العلم الفعلي للَّه عز وجل...

بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّه، وبعد:

فقد تتابعت غير آية في غير مرة علىٰ الدلالة بأن للَّه عِلمًا سيكون، ولم يَسبِق المعلوم خلاف ما تتابعت عليه آيات هي أكثر من الدلالة علىٰ أن للَّه علمًا سابقًا بكل معلوم.

وذلك كنحو قوله تعالىٰ: (إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب علىٰ عقبيه)، (إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك)، وما شابه ذلك.

وقد اختُلِفَ فيها، فبعضهم فسرها علىٰ أن علم اللَّه عز وجل علىٰ نوعين.

وأن المعني بتلك الآيات العلمُ بالأشياء ظاهرةً موجودةً كائنةً أي العلم بوجودها وظهورها وكونها إذا وُجِدت وظهرت وكانت، فهو العلم الذي به يقع الثواب والعقاب والجزاء.

وهو إن كان كذلك فغير دافعٍ ولا نافٍ للعلم الأصل الآخر بالأشياء قبل وجودها وظهورها وكونها أنها ستظهر وتُوجَد وتَكون.

قال ابن قتيبة وهو من شيوخ الإمام أحمد وأصحاب الكتب الستة:

”﴿وَلَقَد صَدَّقَ عَلَيهِم إِبليسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعوهُ إِلّا فَريقًا مِنَ المُؤمِنينَ (٢٠) وَما كانَ لَهُ عَلَيهِم مِن سُلطانٍ إِلّا لِنَعلَمَ مَن يُؤمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّن هُوَ مِنها في شَكٍّ﴾ 

تأويله: أن إبليس لما سأل اللّٰه تبارك وتعالىٰ النظرة فأنظره، قال: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُم وَلَأُمَنِّيَنَّهُم وَلَآمُرَنَّهُم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأَنعامِ وَلَآمُرَنَّهُم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلقَ اللَّهِ و لَأَتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصيبًا مَفروضًا﴾

وليس هو في وقت هذه المقالة مستيقنًا أن ما قدره اللّٰه فيهم يتم، وإنما قاله ظانًّا، فلما اتبعوه وأطاعوه صدق ما ظنه عليهم فيهم.

ثم قال اللّٰه: وما كان تسليطنا إياه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ﴾، أي المؤمنين من الشاكين.

وعلم اللّٰه نوعان:

 أحدهما: علم ما يكون من إيمان المؤمنين، وكفر الكافرين، وذنوب العاصين، وطاعات المطيعين، قبل أن تكون، وهذا عِلمٌ لا تجب به حجةٌ، ولا تقع عليه مثوبةٌ ولا عقوبةٌ.

والآخر: علم هذه الأمور ظاهرةً موجودةً، فيحِقُّ القولُ، ويقع بوقوعها الجزاء.

فأراد اللّٰه جل وعز: ما سلطناه عليهم إلا لنعلم إيمان المؤمنين ظاهرًا موجودًا، وكفر الكافرين ظاهرًا موجودًا.

وكذلك قوله سبحانه: ﴿أَم حَسِبتُم أَن تَدخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمّا يَعلَمِ اللَّهُ الَّذينَ جاهَدوا مِنكُم وَيَعلَمَ الصّابِرينَ﴾

أي يعلم جهاده وصبره موجودًا يجب له به الثواب.”

هذا كلامه من كتابه تأويل مشكل القرآن.

وقد ذكر الطبري قولًا غير منسوب لقائله في قوله تعالىٰ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بالآخِرَةِ﴾

فقال: قيل: عُنِي بقوله - أي الآية -: إلا لنعلم ذلك موجودًا ظاهرًا ليستحق به الثواب أو العقاب.

يريد واللَّه أعلم قول ابن قتيبة ومن قال به من أهل التفسير من السلف، وقد ذكر ابن تيمية القول عن مفسري السلف.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوىٰ:

” ... وأما قوله تعالىٰ:﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾، وقوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾، ونحو ذلك.

فهذا هو العلم الذي يتعلق بالمعلوم بعد وجوده، وهو العلم الذي يترتب عليه المدح والذم والثواب والعقاب، والأول هو العلم بأنه سيكون، ومجرد ذلك العلم لا يترتب عليه مدح ولا ذم ولا ثواب ولا عقاب، فإن هذا إنما يكون بعد وجود الأفعال.

وقد روي عن ابن عباس أنه قال في هذا: لنرى، وكذلك المفسرون قالوا: لنعلمه موجودًا بعد أن كنا نعلم أنه سيكون ... ”

يريد أن من كمال عدله عز وجل أنه لم يُرتِّب ويُوقِع عقابًا ولا ذمًّا ولا ثوابًا ولا مدحًا إلا بعلمه بالأفعال ظاهرةً موجودةً دون علمه السابق بها قبل أن تقع أنها ستقع.

وهو كقول ابن قتيبة في أن العلم السابق لا تجب به حجة، ولا يقع به ثواب ولا عقاب، فإنه ذلك يجب بالعلم الفعلي.

