من أين علمنا أن الحق مع أصحاب الحديث؟

بسم اللّٰه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللّٰه، وبعد:

فلدينا الفرقة الفلانية والفرقة الفلانية والفرقة كذا والفرقة كذا فمن أين نستيقن أن الفرقة الناجية هي فرقة أهل الحديث؟

أقول: قد قال جل وعلا: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا أَطيعُوا اللَّهَ وَأَطيعُوا الرَّسولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم فَإِن تَنازَعتُم في شَيءٍ فَرُدّوهُ إِلَىٰ اللَّهِ وَالرَّسولِ إِن كُنتُم تُؤمِنونَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ ذلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَأويلًا﴾ 

فنطقت الآية فأبانت بأن من لم يرد الأمر للّٰه عز وجل وللرسول ﷺ لم يكن مؤمنًا كامل الإيمان، وربما كان كافرًا بحسب الأمر.

وكل أهل الفرق مع اختلافهم لا يتنازعون قولًا بأن الهدى مع الكتاب والسنة، وأن من اتبعهما ولم يقدم عليهما شيئًا، أفلح ونجا، ومن اتبع غيرهما وقدمه عليهما خاب وخسر.

فمن هاهنا يأتي الجواب.

قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث:

”... فإن قالوا: إن أهل المقالات المختلفة يرىٰ كل فريق منهم أن الحق فيما اعتقده، وأن مخالفه علىٰ ضلالٍ وهوىً، وكذلك أصحاب الحديث فيما انتحلوه، فمن أين علموا يقينًا أنهم علىٰ الحق؟

قيل لهم: إن أهل المقالات وإن اختلفوا ورأىٰ كل صنف منهم أنّ الحق فيما دعا إليه، فإنّهم مجمعون لا يختلفون علىٰ أن من اعتصم بكتاب اللّٰه عز وجل، وتمسك بسنة نبيه ﷺ، فقد استضاء بالنور، واستفتح الرشد، وطلب الحق من مظانه.

وليس يدفع أهل الحديث عن ذلك إلا ظالم: لأنهم لا يردون شيئًا من أمر الدين إلىٰ استحسان، ولا إلىٰ قياس ونظر، ولا إلىٰ كتب الفلاسفة المتقدمين، ولا إلىٰ أصحاب الكلام المتأخرين.”

فهذا ولن يستقيم لأحد مقدم رأيه وقياسه ونظره أصول ما يدان به، ورؤوس ما يُسأل عنه، علىٰ صحة وتمام، إذ كان الناس في الرأي والقياس والعقل مختلفين غير مجتمعين، إلا من جهة التقليد.

ولو كان في العقل والقياس كفاية وتمام، لما كان وحي، ولما أُرسِلت الرسل، ولما قال: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾، دون قول العقول والفطر أن تكون قولًا فصلًا في التوحيد وما اختلف فيه المشركون والمؤمنون.

ألا تراه يقول عن الإنسان: ﴿وَحَمَلَها الإنْسانُ﴾، أي كل إنسان، كما قال: ﴿وَإذَا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ﴾، وقال: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادحٌ إلىٰ رَبِّك كَدْحًا﴾، أي كل إنسان.

قال: ﴿وَحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، مع ما عنده من صحيح العقل والنظر، وثابت الضرورة والفطر في نفسه.

وهذا لأن ذاك قد يُغيِّر بالتعليم والتلقين، وبالشبه والتلبيس، وإن لم يغير فلا يكفيه، وهو معه جاهل، يعرف جملة الأمر لا كله، ولا له من القول قول فصل، يفصل فيه بين الحق وبين غيره كل الفصل.

قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث عن أهل الكلام ممن ردوا الأصول للعقول عقولهم وما هم عليه:

”... وقد كان يجب -مع ما يدعونه من معرفة القياس وإعداد آلات النظر- أن لا يختلفوا، كما لا يختلف الحساب والمساح والمهندسون، لأن آلتهم لا تدل إلا علىٰ عدد واحد، وإلا علىٰ شكل واحد، وكما لا يختلف حذاق الأطباء في الماء وفي نبض العروق، لأن الأوائل قد وقفوهم من ذلك علىٰ أمر واحد، فما بالهم أكثر الناس اختلافًا، لا يجتمع اثنان من رؤسائهم علىٰ أمر واحد في الدين.

