من أين علمنا أن الحق مع أصحاب الحديث؟
بسم اللّٰه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللّٰه، وبعد:
فلدينا الفرقة الفلانية والفرقة الفلانية والفرقة كذا والفرقة كذا فمن أين نستيقن أن الفرقة الناجية هي فرقة أهل الحديث؟
أقول: قد قال جل وعلا: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا أَطيعُوا اللَّهَ وَأَطيعُوا الرَّسولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم فَإِن تَنازَعتُم في شَيءٍ فَرُدّوهُ إِلَىٰ اللَّهِ وَالرَّسولِ إِن كُنتُم تُؤمِنونَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ ذلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَأويلًا﴾
فنطقت الآية فأبانت بأن من لم يرد الأمر للّٰه عز وجل وللرسول صلَّىٰ اللَّه عليه لم يكن مؤمنًا كامل الإيمان، وربما كان كافرًا بحسب الأمر.
وكل أهل الفرق مع اختلافهم لا يتنازعون قولًا بأن الهدى مع الكتاب والسنة، وأن من اتبعهما ولم يقدم عليهما شيئًا، أفلح ونجا، ومن اتبع غيرهما وقدمه عليهما خاب وخسر.
فمن هاهنا يأتي الجواب.
قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث:
” فإن قالوا: إن أهل المقالات المختلفة يرىٰ كل فريق منهم أن الحق فيما اعتقده، وأن مخالفه علىٰ ضلالٍ وهوىً، وكذلك أصحاب الحديث فيما انتحلوه، فمن أين علموا يقينًا أنهم علىٰ الحق؟
قيل لهم: إن أهل المقالات وإن اختلفوا ورأىٰ كل صنف منهم أنّ الحق فيما دعا إليه، فإنّهم مجمعون لا يختلفون علىٰ أن من اعتصم بكتاب اللّٰه عز وجل، وتمسك بسنة نبيه ﷺ، فقد استضاء بالنور، واستفتح الرشد، وطلب الحق من مظانه.
وليس يدفع أهل الحديث عن ذلك إلا ظالم: لأنهم لا يردون شيئًا من أمر الدين إلىٰ استحسان، ولا إلىٰ قياس ونظر، ولا إلىٰ كتب الفلاسفة المتقدمين، ولا إلىٰ أصحاب الكلام المتأخرين. “
فهذا ولن يستقيم لأحد مقدم رأيه وقياسه ونظره أصول ما يدان به، ورؤوس ما يُسأل عنه، علىٰ كمال وتمام، إذ كان الناس في الرأي والقياس والعقل مختلفين غير مجتمعين، إلا من جهة التقليد.
ولو كان في العقل والقياس كفاية وتمام، لما كان وحي، ولما أُرسِلت الرسل، ولما قال: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾، دون قول العقول والفطر أن تكون قولًا فصلًا في التوحيد وما اختلف فيه المشركون والمؤمنون.
ألا تراه يقول عن الإنسان: ﴿وَحَمَلَها الإنْسانُ﴾، أي كل إنسان، كما قال: ﴿وَإذَا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ﴾، وقال: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادحٌ إلىٰ رَبِّك كَدْحًا﴾، أي كل إنسان.
قال: ﴿وَحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، مع ما عنده من صحيح العقل والنظر، وثابت الضرورة والفطر في نفسه.
وهذا لأن ذاك قد يُغيِّر بالتعليم والتلقين، وبالشبه والتلبيس، وإن لم يغير فلا يكفيه، وهو معه جاهل، يعرف جملة الأمر لا كله، ولا له من القول قول فصل، يفصل فيه بين الحق وبين غيره كل الفصل.
قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث عن أهل الكلام ممن ردوا الأصول للعقول عقولهم وما هم عليه:
” وقد كان يجب -مع ما يدعونه من معرفة القياس وإعداد آلات النظر- أن لا يختلفوا، كما لا يختلف الحساب والمساح والمهندسون، لأن آلتهم لا تدل إلا علىٰ عدد واحد، وإلا علىٰ شكل واحد، وكما لا يختلف حذاق الأطباء في الماء وفي نبض العروق، لأن الأوائل قد وقفوهم من ذلك علىٰ أمر واحد، فما بالهم أكثر الناس اختلافًا، لا يجتمع اثنان من رؤسائهم علىٰ أمر واحد في الدين.