فإن قيل: فهذا العلم الذي ذكرته أهو متجدد كائنٌ بعد أن لم يكن أم لا، فإن كذلك فهو من الصفات الفعلية، وقد علمت أنها صفات تكون بمشيئة اللَّه، ولا تكون إذا لم يشأ، فكيف يكون ذلك العلم بكون الشيء بمشيئته، فيكون لو لم يشأ علم ذلك لم يعلمه؟

قيل: إن العلم بنفس كون الشيء أنه كان ووجوده أنه وُجِد قدرٌ زائدٌ من العلم علىٰ العلم بأنه سيكون وسيُوجد، فهو علم متجدد يكون بعد أن لم يكن إذا وقع الشيء ووُجِد.

وهو علم كائن بالمشيئة، لأن اللَّه تعالىٰ إن شاء أن يُوجد الشيء ويكون عَلِم كونه ووجوده، فعلمه بذلك كانت بمشيئته، وإن لم يشأ أن يكون الشيء ولا أن يُوجد فلا يقال: لم يعلم كونَه ووُجودَه، لأنه غير موجود ولا كائنٍ بعد، فليس كونه ولا وجوده شيئًا يُعلم.

ولهذا فقولنا: إن ذلك العلم متجدد بمشيئته، ليس معناه أنه إن شاء لم يعلم ذلك العلم.

قال ابن تيمية في تتمة كلامه المذكور:

” ... وهذا المتجدد فيه قولان مشهوران للنظار:

منهم من يقول: المتجدد هو نسبة وإضافة بين العلم والمعلوم فقط وتلك نسبة عدمية، ومنهم من يقول: بل المتجدد علم بكون الشيء ووجوده، وهذا العلم غير العلم بأنه سيكون وهذا كما في قوله: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)، فقد أخبر بتجدد الرؤية،فقيل: نسبة عدمية، وقيل: المتجدد أمر ثبوتي.

والكلام علىٰ القولين ومن قال هذا وهذا وحجج الفريقين قد بُسطت في موضع آخر، وعامة السلف وأئمة السنة والحديث علىٰ أن المتجدد أمر ثبوتي كما دل عليه النص.

وهذا مما هجر أحمد بن حنبل الحارث المحاسبي علىٰ نفيه، فإنه كان يقول بقول ابن كلاب، فر من تجدد أمر ثبوتي وقال بلوازم ذلك، فخالف من نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف ما أوجب ظهور بدعة اقتضت أن يهجره الإمام أحمد ويحذر منه. 

وقد قيل: إن الحارث رجع عن ذلك، والمتأخرون من أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة علىٰ قولين: منهم من سلك طريقة ابن كلاب وأتباعه ومنهم من سلك طريقة أئمة السنة والحديث، وهذا مبسوط في موضعه. ”

أقول: ومع ذلك فالمسألة دقيقة يدق علمها، واللَّه الموفق لفهمها، فمن عصي عليه فهمها، فليسأل اللَّه ذلك من فضله، وإلا فليسلم لما قال اللَّه علىٰ ما فسر السلف، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه.

فهذا كذلك والذي ذكره الشيخ عن ابن عباس لا أعرفه، والذي أعرفه قد رُوِي عن ابن عباس أنه قال: لنميز، وسنتكلم عن هذا القول.

قال البخاري في صحيحه:

” ... قَالَ مُجَاهِدٌ: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ}، عَلِمَ اللَّهُ ذَلِكَ، إِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ فَلِيَمِيزَ اللَّهُ كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ﴾ ... ”

وقال ابن أبي حاتم في تفسيره:

” ١٣٤١ - حدثنا أبي، ثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ 

قال ابن عباس: لنميز أهل اليقين من أهل الشك والريبة. ”

وقال:

” ٤٢٣٥ - حدثنا محمد بن العباس، قال: قال محمد بن إسحاق: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي ليميز بين المؤمنين والمنافقين، وليكرم من أكرم من أهل الإيمان بالشهادة. ”

وقال الطبري في تفسيره:

” حدثني المثنىٰ، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾

قال ابن عباس: لنميز أهل اليقين من أهل الشرك والريبة. ”

فهذا الذي أعرفه علىٰ علمي القاصر مروي عن ابن عباس، ومذكور عن تلميذه مجاهد الذي أخذ تفسيره.

فإن قيل: فما معنىٰ هذا القول؟

قيل: قد قال الطبري في تفسيره:

” ... فإن قال: فما معنىٰ ذلك؟

قيل له: أما معناه عندنا، فإنه: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ليعلم رسولي وحزبي وأوليائي من يتبع الرسول ممن ينقلب علىٰ عقبيه، فقال جل ثناؤه: (إلا لنعلم)، ومعناه: ليعلم رسولي وأوليائي. إذ كان رسول اللَّه ﷺ وأولياؤه من حزبه.

وكان من شأن العرب إضافة ما فعلته أتباع الرئيس إلىٰ الرئيس، وما فعل بهم إليه، نحو قولهم: فتح عمر بن الخطاب سواد العراق، وجبىٰ خراجها، وإنما فعل ذلك أصحابه عن سبب كان منه في ذلك.