فأبو الهذيل العلاف خالف النظام، والنجار يخالفهما، وهشام بن الحكم يخالفهم، وكذلك ثمامة ومويس وهاشم الأوقص وعبيد اللَّه بن الحسن وبكر العمي وحفص وفلان وفلان.

ليس منهم واحد إلا وله مذهب في الدين، يدان برأيه، وله عليه تبع.

ولو كان اختلافهم في الفروع والسنن، لاتسع لهم العذر عندنا، وإن كان لا عذر لهم مع ما يدعونه لأنفسهم، كما اتسع لأهل الفقه، ووقعت لهم الأسوة بهم.

ولكن اختلافهم في التوحيد، وفي صفات اللَّه تعالىٰ، وفي قدرته، وفي نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار، وعذاب البرزخ، وفي اللوح، وفي غير ذلك من الأمور التي لا يعلمها نبي إلا بوحي من اللَّه تعالىٰ.

ولن يعدم هذا من رد مثل هذه الأصول إلىٰ استحسانه ونظره وما أوجبه القياس عنده، لاختلاف الناس في عقولهم وإراداتهم واختياراتهم.

فإنك لا تكاد ترى رجلين متفقين، حتىٰ يكون كل واحد منهما، يختار ما يختاره الآخر، ويرذل ما يرذله الآخر، إلا من جهة التقليد. ”

إنما أراد أنهم لا يردون أمرًا من الاعتقاد والأصول للقياس والنظر، إذ في ذلك نص مُوحَىً قد جاء وظهر، فيردون به الآيات والسنن الأثر، كما كان يفعل أهل البدع والرأي.

وأما نفي القياس والنظر نظر العقل من أصله، فلا، إذ القياس دليل شرعي في الأحكام في غير ما جاء به نص وظهر، وحتىٰ في الاعتقاد بغيب هو كذلك شريطة أن يكون ذلك مع نص قد بان وقر، قر اعتقاده واستقر، عضدًا له وتقوية دون أن يكون ردًّا له.

يدلك علىٰ أن ذلك كذلك حديث أبي رزين العقيلي: ضحِك ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِهِ، قال: قلت: يا رسول اللَّه أو يضحك الرب؟، قال: نعم، قلت: لن نعدم من رب يضحك خيرًا.

وغيره: رحمته.

فانظر كيف أقره النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم في معقوله الذي جاء به مع النص تثبيتًا له وعضدًا، إذ جعل الضحك منه لخلاف الشيء نظيره، ووفاقه غيره، حين أيس وأبلس العباد من أن ينزل اللَّه المطر، وهو سينزله.

جعله، إذ كان لا يُعدَم بعده الخير، ويُؤتىٰ به، كسائر ما هو مثل ذلك مما لا يُعدَم معه الخير ويُؤتىٰ به، في أنه خير ورحمة يستحقه اللَّه المتصف بكل خير ورحمة لعباده.

وهذا من بالغ القياس الذي بلغ مراد صاحبه، وأحاط العالم به علىٰ العلم بصحته، فرحم اللَّه أبا رزين، فقد كان فقيهًا.

وأما معارضة نص وعلم جاء من علام الغيوب بقياس فقه أو نظر عقل، فإن صاحب ذلك في رده النص به يعود إليه، فإذا رد نصًّا بقياس فقه، فقياسه إنما هو علىٰ نصٍ متبعٍ علمٍ من علم اللَّه، قاس عليه.

وكذلك هو في رده له بنظر عقل يعود إليه، فإذا رد علمًا جاء من علام الغيوب بعقل هو علم من علم اللَّه، عقل به شيئًا خلافه، فعقله إنما هو علم من علم علام الغيوب وصنع من: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وحسن من: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾

أي أحسن كل شيء إتقانًا له، كما في نظير الآية.

وروىٰ ابن أبي نجيح - وروايته صحيحة من كتاب القاسم بن أبي بزة - تفسير مجاهد للآية، إذ قال: أتقن كل شيء خلقه.

وتفسير مجاهد عن ترجمان القرآن ابن عباس.

وفي ذلك الذي ذكرت إمام وحجة لمن لا إمام له علىٰ أن النصَّ عِلمَ اللَّهِ هو الأصل، وما سواه ففرع، والفرع يُرَد لأصله ليصح ويتم، ولا يُرَد هو به، إذ لا يصح ولا يتم.