فأبو الهذيل العلاف خالف النظام، والنجار يخالفهما، وهشام بن الحكم يخالفهم، وكذلك ثمامة ومويس وهاشم الأوقص وعبيد اللَّه بن الحسن وبكر العمي وحفص وفلان وفلان.
ليس منهم واحد إلا وله مذهب في الدين، يدان برأيه، وله عليه تبع.
ولو كان اختلافهم في الفروع والسنن، لاتسع لهم العذر عندنا، وإن كان لا عذر لهم مع ما يدعونه لأنفسهم، كما اتسع لأهل الفقه، ووقعت لهم الأسوة بهم.
ولكن اختلافهم في التوحيد، وفي صفات اللَّه تعالىٰ، وفي قدرته، وفي نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار، وعذاب البرزخ، وفي اللوح، وفي غير ذلك من الأمور التي لا يعلمها نبي إلا بوحي من اللَّه تعالىٰ.
ولن يعدم هذا من رد مثل هذه الأصول إلىٰ استحسانه ونظره وما أوجبه القياس عنده، لاختلاف الناس في عقولهم وإراداتهم واختياراتهم.
فإنك لا تكاد ترى رجلين متفقين، حتىٰ يكون كل واحد منهما، يختار ما يختاره الآخر، ويرذل ما يرذله الآخر، إلا من جهة التقليد. “
وإنما أراد في قوله أنهم لا يردون أمرًا من الدين للقياس والنظر، أنهم كذلك لا يردون أمرًا من الاعتقاد الذي انتحلوه لذلك، إذ في ذلك نص مُوحَىً قد جاء وظهر، فيردون به الآيات والسنن الأثر، كما كان يفعل أهل البدع والرأي.
وأما نفي القياس والنظر نظر العقل من أصله، فلا، إذ نظر العقل والقياس سنة ودليل شرعي في الاعتقاد بحل حلال أو حرمة حرام في غير ما جاء به نص وظهر، وحتىٰ في الاعتقاد بغيب هو كذلك شريطة أن يكون ذلك مع نص تثبيتًا له وعضدًا دون أن يكون ردًّا له.
- يدلك علىٰ أن ذلك كذلك حديث أبي رزين العقيلي: ضحِك ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِهِ، قال: قلت: يا رسول اللَّه أو يضحك الرب؟، قال: نعم، قلت: لن نعدم من رب يضحك خيرًا.
وغيره: رحمته.
فانظر كيف أقره النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم - وما أقره فهو سنة - في معقوله الذي جاء به مع النص تثبيتًا له، إذ جعل الضحك منه لخلاف الشيء نظيره، ووفاقه غيره، حين أيس وأبلس العباد من أن ينزل اللَّه المطر، وهو سينزله.
جعله، إذ كان لا يُعدَم بعده الخير، ويُؤتىٰ به، كسائر ما هو مثل ذلك مما لا يُعدَم معه الخير ويُؤتىٰ به، في أنه خير ورحمة يستحقه اللَّه المتصف بكل خير ورحمة لعباده.
وهذا من بالغ القياس الذي بلغ مراد صاحبه، وأحاط العالم به علىٰ العلم بصحته، فرحم اللَّه أبا رزين، فقد كان فقيهًا.
وأما معارضة نص جاء من علام الغيوب من علمه وحكمته بقياس فقه أو نظر عقل، كما كان يفعل أهل الكلام والرأي، فإن صاحب ذلك في رده النص به يعود إلىٰ علم اللَّه وحكمته.
فإذا رد نصًّا بقياس فقه، فقياسه إنما هو علىٰ نصٍ متبعٍ علمٍ من علم اللَّه وحكم من حكمته، قاس عليه.
وإذا رد نصًّا بعقل، فعقله إنما هو علم من علم علام العيوب وحكمة منه، اعتقدها هو فيه.
