مخالفة الأشاعرة والمعتزلة في الأسماء الحسنىٰ
بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّه، وبعد:
فقد قال غير واحد بموافقة الأشاعرة والمعتزلة لأهل السنة في باب الأسماء الحسنىٰ.
وهذا غلط واضح، وبيان ذلك من وجهين:
أحدهما أنهم لا يحققون من الأسماء الصفات في الغالب وإن أثبتوا فيثبتون إثباتًا بدعيًّا
فمن الأول ما ذكره البيهقي في الأسماء والصفات فقال:
( قلت: الجميل في أسماء اللَّه تعالىٰ قد ذكرنا، وهو عند أهل النظر بمعنى المجمل المحسن )
يريد أن اللَّه عز وجل لا يتصف بالجمال لأنه عندهم دال علىٰ الصورة، فجعلوا الجميل بمعنىٰ المجمل فقط.
والجميل من أسماء اللَّه له معنيان: المُجمِّل المُحسِن في تحسينه وتجميله، وذو الجمال.
وذاك أن فعيل تأتي بمعنىٰ الفاعل والمُفعِل، والأول أكثر وأغلب من الثاني.
ومثال الثاني قولك: بديع، أي مُبدِع، ووجيع أي مُوجِع، ومثال الأول قولك: كريم أو حليم أو رحيم.
قال أبو القاسم قوام السنة بكتاب الحجة في بيان المحجة:
( ومن أسمائه: الجميل: وهو المُجمِّل المُحسِّن، فعيل بمعنىٰ مُفعل.
وقيل: معنىٰ الجميل: ذو النور والبهجة، وقد روي في الحديث: إن اللَّه جميل يحب الجمال. )
فمن قال: إنه تعالىٰ مُجمِّلٌ مُحسِنٌ في تحسينه وتجميله لما خلق غيرَ نافٍ لوصفه بالجمال ولا مُنزِّهًا له عن ذلك، فلا شيء عليه، فذاك وجه في تفسير الاسم محتمل.
وهو لا يناقض الوجه الأول أنه جميل أي موصوفٌ بالجمال ككريم وحليم أي موصوف بالكرم والحِلم.
وقد جاءت أسماءٌ للَّه علىٰ وجه فاعل تارة وعلىٰ وجه مُفعِل تارة.
قال ابن قتيبة في غريب القرآن:
( ١٣- ومن صفاته ما جاء علىٰ فعيل بمعنىٰ فاعل، نحو: قدير بمعنىٰ قادر، وبصير بمعنىٰ باصر، وسميع بمعنىٰ سامع، وحفيظ بمعنىٰ حافظ، وبديء بمعنىٰ: بادئ الخلق، وشهيد بمعنىٰ "شاهد، وعليم بمعنىٰ عالم، ورقيب بمعنىٰ راقب - وهو: الحافظ -، وكفيل بمعنىٰ كافل، وخبير بمعنىٰ خابر، وحكيم بمعنىٰ حاكم، ومجيد بمعنىٰ ماجد وهو: الشريف
١٤- ومن صفاته ما جاء علىٰ فعيل بمعنىٰ مفعل، نحو بصير بمعنىٰ مبصر، وبديع الخلق بمعنىٰىمبدع الخلق. كما قالوا: سميع بمعنىٰ مسمع.
قال عمرو بن معديكرب: أمن ريحانة الداعي السميع
وعذاب أليم أي: مؤلم، وضرب وجيع أي: موجع. )
ومن الثاني إثبات الأشاعرة والكلابية لدلالة اسم السميع والبصير علىٰ السمع والبصر علىٰ غير ما دلت عليه النصوص.
فلم يثبتوا سمعّا ولا بصرًا فعليين، بل جعلوهما قدمين أزليين، وجعلوا السمع والبصر سمعًا وبصرًا واحدًا لكل المسموعات والمُبصَرات.