وإنما نظر العقل لفهم أصل مع النص طلبًا لما يثبته، وليس كل أحد يكون له ذلك، أن ينظر بعقله مع نص تثبيتًا له، إذ كان وِفاقه المعقول، وخِلافه المجهول، وإن ظُن غير ذلك.

 وكم ممن يخالف عقله نصًّا وإجماعًا معصومًا من الصحابة، إذ كانوا بنعمته مؤتلفين بألفة الإسلام غير مختلفين في أصوله، كما قال ذاكرًا نعمته عليهم: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ 

وجعل في خلاف سبيلهم وطريقهم النار، فقال: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ 

وجعل إيمانهم مقياسًا، يُقاس به صحيح الإيمان، فقال: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا﴾ 

فكم ممن خالف قاصر عقله ذلك، وليس له إلا الإيمان والتسليم، لما قد عَقِله من جملة صحة الإيمان والتسليم لما كان عليه النبي صلَّىٰ عليه وسلم وأصحابه، وإن جهل وجه بعض ذلك، وخالف عقله ونظره.

فجهل بعض الأمر لا يُرَد به الأمر، وقد عُلِم جملته، وأن ما كان منه، فمن الحق علمناه أم جهلناه، كما قال تعالىٰ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ 

وروىٰ سعيد بن أبي عروبة - وهو يروي من كتاب فلا يضر تدليسه بحال - تفسير قتادة للآية، إذ قال: أي يعلمون أنه كلام الرحمن، وأنه الحق من اللَّه.

وقالت الملائكة عليهم السلام: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ 

فهذا تواضع قلوبهم، إذ ردوا ما جهلوا من علم اللَّه وحكمته له، لما عرفوا من أنه هو العليم الحكيم، لا ككبر قلب إبليس، إذ رد علم اللَّه بمتشابه علمه، وقد عرف أنه العليم الحكيم.

وألا تراه يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾، أُحكِمن من الخلل والتضاد، فهن مفصلات مبينات، ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، جملته وأكثره، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، يتشابه ما فيهن من العلم بأخر من غيره، حتىٰ لا يكاد يُميز هذا من ذاك.

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، ميل عن سواء السبيل من استكبار، أو حسد، أو حب للشهوات، وابتغاء حلها ورد تحريمها، أو ورغبة باتباع الأتباع ولو علىٰ غير الحق، وغير ذلك.

وقد قال معاذ بن جبل في الأثر الصحيح عنه: إن من ورائكم فِتنًا، يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، حتىٰ يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ 

ما هم بمتبعي حتىٰ أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة.

انتهىٰ كلامه.

وقال تعالىٰ: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾، بالشبهات علىٰ الحق الظاهر، ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِه﴾، ابتغاء تفسيره.

ويخادعون العوام ومن لا دراية له بما يظهرون لهم من الشبه والآيات، معرضين عن المحكم والسنن المبينات، أنهم إنما قصدوا نصًّا من وحيه، وأرادوا خيرًا من مظنته، فهم علىٰ هذا أهل اتباع عذر هم فيه معذورون.

بل: ﴿الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾ 

ولو كانوا صادقين، لما قصدوا من النص ما يهوون، وتركوا ما لا يشتهون، ولما أرادوا خيرًا من مظنة الاشتباه والاحتمال، وصدفوا عن مظنة اليقين والبيان.

وإنما خدعوا بذلك أنفسهم وما يشعرون، وسقوها كأس عطبها، وأغلقوا عليها باب توبتها، إذ أظهروا لها اتباعها وعذرها، فأنىٰ يراجعونها في مُستبَصر عقد قلبها فيرجعون، أو يتركون ذلك عند قيام الحجة فيهتدون، إلا ما شاء اللَّه.

وهل هذا إلا كخداع المنافقين أنفسهم وهم قد أفسدوا في الأرض وعصوا بقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، في الأرض بالنفاق بين المشركين والمؤمنين، ومطيعون.

ولو كانوا صادقين لكانوا معهم وحي بما يعلمون، ولآمنوا للمؤمنين بعلم صحة الإيمان، وما خذلوهم، ولدعوا المشركين، وما غروهم وثبطوهم عن الإيمان للمسلمين، حتىٰ قُتِلوا، فأحلوهم دار البوار.

