خلاف من ظُن به الوفاق في الأسماء الحسنىٰ.
بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّه، وبعد:
فقد قال غير واحد بموافقة الأشاعرة والمعتزلة لأهل السنة في باب الأسماء الحسنىٰ.
وهذا غلط واضح، وبيان ذلك من وجهين:
أحدهما أنهم لا يثبتون من الأسماء الصفات في الغالب وإن أثبتوا فيثبتون إثباتًا بدعيًّا لا حقيقة له ولا موضع.
فمن ذلك الأمر الأول ما ذكره البيهقي في الأسماء والصفات، إذ قال: قلت: الجميل في أسماء اللَّه تعالىٰ قد ذكرنا، وهو عند أهل النظر بمعنى المجمل المحسن.
يريد أن اللَّه عز وجل لا يتصف بالجمال الذي هو الجمال، إذ كان عندهم دالًّا علىٰ الصورة والهيئة، فجعلوا الجميل بمعنىٰ المجمل، ولا جمال.
والجميل من أسماء اللَّه له معنيان: المُجمِّل المُحسِن في تحسينه وتجميله خلقه إتقانًا لهم وإحكامًا، كما قال: (الذين أحسن كل شيء خلقه)، نظير قوله: (الذي أتقن كل شيء خلقه)
وقد يكون تجميله تعالىٰ شكلًا وصورةً في غير ذلك من أنواع التجميل والتحسين.
وأما معنىٰ الاسم الثاني، فذو الجمال.
وذلك أن فعيلًا تأتي بمعنىٰ الفاعل والمُفعِل، والأول أكثر وأغلب من الثاني.
ومثال الثاني قولك: بديع أي مُبدِع، ووجيع أي مُوجِع، ومثال الأول قولك: كريم أو حليم أو رحيم.
فمعنىٰ الجميل إذًا ما ذكرنا: المُحسِن المُجمِّل، وذو الجمال.
قال أبو القاسم قوام السنة بكتاب الحجة في بيان المحجة: ومن أسمائه: الجميل: وهو المُجمِّل المُحسِّن، فعيل بمعنىٰ مُفعل.
وقيل: معنىٰ الجميل: ذو النور والبهجة، وقد روي في الحديث: إن اللَّه جميل يحب الجمال.
أقول: فمن قال: إنه تعالىٰ مُجمِّلٌ مُحسِنٌ في تحسينه وتجميله لما خلق، من غير أن يدفع وصفه بالجمال مُنزِّهًا له عنه، فقد أصاب.
وقد جاءت أسماءٌ للَّه علىٰ وجه فاعل تارة وعلىٰ وجه مُفعِل تارة.
قال ابن قتيبة في غريب القرآن:
( ١٣- ومن صفاته ما جاء علىٰ فعيل بمعنىٰ فاعل، نحو: قدير بمعنىٰ قادر، وبصير بمعنىٰ باصر، وسميع بمعنىٰ سامع، وحفيظ بمعنىٰ حافظ، وبديء بمعنىٰ: بادئ الخلق، وشهيد بمعنىٰ شاهد، وعليم بمعنىٰ عالم، ورقيب بمعنىٰ راقب - وهو: الحافظ -، وكفيل بمعنىٰ كافل، وخبير بمعنىٰ خابر، وحكيم بمعنىٰ حاكم، ومجيد بمعنىٰ ماجد - وهو: الشريف -
١٤- ومن صفاته ما جاء علىٰ فعيل بمعنىٰ مفعل، نحو بصير بمعنىٰ مبصر، وبديع الخلق بمعنىٰ مبدع الخلق. كما قالوا: سميع بمعنىٰ مسمع.
قال عمرو بن معديكرب: أمن ريحانة الداعي السميع
وعذاب أليم أي: مؤلم، وضرب وجيع أي: موجع. )
ومنه أنهم لا يثبتون لازم بعض الأسماء، كما لم يثبتوا من اسم الجميل الصورة للَّه، إذ دل الاسم دلالة لزوم علىٰ ذلك، فجمال النفس يعني جمال الصورة.
