهتدىٰ زاده اللَّه هدى، فهداه عن معصيته كما قال: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾
فهذا لا أنه إذ ما صلىٰ انتهىٰ عن الفحشاء والمنكر علىٰ سبيل المباشرة والفورية.
وإذا كان الأمر كما قلت فجواب الإمام أحمد الذي أخذه من جواب النبي ﷺ، هذا خيرُ شِفاءٍ لداء القنوط واليأس.
وذاك أن بعضهم يطلب العلم ولا يعمل به ولا ينتهي ولا يُرَىٰ أثره عليه، ويعصي هاهنا وهاهنا.
وربما ظن أنه لا يكون طالبًا للعلم وهو كذلك، فمثله يُقَال له: بل أكمل في طلب العلم لأنك ستؤول فيه إلىٰ خير، فسيهديك اللَّه به، ويهديك إلىٰ العمل به وترك معصيته.
وهذا فيمن هو كذلك عن ضعفِهِ وتقصيرِهِ، فأما من يطلب العلم ولا يريد العمل به أصلًا وأساسًا أو لا تهتم نفسه لذاك
فهذا يُوعَظ بقول عائشة: لا تستكثر حجج اللَّه عليك، أو كما قالت عليها السلام، يعني لا تطلبه وحده، ولا تريد أن تعمل به، فإنما هو حجة عليك حينئذ.
وكما قلنا ذلك نقول فيمن يتعبد ويتقرب للَّه تعالىٰ غير أنه يعصي ويذنب هاهنا وهاهنا، وربما قَنِط، وظن أنه لا يكون ملتزمًا ولا طائعًا وهو كذلك.
نقول لمثل هذا: بل أكمل في العبادة والطاعات، وألح بالدعاء، فستؤول بذلك إلىٰ خير، وليس من شرط الطائع ألا يُذنِب البتة غير أنه يتوب، ويكمل في الطاعة، ويتوقىٰ المعصية.
هذا ومثل ذلك الاعتبار في الكلام عتبار المآل والعاقبة جليل عِلمُه وتمِييزُه، فإن الكلام ربما أتىٰ وهو بهذا الاعتبار وظنه الظان علىٰ اعتبار الفورية والمباشرة.
ومن أمثلة ذلك قول الفضيل بن عياض:
( صاحب البدعة لا تأمنه علىٰ دينك، ولا تشاوره في أمر، فإنه من جلس إلىٰ صاحب بدعة ورثه اللَّه العمىٰ. )
فهذا الكلام الأخير باعتبار المآل والعاقبة.
والمبتدع أعمىٰ كما قال تعالىٰ: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ﴾
وكل مبتدع لا يرىٰ أن ما أنزله الحق في الباب الذي خالف فيه فهو أعمىٰ.
فإذا كان أعمىٰ، فمن جالس عميان البصيرة أُوِشَك أن يُلحَق بهم.
هذا وصل اللهم وسلم علىٰ نبينا محمد.
تعليقات
إرسال تعليق