ما الحب في اللَّه؟
بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّه، وبعد:
ففي قول رسول اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم في حديث السبعة الذين يظلهم اللَّه: ورجلان تحابا في اللَّه، اجتمعا عليه وتفرقا.
في ذلك سؤال يُسأَل أن ما هو الحب في اللَّه؟
(١) قال أبو بكر المروذي في أخلاق الشيوخ وأخبارهم: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول وسُئِلَ عن الحب في اللَّه؟، فقال: هو أن تحبه لا لطمع دنيا.
أبو عبد اللَّه هو الإمام أحمد، وهذا منه تعريف جامع، فالأمر كما قال من أن الحب في اللَّه هو الحب لا لمطموع دنيا من نفع نافع لك فيها وقرب قريب منك بل للًَه لطاعة اللَّه وعلىٰ ذلك.
وقد قال الشيخ ابن عثيمين في شرح العقيدة الواسطية: والمحبة في اللَّه أو للَّه: هي أن تحب الشيء تبعا لمحبة اللَّه عز وجل.
يعني تبعًا لحبه لحب طاعته.
(٢) وقال المروذي أيضًا: وسمعت أبا العباس بن يزيد الخزاعي قال: الحب إذا لم يكن في اللَّه يزول.
يريد قوله تعالىٰ: ﴿الأَخِلّاءُ يَومَئِذٍ بَعضُهُم لِبَعضٍ عَدُوٌّ إِلَّا المتَّقينَ﴾
فنطقت الآية، فأبانت أن كل خلة ومحبة سوىٰ خلة ومحبة المتقين لطاعة اللَّه وعليها فهي خلة ذاهبة منقلبة إلىٰ عداوة وبغض.
وذاك أن أسباب المواصلة والمودة تتقطع بأهلها، كما قال: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾
فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسألون، ولا أوثان ولا آلهة من دونه يتخذونها مودة يتواصلون، ولا متبوعين من شياطين الإنس والجن يأمرونهم فيطيعون، ولا نفع دنيا له يتحابون.
قال ومن أصدق منه قيلًا: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾، وقال: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾، وقال: ﴿إذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾، وقال: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾
(٣) وقال المروذي: وأنشدني أبو عبد اللَّه الخراساني، رجل من أهل الشاش:
وكُلُّ صَدِيقٍ لَيسَ في اللَّهِ وُدُّهُ ... فَإنّي في وُدِّهِ غَيرُ وَاثِقِ
وهذا كله إن كان التحاب لغير اللَّه، فإن كان لهذا ولغيره من إحسان في دنيا ونحوه، أو كان ذلك لغير المعروف بمحادة اللَّه ورسوله صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم، أو كان حبًّا فطريًّا غير متكلف.
فذلك مما لا بأس به، إذ كان اللَّه لا يكلف نفسًا ما لا يسعها فتعجز عنه أو تتحرج منه.
وفي ابتلاء وامتحان كل مار بالمرء ليُعرف أمحاد هو للَّه ورسوله أم لا حرج.
والنفوس مخلوقة مصنوعة علىٰ حب من أحسن إليها وتودد، وعلىٰ حب من كان قريبًا منها من أم وأب وغيرهما، فذلك ما في تركه أعظم الحرج، إذا ما لم يكن فيه عجز.
وقال الغفور الودود: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾
قال ابن قتيبة في غريب القرآن:
( ١٦ - ومن صفاته: الودود.
وفيه قولان، يقال: هو فعول بمعنىٰ مفعول، كما يقال: رجل هيوب، أي مهيب، يراد به: مودود.
ويقال: هو فعول بمعنىٰ فاعل،كقولك: غفور بمعنىٰ غافر، أي: يود عباده الصالحين.
وقد تأتي الصفة بالفعل للَّه ولعبده، فيقال: العبد شكور للَّه، أي: يشكر نعمه، واللَّه شكور للعبد، أي: يشكر له عمله، والعبد تواب إلىٰ اللَّه من الذنب، واللَّه تواب عليه. )
فإذا كان اللَّه مودودًا محبوبًا لتودده وإحسانه، فكذلك المودود المحبوب من خلقه، يُحب ويُود لتودده وإحسانه.
وفي كلام ابن قتيبة تثبيت لأصل أن الفعل قد يأتي للَّه وللعبد، فيشتركان في معناه علىٰ فارق في ذلك واختلاف، فاللَّه يشكر العمل، والعبد يشكر النعم، فاشتركا في معنىٰ الفعل علىٰ فارق واختلاف، فليس الشكر شكر اللَّه كالشكر شكر العبد.
وهذا الكلام منه علىٰ كلامه الأخر الواضح القاطع بالإثبات حجة بالغة علىٰ من نسب الإمام للتفويض فظلم في ذلك وضل وكذب وفجر، حتىٰ أن بعض الجهلة من المعطلة ومن يتطلب ما يعذرهم به قد نسبه لرد صفة العجب بالتأويل جهلًا وتتيممًا لما اشتبه من كلامه عليه.
وإنما أراد بكلامه قطع القول بأن العجب والضحك من اللَّه لجهل، وأنه منه محل ما يضحك الناس منه ويعجبون لجهل، إذ كان شيئًا غريبًا خارجًا عن نظيره عجبًا، كما قال النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم للأنصاري الذي الذي ضافه ضيف، وليس في طعامه فضل عن كفايته، فأمر امرأته بإطفاء السراج، ليأكل الضيف وهو لا يشعر أن المضيف له لا يأكل.
فقال النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم له: لقد عجب اللَّه تعالىٰ من صنيعكما البارحة.
فحل ذلك عنده محل ما يعجب الناس منه لجهل بهم، إذ كان أمرًا غريبًا خارجًا عن نظيره، كما ذكر ابن قتيبة.
وليس الأمر كما علموه، بل الإمام بالغ الإثبات مثبت للصفات علىٰ اشتراك فيها كإثباته النفس والذات.
فأي بيان علىٰ أنه مثبت بغير تعطيل ذلك معه مستبين أبين من هذا وأوضح حتىٰ يتطلب ويتيمم المريب الزائغ غيره؟
قال في الإختلاف في اللفظ والرد علىٰ الجهمية والمشبهة:
( وعدل القول في هذه الأخبار أن نؤمن بما صح منها بنقل الثقات لها، فنؤمن بالرؤية والتجلي، وإنه يعجب وينزل إلىٰ السماء الدنيا، وأنه علىٰ العرش استوىٰ، وبالنفس واليدين من غير أن نقول في ذلك بكيفية أو بحد أو أن نقيس على ما جاء ما لم يأت فنرجو أن نكون في ذلك القول والعقد على سبيل النجاة غدا إن شاء اللَّه تعالىٰ. )
أفيجوز لمن ثبت وحقق النفس كما ثبت وحقق العجب أن يتأوله فيرده؟
لا يجوز واللَّه ولا يسوغ ولكن الباطل هكذا كلما احتجوا له ازداد اعوجاجًا وازداد ما خرج من ضمير وزيغ قلب صاحبه إخراجًا.
هذا وصل اللهم وسلم علىٰ نبيك نبي الرحمة.
تعليقات
إرسال تعليق