قال تعالىٰ:﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾
أي أحسن كل شيء إتقانًا له، كما في نظير الآية.
- وروىٰ ابن أبي نجيح - وروايته صحيحة من كتاب القاسم بن أبي بزة - تفسير مجاهد للآية، إذ قال: أتقن كل شيء خلقه.
وتفسير مجاهد عن ترجمان القرآن ابن عباس.
وكما قال تعالىٰ يعتقد كل إنسان، يستعمل عقله ثقةً به، معتقدًا فيه الإتقان والإحكام من الخلل والتضاد، إذ كان موضوعًا في موضعه، لغاية الفهم به.
وفي هذا إمام وحجة لمن لا إمام له علىٰ أن علم اللَّهِ وحكمتَه هو الضرورة الأصل، إذ كان حتىٰ مُنكِر ذلك عن أصله أو ما كان منه في رده له يعود إليه، معتقدًا به مؤمنًا، فدل علىٰ أنه كذلك ضرورة وأصل.
ولذا فإن قيل: كيف نستدل بما ينازعنا فيه غيرنا من نفاة الخلق علىٰ أنه ضرورة وأصل مقدم، وإنما هم بالنزاع فيه ينكرون هذا.
وربما قال قائلهم: فإن كانت الفطرة قد تتبدل عندكم، فما أدراكم أن ما تقولون به هو الفطرة.
وربما قال أحدهم: فلماذا لا يكون ما تقولون أنه الفطرة هو من اجتيال الشياطين، كما في الحديث عندكم أن الشياطين اجتالوا الناس بعد أن كانوا حنفاء.
قيل: إن منازعنا فيما ندعي أنه أصل وضرورة من إله عالٍ علىٰ خلقه حكيم في أمره عليم بكل شيء، هو في ذلك يعود لما نازع فيه، معتقدًا الحكمة والعلم في عقله، متكلمًا عن الإله، إذ هو تكلم في جحوده علىٰ أنه عالٍ علىٰ خلقه، فيقول: لو نزل اللَّه من السماء، ولو كان إله فوق، وما أشبه ذلك.
وتجد أحدهم يشير بإصبعه تارة، وأخر يتوجه بوجه لأعلىٰ تارة، إذا ما تكلم عنه، أو كُلِّم.
هذا علىٰ أن نزاع المنازع في ذلك لا يعني شيئًا، إذ كان الأمر علىٰ عناد معناده أو خلط خالطه إياه بالباطل، ظاهرًا جليًّا عند الطرفين في أن الإيمان بعلو الإله وعلمه وحكمته أصل في البشر، لا يزولون عنه إلا بالتعليم والتلقين، أو الشبه والتلبيس.
فأنىٰ يكون هذا ما بدلت به الفطرة، أو غيرها مع أن المنازع في نزاعه يدعي أن العقل والنظر قاضٍ بخلاف ذلك، ودال علىٰ غيره.
فكيف يجتمع علىٰ ما يدعي أنه كذلك الناس، بل يكون الأصل فيهم، إلا أن يقول: إنها الفطرة؟
وبعد، فليس كل نزاع لا يُستدل معه، ولا يقال في الذي نوزع فيه: إنه ضرورة وفطرة أو أصل ظاهر، لأن من النزاع ما هو محض عناد وكبر لما هو كذلك، ومنه ما هو مثل ذلك عناد وكبر بخلط المشتبه للرد بالواضح، الذي هو واضح مع ذلك عند الطرفين.
وهذا الأخير صنع أهل الرأي مع علم مشتبه قياسهم، وأهل الكلام مع علم متشابه معقولهم.
وألا تراه يقول: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا ۚقُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾
وإنما أنكروا بقوله: لست مرسلًا، أن يكون اللَّه الذي منه علم الكتاب شهيدًا بينه وبينهم علىٰ أن ما جاء به كتاب من اللَّه، وأنه نبيه.
وليس هذا بشيء، لما أنهم عرفوه صادقًا أمينًا، فلما أنذرهم كذبوه كبرًا محضًّا، أو كبرًا بتتبع ما اشتبه من العلم ابتغاء الفتنة بالشبهة، علىٰ ما هو واضح من العلم عندهم مع ذلك.
