ما الحب في اللَّه؟
بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّه، وبعد:
ففي قول رسول اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم في حديث السبعة الذين يظلهم اللَّه: ورجلان تحابا في اللَّه، اجتمعا عليه وتفرقا.
في ذلك سؤال يُسأَل أن ما هو الحب في اللَّه؟
- قال أبو بكر المروذي في أخلاق الشيوخ وأخبارهم: « وسمعت أبا عبد اللَّه يقول وسُئِلَ عن الحب في اللَّه؟، فقال: هو أن تحبه لا لطمع دنيا. »
أبو عبد اللَّه هو الإمام أحمد، وهذا منه تعريف جامع، فالأمر كما قال أن الحب في اللَّه هو الحب لا لمطموع دنيا من نفع نافع لك فيها وقرب قريب منك في غير ذلك، بل هو الحب للًَه ولطاعته.
- وقد قال الشيخ ابن عثيمين في شرح العقيدة الواسطية: « ... والمحبة في اللَّه أو للَّه: هي أن تحب الشيء تبعا لمحبة اللَّه عز وجل. »
يعني تبعًا لحبه ولحب طاعته.
- قال المروذي أيضًا: « وسمعت أبا العباس بن يزيد الخزاعي قال: الحب إذا لم يكن في اللَّه يزول، وإلا مثله كمثل رجل جاء إلىٰ صخرة، فاحتفر فيها بيتًا، فأمن أعلاه من الوكف، وأسفله من السيل، فكلما لا ينفك البيت من قراره، كذلك لا يزول الحب في اللَّه، وما كان اللَّه عز وجل ليخلف وعده: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم اللَّه﴾ »
يريد بأن الحب إذا لم يكن فيه يزول قوله تعالىٰ: ﴿الأَخِلّاءُ يَومَئِذٍ بَعضُهُم لِبَعضٍ عَدُوٌّ إِلَّا المتَّقينَ﴾
فنطقت الآية، فأبانت أن كل خلة ومحبة سوىٰ خلة ومحبة المتقين للَّه وعليه فهي خلة ذاهبة منقلبة إلىٰ عداوة وبغض.
وذلك أن أسباب المواصلة والمودة تتقطع بأهلها، كما قال: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾
فلا أنساب ولا قرابة بينهم يومئذ ولا يتسألون، ولا أوثان ولا آلهة من دونه يتخذونها مودة يتواصلون، ولا سادة من شياطين الإنس يسودونهم بالشرك فيتبعون، ولا نفع دنيا ومال وولد به يتواصلون ويتكاثرون ويتابهون.
قال ومن أصدق منه قيلًا: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾، وقال: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾، وقال: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾، وقال: ﴿إذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾، وقال: ﴿وَحِيلَ بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ مَا يَشۡتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشۡيَاعِهِم مِّن قَبۡلُ إِنَّهُمۡ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ﴾
- قال مجاهد في رواية ابن أبي نجيح عنه - وهي من كتاب -: «﴿مَا يَشۡتَهُونَ﴾، من مال أو ولد أو زهرة. »
- وقال المروذي: « وأنشدني أبو عبد اللَّه الخراساني، رجل من أهل الشاش:
وكُلُّ صَدِيقٍ لَيسَ في اللَّهِ وُدُّهُ ... فَإنّي في وُدِّهِ غَيرُ وَاثِقِ »
وما سبق فهو إن كان التحاب لغير اللَّه، وليس فيه ذلك، فأما إن كان فيه ذاك، وكان لإحسان في دنيا ونحوه، أو لنسب وقرابة أو تعارف وتشابه وتناسب.
فذلك مما لا بأس به، إذ كان اللَّه لا يكلف نفسًا ما لا يسعها، فتعجز عنه أو تتحرج منه.
ولو أنا لا نحب من أحسن إلينا وتودد، أو من عارفنا ووافقنا أو من كان قريبًا منا من أم وأب في غير المذكور، إلا بعد أن يكون مؤمنًا، أو غير معروف بمحادة اللَّه ورسوله، وإن كان كذلك، لكان علينا في ذلك عظيم الحرج، علىٰ فِطرة وخِلقة اللَّه الثابتة، التي خلق نفوس العباد عليها، التي منها حب النفوس من أحسن إليها وعارفها وناسبها، وحب من كان منها قريبًا.
- وقال أبو القاسم صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم: « والأرواحُ جُنودٌ مُجَنَّدةٌ، فما تَعارَفَ مِنها ائتَلَفَ، وما تَناكَرَ مِنها اختَلَفَ. »
فإن كانت أرواح بني آدم وهي في عالم الروح حين أخذها اللَّه من ظهر أبيها بالمسح عليه - كما صح عن ابن عباس وسلمان الفارسي -، كما يأخذ المشط من الشعر - كما صح عن عبد اللَّه بن عمرو -، فخلقها اللَّه علىٰ صورة الذر - كما قال ابن عباس-، قد تعارفت آنذاك وتناكرت، فما تعارف منها ائتلف في الدنيا، والعكس بالعكس.
فإن كان ذلك كذلك، فإنها إن تعارفت فاتفقت تحابت.
وقال الغفور الودود: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾
قال ابن قتيبة في غريب القرآن:
( ١٦ - ومن صفاته: الودود.
وفيه قولان، يقال: هو فعول بمعنىٰ مفعول، كما يقال: رجل هيوب، أي مهيب، يراد به: مودود.
ويقال: هو فعول بمعنىٰ فاعل،كقولك: غفور بمعنىٰ غافر، أي: يود عباده الصالحين.