وهل هذا إلا الإفساد بين المؤمنين والمشركين؟

وكذلك أولئك قد مكروا بأنفسهم بما أظهروا لها وقالوا أن ما كان منهم من استبصار البدع والأهواء اتباع، وعذر هم فيه إن غلطوا معذورون، كالمعذور من العلماء في اجتهاده وطلبه العلم من مظنته إن غلط.

وأنىٰ ذلك، فالعالم بالسنة المجتهد بل والجاهل المعذور في استبصاره شيئًا خلاف الصواب والاعتقاد لا يتقصد المشتبهات وهناك غيرها، أو تعترضه ولما يأتيه غيرها، فإذا ظهر له العلم وراجع نفسه رَجِع، وإذا بُيِّن له عاد فلم يكابر، لأن ما به ليس عن هوىٰ قلب ولا عن زيغه.

وقال تعالىٰ: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ 

فما ذنبهم إن كانوا لا يعقلون؟، إنما جعلهم شرار الدواب عنده، إذ كان جهلهم لهوىٰ أنفسهم، فلو: ﴿عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، في قلوبهم، ﴿لَّأَسْمَعَهُمْ﴾، لأفهمهم، لأنهم لن يتقصدوا رد ظاهر العلم بمشتبهه، فسيفهمون.

وذلك كما ردوا العلم بصدقه بمشتبه علم النسخ الذي التبس عليهم أنه علم بكذبه، فقالوا إذا ما: ﴿بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾، قالوا: ﴿إنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ 

قال: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾، لأن ما بهم من جهل عن ميل قلب، فإن أسمعهم لولَّوا مدبرين.

فهل من ذلك ما فعلوه إلا اتباع الشبه عن الزيغ، ورد مستبين الحق بمشتبهه؟

فهذا ولكن يكون ذلك لمن وفقه اللَّه لصحيح العقل ممن لا يتقصد ولا يتيمم رد جملة الحق وأصله عن زيغ وميل قلبه، وقلة صدقه مع نفسه في طلبه، وانعدام إنصافه، بشبه بعض الحق.

وأما القياس لفقه حكم من حلال وحرام وما أشبه ذلك، فإنما هو في الضرورة، ما لم نجد نصًّا قِسنا، وليس لنا ذلك، بل لمن هو أهل للقياس.

وهؤلاء هم العلماء الفقهاء أهل الفقه بمسائله، والعلماء الفقهاء  المتعلمين الباحثين أهل الفقه فقه الدين القيم وملة إبراهيم فقه السنة والاعتقاد.

وهو علم ظاهر حلال وحرام اللَّه وما تعلق به، مما يميز المسلم عن الكافر، والمتبع عن المبتدع، وعلم ما تعلق به، علىٰ شريطة اتباع ذلك العلم بالعمل الواجب به، والتسليم للنص إذا جاء واستبان، دون استجازة الشذوذ عنه بشاذ من العلم أو قياس.

ألا تراه يقول: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ومن التسليم له بالطاعة، التسليم لرسوله بالطاعة بأخذ ما آتانا والانتهاء عما نهانا، إذ: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ 

وإن مما يدلك علىٰ زيغ قلب من عارض نصًّا قد جاءه بشاذ من القياس، فإذا هو بين يديه ظاهر، كما كان يفعل أهل الرأي، أنه قد ضيع الأصول، فأعرض بإقباله علىٰ مثل ذلك من متشبه قياسه قبل طلبه الحديث والأشباه والنظائر منه، حتىٰ يستفرغ جهده في ذلك.

وروىٰ ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل عن محمد بن عبد اللَّه بن الحكم، قال: سمعت الشافعي: قال لي محمد بن الحسن: أيهما أعلم صاحبنا أم صاحبكم؟، يعني أبا حنيفة ومالك بن أنس.

قلت: علىٰ الانصاف؟، قال: نعم.

قلت: فأنشدك اللَّه من أعلم بالقرآن صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: صاحبكم، يعني مالكًا.

قلت؛ فمن أعلم بالسنة صاحبنا أو صاحبكم؟، قال: اللهم صاحبكم.

قلت: فأنشدك اللَّه من أعلم بأقاويل أصحاب رسول اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم والمتقدمين صاحبنا أو صاحبكم؟، قال: صاحبكم.

قال الشافعي: فقلت: لم يبق إلا القياس، والقياس لا يكون إلا علىٰ هذه الأشياء، فمن لم يعرف الأصول، فعلىٰ أي شيء يقيس؟

فهذا ولكنه خادع غيره ممن لا يفقه حاله، وأظهر له بما معه من القياس، أنه إنما قصد صحيح القياس علىٰ النص دون مشتبهه، ورد به نصه الذي جاء له.