وكالذي روي في نظيره عن النبي ﷺ أنه قال: يقول اللَّه جل ثناؤه: مرضت فلم يعدني عبدي، واستقرضته فلم يقرضني، وشتمني ولم ينبغ له أن يشتمني.

٢٢٠٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خالد، عن محمد بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: قال اللَّه: استقرضت عبدي فلم يقرضني، وشتمني ولم ينبغ له أن يشتمني، يقول: وادهراه، وأنا الدهر، أنا الدهر.

٢٢٠٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه.

فأضاف تعالىٰ ذكره الاستقراض والعيادة إلىٰ نفسه، وقد كان ذلك بغيره إذ كان ذلك عن سببه.

وقد حكي عن العرب سماعًا: أجوع في غير بطني، وأعرىٰ في غيرظهري"، بمعنى: جوع أهله وعياله وعري ظهورهم،

فكذلك قوله:(إلا لنعلم)، بمعنى: يعلم أوليائي وحزبي.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل: ذكر من قال ذلك:

٢٢٠٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ 

قال ابن عباس: لنميز أهل اليقين من أهل الشرك والريبة. ”

فعلىٰ قول الطبري فقوله تعالىٰ: (إلا لنعلم)، كقوله: (فكذبوه فعقروها)، وإنما عقرها واحد كما قال: (كذبت ثمود بطغواها ١١ إذ انبعث أشقاها)

فقال ذلك جل جلاله، فنسب العقر لهم لأنه كان عنهم، إذ: (نادوا صاحبهم فتعاطىٰ فعقر)

وهذا مثله في كلام العرب، فمن طرقهم في كلامهم، وتفننهم في مقاماتهم أن ينسبوا الفعل لمن كان قد تسبَّبَ به إذ كان ذلك معلومًا عند المخاطب به في سياق القراءة والمعقول من العادة.

يقول الأمي: كتبت إليك، فظاهر عند العربي إذ سمع ذلك أن غيره ولي الكتابة عنه، إذ كان معقولًا في العادة أن الأمي لا يكتب.

وكذلك يقول الرجل: بنىٰ الأمير كذا وكذا، فهذا مثل ذلك، إذ كان معقولًا في العادة أن الأمير لا يلي البناء، بل غيره يليه عن أمره.

وليس ذلك القول المذكور في قيله تعالىٰ: (فعقروها)، مقولًا به، وفي الظاهر خلافه، إذ لم يكن في مشاركة غير واحد منهم في عقر الناقة خلاف لما هو معقول في العادة.

فليس ذلك القول مع ذلك مقولًا به إلا عن بينة شرعية، عدلنا بها عن ظاهر الآية إلىٰ خفيها.

وكذلك قيله: (إلا لنعلم)، ما قيل فيه ما ذكرنا، والظاهر خلافه، إذ ليس في العلم بعد سبق جهل خلاف للمعقول عند الناس.

فما قيل بذلك مع هذا، إلا عن بينة شرعية، وهي أن ذلك وإن كان معنىً مفهومًا، فغير لائق باللَّه تعالىٰ، إذ كان عليمًا بكل شيء كما قال، فلا يعلم ما لم يكن يعلم من قبل، وإنما ذلك لعباده.

فقال: (لنعلم)، وأراد ليعلم عباده إذ كان علمهم بسببه.

وخرج الطبري قول ابن عباس ومن قال بقوله علىٰ هذا أنه عنىٰ: إلا لنميز لعبادنا، فيعلموا.

فعلىٰ هذا فقول مجاهد توجيهه أنه عنىٰ: ليميز اللَّه متبع الرسول من المنقلب علىٰ عقبيه، كما ميز الخبيث من الطيب لعباده.

والأصل أن القرآن: (بلسان عربي مبين)، فأبينه أعمه وأظهره دون أخصه وأخفاه، فلا يُعدَل لوجه خفي فيه أو خاص إلا ببينة شرعية من نص كتاب أو سنة أو إجماع أو قول خليفة راشد.

فأما إن كان هناك شيء من ذلك، فلا إشكال إذ صرف نص عن ظاهره إلىٰ خفي من المعنىٰ لبينة شرعية، هذا جمع للنصوص فتثبيت لها علىٰ التوفيق بينها، فهو اتباع لها لا تقديم لغيرها عليها كما يفعل أهل الكلام.

قال أبو جعفر الطبري في تفسيره:

” ... وإنما يوجه الكلام إلىٰ الأغلب المعروف في استعمال الناس من معانيه دون الخفي حتىٰ تأتي بخلاف ذلك مما يوجب صرفه إلىٰ الخفي من معانيه حجة يجب التسليم لها من كتاب، أو خبر عن الرسول ﷺ، أو إجماع من أهل التأويل. ... ”

هذا علىٰ أن من السلف من خرج الآية علىٰ ظاهرها، فجعلها لا في العلم السابق بل في العلم بالشيء موجودًا ظاهرًا كما هو قول ابن قتيبة.

واللَّه العالم، وصل اللهم وسلم علىٰ نبينا محمد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الخلاف في صفة الهرولة...

لم نزل القرآن متفرقًا علىٰ محكم ومتشابه؟

الجواب النبوي الشافي من داء القنوط...