وبعد فليس في الاستدلال عليهم من جهة ما أنكروا شيء.
وكذلك ليس علينا في الاستدلال بما ينكره غيرنا من علو اللَّه وعلمه وحكمته علىٰ أنه ضرورة وأصل شيء.
وإذا كان ذلك كذلك، فما سوىٰ ما ذكرنا من الأصل والضرورة، وما كان منه من صحيح النص المُوحىٰ، هو الفرع الهين، والفرع يُرَد لأصله، ليميز صحيحه من سقيمه، ولا يُرَد هو به.
فالعقل والقياس يرد للنص الظاهر الصحيح، الذي هو علم اللَّه وحكمته، ليعرف الصريح منه المقبول والمشتبه منه المرفوض.
وألا تراه يقول: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾
فمن جاءه العلم من اللَّه، فليس له في اتباع ما يهوىٰ الناس من الاعتقاد والقياس مما خالف ذلك حجة، بل الحجة عليه، وما له من اللَّه من واق بقيه عذابه علىٰ خلافه.
ولقد قال تبارك وتعالىٰ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾
وإنما ردوا تحريمه بقياس.
- قال مجاهد في رواية ابن أبي نجيح عنه - وكلامه في التفسير عن ابن عباس -: قول المشركين: أما ما ذبح اللَّه -الميتة- فلا تأكلون منه, وأما ما ذبحتم بأيديكم فهو حلال؟!
وإنما لم تؤكل لأنها مما لم يذكر اسم اللَّه عليه، فهنالك فارق ذو أثر.
- وصدق الإمام أحمد إذ قال: أكثر ما يغلط الناس من جهة التأويل والقياس.
ذكر ذلك عنه ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية.
وإنما نظر العقل ما لم يأت بذلك نص مع النص طلبًا لما يثبته، وليس كل أحد يكون له ذلك، أن ينظر بعقله مع نص تثبيتًا له، إذ كان وِفاقه المعقول، وخِلافه المجهول، وإن ظُن غير ذلك.
وكم ممن يخالف قاصر عقله نصًّا موحىٰ وإجماعًا معصومًا من الصحابة في رؤوس الدين، الذين كانوا بنعمته مؤتلفين بألفة الإسلام والإيمان غير مختلفين في أصوله، كما قال ذاكرًا نعمته عليهم: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾
وجعل في خلاف سبيلهم وطريقهم النار، فقال: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾
وجعل إيمانهم مقياسًا، يُقاس به صحيح الإيمان، فقال: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا﴾
فكم ممن خالف قاصر عقله ذلك، وليس له إلا الإيمان والتسليم، لما قد عَقِله من جملة صحة الإيمان بما آمن به النبي وأصحابه صلَّىٰ اللَّه عليه وعلبهم وسلم، وإن جهل وجه بعض ذلك، وخالف عقله ونظره.
فجهل بعض الأمر لا يُرَد به الأمر، وقد عُلِم جملته، وأن ما كان منه، فمن الحق علمناه أم جهلناه، كما قال تعالىٰ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾
- وروىٰ سعيد بن أبي عروبة - وهو يروي من كتاب فلا يضر تدليسه بحال - تفسير قتادة للآية، إذ قال: أي يعلمون أنه كلام الرحمن، وأنه الحق من اللَّه.
وقال تعالىٰ: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، إلىٰ قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾
فهذا تواضع قلوب ملائكة اللَّه، إذ ردوا ما جهلوا من علم اللَّه وحكمته في جعله خليفة من البشر في الأرض له، لما عرفوا من جملة علمه وحكمته في تعليمه آدم الأسماء كلها، فسلموا لما أنكروه قابلين له،.وسجدوا، إلا إبليس، الذي ما سلم قلبه لأمر اللَّه بالسجود لآدم تشريفًا له عليه، لعلمه بفضله وكرمه، إذ خلقه بيديه، وعلمه الأسماء، وأنعم عليه ما لم ينعم علىٰ غيره.