وقد تأتي الصفة بالفعل للَّه ولعبده، فيقال: العبد شكور للَّه، أي: يشكر نعمه، واللَّه شكور للعبد، أي: يشكر له عمله، والعبد تواب إلىٰ اللَّه من الذنب، واللَّه تواب عليه. )
فإن كان اللَّه الودود مودودًا محبوبًا لتودده وإحسانه، فكذلك المودود المحبوب من خلقه، يُحب ويُود لتودده وإحسانه.
وفي كلام ابن قتيبة تثبيت لأصل أن الصفة والفعل قد تأتي للَّه وللعبد، فيشتركان فيها، كما يشترك الخالق والمخلوق في فعل الشكر، ولكن بغير تشبيه وتمثيل، إذ كان كل شكره بقدره.
- وذلك كما قال سليمان التيمي: « إن اللَّه أنعم على العباد علىٰ قدره، وكلفهم الشكر علىٰ قدرهم. »
روىٰ ذلك عنه ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر.
وكذلك كل صفة في الخالق والمخلوق، هي بقدر اللَّه فيه، وبقدر العبد فيه، فهنالك فارق به ينتفي التشبيه والتمثيل.
وذلك مثلًا أن شكر اللَّه المضاف إليه يعني الشكر بتسبيب الأسباب والثناء في الملأ الأعلىٰ من الملائكة وبما لا يقدر عليه مخلوق، ولا يحاط بكمال وتمام معنىٰ شكره، وبما يشكر، وإن عرف أصل معناه فيه.
وشكر العبد المضاف إليه يعني الشكر بأسباب اللََّه التي سبب له والثناء في الملأ الأدنىٰ من الناس وبما يقدر عليه المخلوق، وقد يحاط بكمال وتمام معنىٰ شكره، وبما يشكر، وأصل الشكر معروف فيه.
فلذا، فليس شكر اللَّه، الذي لا يحاط به، كشكر العبد، الذي يحاط به، من جهة المعنىٰ - وكذلك من جهة الحقيقة والكيفية -، وإن اشتركا في أصل معنىٰ الشكر، المفهوم من إطلاقك لفظ الشكر وحده، دون إضافته لموصوف معين.
ولولا إثبات هذا الأصل المشترك ما كان لنفي التشبيه موضع، إذ لا شيء يُنفىٰ عنه الشبه.
وإنما نفي الشبه يقع بفارق، لا بنفي الأصل، ولذا قال اللَّه في نساء النبي عليه السلام والسلام: ﴿نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾
لأن ما سبق بيان أن عليهن ضعف العذاب في الفاحشة، وضعف الأجر في القنوت والصلاح، فلذلك الفارق كن لسن كأحد من نساء المؤمنين، وإن كان أصل العذاب علىٰ الفاحشة، والأجر علىٰ القنوت والطاعة، مشتركًا.
هذا وذلك الكلام من ابن قتيبة علىٰ كلامه الأخر الواضح القاطع بالإثبات حجة بالغة علىٰ من نسب الإمام للتفويض فظلم في ذلك وضل وكذب وفجر، حتىٰ أن بعض الجهلة من المعطلة ومن يتطلب ما يعذرهم به قد نسبه لرد صفة العجب بالتأويل جهلًا وتتيممًا لما اشتبه من كلامه عليه دون واضحه.
وإنما أراد بكلامه قطع القول بأن العجب والضحك من اللَّه لجهل، وأنه منه محل ما يضحك الناس منه ويعجبون لجهل، إذ كان شيئًا غريبًا خارجًا عن نظيره عجبًا، كما قال النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم للأنصاري الذي الذي ضافه ضيف، وليس في طعامه فضل عن كفايته، فأمر امرأته بإطفاء السراج، ليأكل الضيف وهو لا يشعر أن المضيف له لا يأكل.
فقال النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم له: لقد عجب اللَّه تعالىٰ من صنيعكما البارحة.
فحل ذلك عنده محل ما يعجب الناس منه لجهل بهم، إذ كان أمرًا غريبًا خارجًا عن نظيره، كما ذكر ابن قتيبة.
وليس الأمر كما علموه، بل الإمام بالغ الإثبات مثبت للصفات كإثباته النفس، علىٰ اشتراك بأصل تلك الصفات بين الخالق والمخلوق - كما اتضح من كلامه أن الصفة قد تأتي للَّه وللعبد، فيثبت معناها لهما -
فأي بيان علىٰ أنه مثبت بغير تعطيل ذلك معه مستبين أبين من هذا وأوضح حتىٰ يتطلب ويتيمم المريب المبطل في نيته غيره؟
قال في الإختلاف في اللفظ والرد علىٰ الجهمية والمشبهة:
” وعدل القول في هذه الأخبار أن نؤمن بما صح منها بنقل الثقات لها، فنؤمن بالرؤية والتجلي، وإنه يعجب وينزل إلىٰ السماء الدنيا، وأنه علىٰ العرش استوىٰ، وبالنفس واليدين من غير أن نقول في ذلك بكيفية أو بحد أو أن نقيس على ما جاء ما لم يأت، فنرجو أن نكون في ذلك القول والعقد على سبيل النجاة غدًا إن شاء اللَّه تعالىٰ. “
أفيجوز لمن ثبت وحقق النفس كما ثبت وحقق العجب أن يتأوله فيرده؟
لا يجوز واللَّه ولا يسوغ ولكن الباطل هكذا كلما احتجوا له ازداد اعوجاجًا ولما خرج من ضمير وزيغ قلب صاحبه إخراجًا.
هذا وصل اللهم وسلم علىٰ نبيك نبي الرحمة.
تعليقات
إرسال تعليق