وقد قال الدارمي في نقضه علىٰ المريسي:
( اللَّه المتعالي عن هذا الوصف المنزه عنه، لأنَّ أسماء اللَّه هي تحقيق صفاته. )
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه اللَّه في شرح الواسطة [١٢]:
( ولذلك نحن نقول: إنه لا يمكن الإيمان بالأسماء حتىٰ تثبت ما تضمنته من الصفات. )
فهذا ما في الأمر الأول.
وأما ما في الأمر الثاني، فإنهم مخالفون لأهل السنة في إضافة وتثبيت تلك الأسماء للَّه جل وعز.
وذاك أن أهل السنة يثبتونها أسماءً من قول صاحبها والمسمىٰ بها له بتسميته غير مخلوقة إذ كانوا يثبتون الكلام للَّه جل وعز.
وهذا معناه أنه تقدس قوله تكلم بأسماءه ابتداءً، فهي من كلامه، وسمّىٰ نفسه بها، فهي أسماء للمسمىٰ بها من قوله غير مخلوقة.
قال ابن قتيبة في غريب القرآن متحدثاً عن اسم السلام / ٦:
( فسمىٰ نفسه جل ثناؤه سلامًا: لسلامته مما يلحق الخلق: من العيب والنقص، والفناء والموت )
فنسب التسمية للَّه عز وجل - والتسمية كلام تكلم اللَّه به -، وهذا الصواب.
قال اللاكائي في شرح أصول الاعتقاد:
( ٣٤٨ - أخبرنا أحمد بن محمد بن عمران , عن أبي بكر بن أبي داود السجستاني، قال: من زعم أن الاسم غير المسمىٰ، فقد زعم أن اللَّه غير اللَّه، وأبطل في ذلك لأن الاسم غير المسمىٰ في المخلوقين: لأن الرجل يسمىٰ محمودًا وهو مذموم، ويسمىٓ قاسمًا ولم يقسم شيئًا قط.
وإنما اللًَه جل ثناؤه واسمه منه، ولا نقول: اسمه هو، بل نقول: اسمه منه، فإن قال قائل: إن اسمه ليس منه، فإنه قال: إن اللَّه مجهول، فإن قال: إن له اسمًا وليس به فقال: إن مع اللَّه ثاني. )
فالأمر كما من أن اسم اللَّه منه، أي من قوله وتسميته، فهو اسمٌ لمسماه.
وقال الدارمي في نقضه بعد أن روىٰ آثر الوليد بن مسلم في جمع الأسماء الحسنىٰ:
( فهذه كلها أسماء اللَّه، لم تزل له كما لم يزل، بأيها دعوت فإنما تدعو اللَّه نفسه. )
فأسماءه جل وعلا لم تزل له ليست بمخلوقة لأنها من كماله، ولا يعقل أنها محدثة من قول المخلوق مستعارة منه للخالق، فيكون بذلك مجهولًا لا يُعرَف باسم قبل خلقها وعاجزًا إذ كان اسمه مستعارًا لا يكون له إلا بإعارةٍ من خلقه.
ولا يعقل أنها لم تكن له منذ الأزل صارت له بعد أن لم تكن لأن معنىٰ هذا أنه لم يسم نفسه بأكمل الأسماء وأحسنها، فيكون أعرف المعارف، ثم سمىٰ نفسه بها، فصار أعرف المعارف ولم يكن كذلك من قبل.
وكل ذلك غير معقول ولا مقبول بل لم يزل اللَّه جل وعلا متكلمًا ولم تزل أسمائه له بتسميته منذ الأزل، فهي من كماله ولا يتصور أن يكون الرب معطلًا عن كماله في زمن دون زمن.
وأما الفرق الكلامية كالأشاعرة والكلابية وغيرهم فقاضٍ مذهبهم بخلقها لأصل القول بنفي الصفات الفعلية الذي به نفوا الكلام وقالوا بخلق القرآن بما فيه من الأسماء الحسنىٰ.
وذلك معناه حسب مذهبهم أنها ليست من قول اللَّه وكلامه إذ كان لا يتكلم بحرف وصوت عندهم، فتكون مخلوقة من قول المخلوقين، وبتسميتهم ابتداءً لا تبعًا لتسمية الخالق، فهي علىٰ هذا مستعارة أعطاها الخلق له، وهذا الكفر والإلحاد باللَّه وأسماءه.