قال الشيخ ابن عثيمين في شرح الواسطية:
( ولعلنا من هنا نتكلم علىْ دلالة الاسم، فالاسم له أنواع ثلاثة في الدلالة دلالة مطابقة، ودلالة تضمن، ودلالة التزام.
١ - فدلالة المطابقة: دلالة اللفظ علىٰ جميع مدلوله، وعلىٰ هذا، فكل اسم دال علىٰ المسمىٰ به، وهو اللَّه، وعلىٰ الصفة المشتق منها هذا الاسم.
٢ - ودلالة التضمن: دلالة اللفظ علىٰ بعض مدلوله، وعلىٰ هذا، فدلالة الاسم علىٰ الذات وحدها أو علىٰ الصفة وحدها من دلالة التضمن.
٣ - ودلالة الالتزام: دلالته علىٰ شيء يفهم لا من لفظ الاسم، لكن من لازمه، ولهذا سميناه: دلالة الالتزام.
مثل كلمة الخالق: اسم يدل علىٰ ذات اللَّه، ويدل علىٰ صفة الخلق.
إذًا، فباعتبار دلالته علىٰ الأمرين يسمىٰ دلالة مطابقة، لأن اللفظ دل علىٰ جميع مدلوله، ولا شك أنك إذا قلت: الخالق، فإنك تفهم خالقًا وخلقًا.
وباعتبار دلالته علىٰ الخالق وحده أو علىٰ الخلق وحده يسمىٰ دلالة تضمن، لأنه دل علىٰ بعض معناه،
وباعتبار دلالته علىٰ العلم والقدرة يسمىٰ دلالة التزام، إذ لا يمكن خلق إلا بعلم وقدرة، فدلالته علىٰ القدرة والعلم دلالة التزام.
وحينئذ، يتبين أن الإنسان إذا أنكر واحدًل من هذه الدلالة، فهو ملحد في الأسماء.
ولو قال: أنا أؤمن بدلالة الخالق علىٰ الذات، ولا أؤمن بدلالته علىٰ الصفة، فهو ملحد في الاسم.
لو قال: أنا أؤمن بأن الخالق تدل علىٰ ذات اللَّه، وعلىٰ صفة الخلق، لكن لا تدل علىٰ صفة العلم والقدرة، قلنا: هذا إلحاد أيضا، فلازم علينا أن نثبت كل ما دل عليه هذا الاسم، فإنكار شيء مما دل علىٰ الاسم من الصفة إلحاد في الاسم سواء كانت دلالته علىٰ هذه الصفة دلالة مطابقة أو تضمن أو التزام.
ولنضرب مثلًا حسيًّا تتبين فيه أنواع هذه الدلالات: لو قلت: لي بيت. فكلمة بيت فيها الدلالات الثلاث، فتفهم من بيت أنها تدل علىٰ كل البيت دلالة مطابقة.
وتدل علىٰ مجلس الرجال وحده، وعلىٰ الحمامات وحدها، وعلىٰ الصالة وحدها، دلالة تضمن، لأن هذه الأشياء جزء من البيت، ودلالة اللفظ علىٰ جزء معناه دلالة تضمن.
وتدل علىٰ أن هناك بانيا بناه دلالة التزام، لأنه ما من بيت إلا وله بان. )
قد أحسن الشيخ القول ففصل دلالة الاسم.
وعلىٰ ما قال، فمن أنكر دلالة اللزوم، فهو ملحد في الأسماء.
ومن ذلك الأمر الثاني إثبات الأشاعرة والكلابية لدلالة اسم السميع والبصير علىٰ السمع والبصر علىٰ غير ما دلت عليه النصوص.
فلم يثبتوا سمعّا ولا بصرًا فعليين، بل جعلوهما قديمين أزليين، وجعلوا السمع والبصر سمعًا وبصرًا واحدًا لكل المسموعات والمُبصَرات.
وقد قال الدارمي في نقضه علىٰ المريسي: اللَّه المتعالي عن هذا الوصف المنزه عنه، لأن أسماء اللَّه هي تحقيق صفاته.
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه اللَّه في شرح الواسطية: ولذلك نحن نقول: إنه لا يمكن الإيمان بالأسماء حتىٰ تثبت ما تضمنته من الصفات.