فرد علم اللَّه بمشتابه علمه وقياسه، وقد عرف علمه وحكمته في تعليمه آدم الأسماء كلها، وقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقتنه من طين، والنار تحرق الطين، فأنا خير منه، إذ أصل خلقي من شيء هو أفضل من أصل خلقه.
فانظر رعاك اللَّه بعينه كيف كان خلق اللَّه علىٰ طريقين، ولم يزالوا كذلك، فانظر أيه الطريقين أحب إليك.
وألا تراه يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾، أُحكِمن من الخلل والتضاد، فهن مفصلات مبينات، ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، جملته وأكثره، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، يتشابه ما فيهن من العلم بأخر من غيره، حتىٰ لا يكاد يُميز هذا من ذاك.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، ميل عن سواء السبيل من استكبار، أو حسد، أو حب للشهوات، وابتغاء حلها ورد تحريمها، أو ورغبة باتباع الأتباع بالإغراب والتميز بالبدع والضلال، وغير ذلك.
- وقد قال معاذ بن جبل في الأثر الصحيح عنه: إن من ورائكم فِتنًا، يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، حتىٰ يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟
ما هم بمتبعي حتىٰ أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة.
انتهىٰ كلامه.
وقال تعالىٰ: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾، بالشبهات علىٰ الحق الظاهر، ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِه﴾، ابتغاء تفسيره بما ينقض المحكم.
ويخادع أهل البدع والضلال العوام ومن لا دراية له بما يظهرون لهم من الشبه والآيات، معرضين عن المحكم والسنن المبينات، قائلين: هذا قول اللَّه، أنهم إنما قصدوا قولًا من وحيه، وأرادوا خيرًا من مظنته، فهم علىٰ هذا أهل اتباعٍ عذرٍ هم فيه معذورون.
بل: ﴿الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾
ولو كانوا صادقين، لما قصدوا من النص ما يهوون، وتركوا ما لا يشتهون، ولما أرادوا خيرًا من مظنة الاشتباه والاحتمال، وصدفوا عن مظنة اليقين والبيان.
وإنما خدعوا بما أظهروا من الحال حال الخير أنفسهم وما يشعرون، وسقوها كأس عطبها، وأغلقوا عليها باب توبتها، إذ أظهروا لها اتباعها وعذرها، فأنىٰ يراجعونها في مُستبَصر عقد قلبها فيرجعون، أو يتركون ذلك عند قيام الحجة فيهتدون، إلا ما شاء اللَّه.
وهل هذا إلا كخداع المنافقين أنفسهم وهم قد أفسدوا في الأرض وعصوا بقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، في الأرض ومطيعون بما أتينا من طاعة مع المسلمين.
ولو كانوا صادقين، لأطاعوا بعد أن تولوا عن المسلمين، ولما سعوا في الأرض ليفسدوا فيها بعد إصلاحها، ويهلكوا الحرث والنسل، و: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾
وقال: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَ﴾، يقول: لا تنافقوا، فتفسدوا بعد أن أطعتم مع المطيعين.
وكذلك أولئك قد مكروا بأنفسهم بما أظهروا لها وقالوا أن ما كان منهم من استبصار البدع والأهواء اتباع وقول من اللَّه، وعذر هم فيه إن غلطوا معذورون، كالمعذور من العلماء في اجتهاده وطلبه العلم من مظنته إن غلط.
وأنىٰ ذلك، فالعالم بالسنة المجتهد بل والجاهل المعذور في استبصاره شيئًا خلاف الصواب والاعتقاد لا يتقصد المشتبهات وهناك غيرها، أو تعترضه ولما يأتيه غيرها، فإذا ظهر له العلم وراجع نفسه رَجِع، وإذا بُيِّن له عاد فلم يكابر، لأن ما به ليس عن هوىٰ قلب ولا عن زيغه.
وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾
فما ذنبهم إن كانوا لا يعقلون؟، إنما جعلهم شرار الدواب عنده، إذ كان جهلهم لهوىٰ أنفسهم، فلو: ﴿عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، في قلوبهم، ﴿لَّأَسْمَعَهُمْ﴾، لأفهمهم، لأنهم لن يتقصدوا رد ظاهر العلم بمشتبهه، فسيفهمون.
وذلك كما ردوا العلم بصدقه بمشتبه علم النسخ الذي التبس عليهم أنه علم بكذبه، فقالوا إذا ما: ﴿بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾، قالوا: ﴿إنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
قال: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾، لأن ما بهم من جهل قد كان عن ميل قلب، فإن أسمعهم، فأفهمهم لولَّوا مدبرين.
فهذا ولكن يكون ذلك لمن وفقه اللَّه لصحيح العقل ممن لا يتقصد ولا يتيمم رد جملة الحق وأصله عن زيغ وميل قلبه، وقلة صدقه مع نفسه في اتباعه، وانعدام إنصافه، بشبه بعض الحق.
وأما القياس لفقه حكم من حلال وحرام وما أشبه ذلك، فإنما هو في الضرورة، ما لم نجد نصًّا قِسنا، وليس لنا ذلك، بل لمن هو أهل للقياس.
وهؤلاء هم العلماء أهل الفقه بمسائله، والعلماء أهل الفقه فقه الدين القيم وملة إبراهيم فقه السنة والاعتقاد.
وهو علم ظاهر حلال وحرام اللَّه، المميز للمسلم عن الكافر، والمتبع عن المبتدع، علىٰ شريطة اتباع ذلك العلم بالعمل الواجب به، والتسليم للنص إذا بان، دون استجازة الشذوذ عنه بشاذ من العلم أو قياس.
ألا تراه يقول: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ومن التسليم له بالطاعة، التسليم لرسوله بالطاعة، إذ: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾
وإن مما يدلك علىٰ زيغ قلب من عارض نصًّا قد جاءه بقياس، فإذا هو بين يديه ظاهر، كما كان يفعل أهل الرأي، أنه قد ضيع الأصول، فأعرض بإقباله علىٰ مثل ذلك من القياس قبل طلبه الحديث والأشباه والنظائر منه، حتىٰ يستفرغ جهده في ذلك.
- وروىٰ عبد اللَّه بن أحمد في السنة عن محمد بن أبي عتاب الأعين، ثنا محمد بن عبيد الطنافسي، عن سفيان الثوري، قال: كان أبو حنيفة نبطيًّا استنبط الأمور برأيه.
وكل الفقهاء يستنبطون برأيهم، كما قال أبو عمرو الأوزاعي: إنا لا ننقم علىٰ أبي حنيفة الرأي، كلنا يرىٰ، إلىٰ آخر ما قال.
ولكن سفيان يريد أنه فيما أخذ عليه الناس من رد السنن بالرأي والقياس، قد كان يستنبط بقياسه عجلًا منه إليه، قبل أن يطلب الحديث، مستفرغًا جهده في ذلك، حتىٰ ضيع الأصول، وخالف سننًا كوفية لا يعذر بخفاءها عليه وهو كوفي، كما قد يعذر بذلك من ليس بكوفي، لأن خفاءها عليه لا يكون إلا عن تقصير منه وتفريط.
- وروىٰ ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل عن محمد بن عبد اللَّه بن الحكم، قال: سمعت الشافعي: قال لي محمد بن الحسن: أيهما أعلم صاحبنا أم صاحبكم؟، يعني أبا حنيفة ومالك بن أنس.
قلت: علىٰ الانصاف؟، قال: نعم.
قلت: فأنشدك اللَّه من أعلم بالقرآن صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: صاحبكم، يعني مالكًا.
قلت؛ فمن أعلم بالسنة صاحبنا أو صاحبكم؟، قال: اللهم صاحبكم.
قلت: فأنشدك اللَّه من أعلم بأقاويل أصحاب رسول اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم والمتقدمين صاحبنا أو صاحبكم؟، قال: صاحبكم.