وإن كان صادقًا في طلب شبيه القياس بالنص وصحيحه، لما ضيع ما لا يكون ذلك إلا به من المنصوص، ولما استفرغ جهده في متشابه قياسه الملبوس المخلوط بغيره من شبيه القياس بالنص وصحيحه، وهو لا يأمن معه أن يعثر ويغلط.

فلما تيمم وتقصد ما عنده من ملبوس القياس ومخلوطه، ولما يعرف النظير، ليصح له قياسه شبيهًا به، بين يدي النص، ليرده، دل ذلك علىٰ زيغ في قلبه، وقلة صدق في طلب الحق والإذعان له به.

وأهل هذا الصنف من شر المبتدعة، فأولئك يقدمون نصًّا وإن اشتبه، وهؤلاء يقدمون قياسًا وإن اشتبه، والقياس المشتبه أقل من النص المشتبه بكل حال.

ولذا كان شر قياس إبليس أعظم من شر عصيان آدم، الذي هو دون شر خلاف المخالف بنص مشتبه، إذ قال: ﴿أَنَا۠ خَيۡرٌ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٍ﴾ 

فقاس لزيغ في قلبه وكبر مع النص أقل القياس اشتباهًا وظنًّا، فما قياسه بقياس يغلب المرء علىٰ الظن صحته، فضلًا عن أن يكون قياسًا يحيط العالم به علىٰ العلم بصحته، وليس في الاحتمال جائز من القياس غيره.

قال أبو جعفر الطبري في تفسير الآية وتأويلها:

”... وأما قوله: ﴿أنا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ 

فإنه خبر من اللَّه جلَّ ثناؤه عن جواب إبليس إياه إذ سأله: ما الذي منعه من السجود لآدم، فأحوجه إلىٰ أن لا يسجد له، واضطرّه إلىٰ خلافه أمره به وتركه طاعته، أن المانع كان له من السجود والداعي له إلىٰ خلافه أمر ربه في ذلك أنه أشدُّ منه يدًا وأقوىٰ منه قوة وأفضل منه فضلًا، لفضل الجنس الذي منه خلق وهو النار، من الذي خلق منه آدم وهو الطين.

فجهل عدوُّ اللَّه وجه الحقِّ، وأخطأ سبيل الصواب، إذ كان معلومًا أن من جوهر النار: الخفة والطيش والاضطراب والارتفاع علوًّا، والذي في جوهرها من ذلك هو الذي حمل الخبيثَ بعد الشقاء الذي سبق له من اللَّه في الكتاب السابق علىٰ الاستكبار عن السجود لآدم والاستخفاف بأمر ربه، فأورثه العطب والهلاك.

وكان معلومًا أن من جوهر الطين: الرزانة والأناة والحلم والحياء والتثبت، وذلك الذي في جوهره من ذلك كان الداعي لآدم بعد السعادة التي كانت سبقت له من ربه في الكتاب السابق إلىٰ التوبة من خطيئته ومسألته ربه العفو عنه والمغفرة.

ولذلك كان الحسن وابن سيرين يقولان: أوّل من قاس إبليس، يعنيان بذلك: القياس الخطأ، وهو هذا الذي ذكرنا من خطأ قوله وبُعده من إصابة الحقّ في الفضل الذي خصّ اللَّه به آدم علىٰ سائر خلقه من خلقه إياه بيده، ونفخه فيه من روحه، وإسجاده له الملائكة، وتعليمه أسماء كلّ شيء مع سائر ما خصه به من كرامته، فضرب عن ذلك كله الجاهل صفحاً، وقصد إلىٰ الاحتجاج بأنه خلقه من نار وخلق آدم من طين، وهو في ذلك أيضًا له غير كفء، لو لم يكن لآدم من اللَّه جلَّ ذكره تكرمة شيء غيره، فكيف والذي خصّ به من كرامته يكثر تعداده ويُمِلّ إحصاؤه؟. ”

هذا وصل اللهم وسلم علىٰ نبينا الحبيب. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الخلاف في صفة الهرولة...

لم نزل القرآن متفرقًا علىٰ محكم ومتشابه؟

الجواب النبوي الشافي من داء القنوط...