قال الدارمي في نقضه علىٰ المريسي:
( أرأيتم قولكم: إن أسماء اللَّه مخلوقة، فمن خلقها؟، أو كيف خلقها؟، أجعلها أجساماً وصورً تشغل أعيانها أمكنة دونه من الأرض والسماء؟، أم موضعاً دونه في الهواء؟
فإن قلتم: لها أجسام دونه، فهذا ما تنفيه عقول العقلاء.
وإن قلتم: خلقها على ألسنة العباد، فدعوه بها، وأعاروها إياه، فهو ما ادعينا عليكم: إن اللَّه بزعمكم كان مجهولًا لا اسم له حتىٰ حدث الخلق فأحدثوا أسماء من مخلوق كلامهم.
وهذا هو الإلحاد باللَّه وفي أسمائه، والتكذيب بها. )
وذاك الأمر يلزم منه أننا ندعو مخلوقات لأن الأسماء مخلوقة، وهذا شرك، ولذا رُمي الجهمية بالشرك.
جاء في خلق أفعال العباد للبخاري:
( وقال يزيد بن هارون: والذي لا إله اللّٰه إلا هو ما هم إلا زنادقة، وقال: مشرّكون )
وقال الخلال في السنة:
( ١٨٩٥ - أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: هذا ما احتج به أبو عبد اللَّه علىٰ الجهمية من القرآن، وكتبه بخطه وكتبته عن كتابه.
وقال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: في القرآن عليهم من الحجج في غير موضع - يعني الجهمية -
وقد ولفت ما روى المروذي وعبد اللَّه من هاهنا )
ثم مما ذكره الخلال:
( وقال: {وللَّه الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون}... )
فهنا الإمام أحمد يحتج بهذه الآية عليهم لأنهم يزعمون أنها أسماء مخلوقة، أو أن اللَّه لا يتكلم، فلا يكون علىٰ هذا قد تكلم بأسماءه بل خلقه تكلموا بها، فكيف والحال هذه يدعونا اللَّه عز وجل لدعاء مخلوقات من دونه وفيما لا يقدر عليه إلا هو!
ثم إن هذا لازم منه أن الأسماء إذ كانت مخلوقة فستفنىٰ، وأن اسم اللَّه يفنىٰ، وهذا كفر لأن اللَّه واسمه وصفته باقية.
وقد أشار لهذا الخلال في السنة فقال:
( ١٨٦٣ - وكتب إلي أحمد بن الحسين الوراق من الموصل، قال: ثنا بكر بن محمد، عن أبيه، عن أبي عبد اللَّه وسمعه يقول: من قال: إن أسماء اللَّه مخلوقة، فكأن أسماء اللَّه لم تكن حتىٰ خلقت، وإن كل مخلوق يبيد، فهذا عندي كافر إذا قال هذا. )
أبو عبد اللَّه هو الإمام أحمد، ولا أدري ما صحة السند له، ولكن المعنىٰ صحيح ومروي، واللَّه العالم.
وعلىٰ ما شرحت وبينت فلا يجوز نسبة الأشاعرة لإثبات الأسماء الحسنىٰ بإطلاق عام موهم أو ذكر إثباتهم لها بجانب إثبات الأئمة لها حتىٰ يظن الظان أنهم للأئمة في الباب موافقون.
ومن الغلط نسبة القرطبي والخطابي لتثبيت اسم الحيي كما في موقع الدرر السنية، بل هم وغيرهم علىٰ خلاف فيه مع أهل السنة من جهة اللفظ والمعنىٰ.
وحتىٰ إن قال المعطل: لا أقول بخلق الأسماء، فهي من كلامه وله بتسميته، ما كان بهذا علىٰ وفاق معنا، فإن هذا الكلام لا معنىٰ له إلا أن اللَّه متكلم بحرف وصوت بمشيئة، وهذا ما لا يثبته معطل.
والحمد للَّه رب العالمين.
تعليقات
إرسال تعليق