قال الشافعي: فقلت: لم يبق إلا القياس، والقياس لا يكون إلا علىٰ هذه الأشياء، فمن لم يعرف الأصول، فعلىٰ أي شيء يقيس؟
فهذا ولكنه خادع غيره ممن لا يفقه حاله، وأظهر له بما معه من الحديث الذي قاس عليه، مفرطًا في طلب ذلك مقصرًا، أنه إنما عرف القياس بمعرفة الحديث وطلبه.
ولو كان صادقًا لما عجل لقياسه قبل طلبه حق الطلب، فإذا ظهر له حديث رده به، ولا عجب، ففيه قلبه من قلة الصدق في طلب الحديث والقول به ما فيه.
وأهل هذا الصنف من شرار المبتدعة الضلال، فأولئك يقدمون نصًّا وإن اشتبه، وهؤلاء يقدمون قياسًا وإن اشتبه، والقياس المشتبه أقل من النص المشتبه بكل حال.
ولذا كان شر قياس إبليس أعظم الشر بمقابل شر معصية آدم، الذي هو أهون الشر، لأنه دون الخلاف بقياس ونص مشتبه، إذ قال: ﴿أَنَا۠ خَيۡرٌ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٍ﴾
فقاس لزيغ في قلبه وكبر عن أن يفضله آدم عليه السلام، فيسجد له تشريفًا.
قاس مع علم اللَّه وأمره أقل القياس اشتباهًا وظنًّا، فما قياسه بقياس يغلب المرء علىٰ الظن صحته، فضلًا عن أن يكون قياسًا يحيط العالم به علىٰ العلم بصحته، وليس في الاحتمال جائز من القياس غيره.
قال أبو جعفر الطبري في تفسير الآية وتأويلها:
” وأما قوله: ﴿أنا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾
فإنه خبر من اللَّه جلَّ ثناؤه عن جواب إبليس إياه إذ سأله: ما الذي منعه من السجود لآدم، فأحوجه إلىٰ أن لا يسجد له، واضطرّه إلىٰ خلافه أمره به وتركه طاعته، أن المانع كان له من السجود والداعي له إلىٰ خلافه أمر ربه في ذلك أنه أشدُّ منه يدًا وأقوىٰ منه قوة وأفضل منه فضلًا، لفضل الجنس الذي منه خلق وهو النار، من الذي خلق منه آدم وهو الطين.
فجهل عدوُّ اللَّه وجه الحقِّ، وأخطأ سبيل الصواب، إذ كان معلومًا أن من جوهر النار: الخفة والطيش والاضطراب والارتفاع علوًّا، والذي في جوهرها من ذلك هو الذي حمل الخبيثَ بعد الشقاء الذي سبق له من اللَّه في الكتاب السابق علىٰ الاستكبار عن السجود لآدم والاستخفاف بأمر ربه، فأورثه العطب والهلاك.
وكان معلومًا أن من جوهر الطين: الرزانة والأناة والحلم والحياء والتثبت، وذلك الذي في جوهره من ذلك كان الداعي لآدم بعد السعادة التي كانت سبقت له من ربه في الكتاب السابق إلىٰ التوبة من خطيئته ومسألته ربه العفو عنه والمغفرة.
ولذلك كان الحسن وابن سيرين يقولان: أوّل من قاس إبليس، يعنيان بذلك: القياس الخطأ، وهو هذا الذي ذكرنا من خطأ قوله وبُعده من إصابة الحقّ في الفضل الذي خصّ اللَّه به آدم علىٰ سائر خلقه من خلقه إياه بيده، ونفخه فيه من روحه، وإسجاده له الملائكة، وتعليمه أسماء كلّ شيء مع سائر ما خصه به من كرامته، فضرب عن ذلك كله الجاهل صفحاً، وقصد إلىٰ الاحتجاج بأنه خلقه من نار وخلق آدم من طين، وهو في ذلك أيضًا له غير كفء، لو لم يكن لآدم من اللَّه جلَّ ذكره تكرمة شيء غيره، فكيف والذي خصّ به من كرامته يكثر تعداده ويُمِلّ إحصاؤه؟. “
هذا وصل اللهم وسلم علىٰ نبينا الحبيب.
تعليقات
إرسال تعليق