(١) وقال ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية: وقال الخلال: وزادني أبو القاسم الجبلي عن حنبل في هذا الكلام: وقال تبارك وتعالىٰ: (اللَّه لا إله إلا هو الحي القيوم)، (لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر)، هذه صفات اللَّه عز وجل وأسماؤه تبارك وتعالىٰ.
هذا كلام الإمام أحمد، فانظر كيف ذكر الأسماء وقال: هذه صفات اللَّه، فهي تحقيق صفاته وتثبيتها.
فهذا ما في الأمر الأول.
وأما ما في الأمر الثاني، فإنهم مخالفون لأهل السنة في إضافة وتثبيت تلك الأسماء للَّه جل وعز.
وذلك أن أهل السنة يثبتونها أسماءً من قول صاحبها والمسمىٰ بها له ومن تسميته غير مخلوقة، إذ كانوا يثبتون الكلام للَّه جل وعز.
وهذا معناه أنه تقدس اسمه تكلم بأسماءه ابتداءً، فهي من كلامه، وسمّىٰ نفسه بها، فهي أسماء للمسمىٰ بها من قوله غير مخلوقة.
قال ابن قتيبة في غريب القرآن متحدثًا عن اسم السلام: فسمىٰ نفسه جل ثناؤه سلامًا: لسلامته مما يلحق الخلق: من العيب والنقص، والفناء والموت.
فنسب التسمية للَّه عز وجل - والتسمية كلام تكلم اللَّه به -، وهذا الصواب.
قال اللاكائي في شرح أصول الاعتقاد:
(٣٤٨ - أخبرنا أحمد بن محمد بن عمران , عن أبي بكر بن أبي داود السجستاني، قال: من زعم أن الاسم غير المسمىٰ، فقد زعم أن اللَّه غير اللَّه، وأبطل في ذلك، لأن الاسم غير المسمىٰ في المخلوقين، لأن الرجل يسمىٰ محمودًا وهو مذموم، ويسمىٓ قاسمًا ولم يقسم شيئًا قط.
وإنما اللًَه جل ثناؤه واسمه منه، ولا نقول: اسمه هو، بل نقول: اسمه منه، فإن قال قائل: إن اسمه ليس منه، فإنه قال: إن اللَّه مجهول، فإن قال: إن له اسمًا وليس به، فقال: إن مع اللَّه ثاني.)
فالأمر كما من أن اسم اللَّه منه، أي من قوله وتسميته، فهو اسمٌ لمسماه، عرف به نفسه قبل خلقه، فلم يكن مجهولًا من قبل الخلق ومن بعد.
وقال الدارمي في نقضه بعد أن روىٰ آثر الوليد بن مسلم في جمع الأسماء الحسنىٰ: فهذه كلها أسماء اللَّه، لم تزل له كما لم يزل، بأيها دعوت فإنما تدعو اللَّه نفسه.
فأسماءه جل وعلا لم تزل له غير مخلوقة، إذ كانت من تعريفه وكماله، ولا يعقل في العقل أنها أسماء محدثة من قول المخلوق مستعارة منه للخالق، فيكون بذلك مجهولًا، لا يُعرَف باسم قبل خلقها، وعاجزًا إذ كان اسمه مستعارًا، لا يكون له إلا بإعارةٍ من خلقه.
ولا يعقل في العقل أنها لم تكن له منذ الأزل، ثم صارت له بعد أن لم تكن، فذلك معناه أنه لم يكن قد سمىٰ وعرَّف نفسه بأكمل الأسماء وأحسنها، فيكون معروفًا بها أحسن المعرفة بكماله وحسنه، ولا كان ممدوحًا بها أحسن المدح، ثم سمىٰ نفسه بها، فكان ذلك.
وكل ذلك غير معقول ولا مقبول، بل لم يزل اللَّه جل وعلا متكلمًا، فلم تزل أسمائه له بتسميته منذ الأزل، يعرف بها نفسه ويذكرها لها، ويمدح ويظهر بها وبأحسن الأسماء الدالة علىٰ الحسن حسن نفسه من قبل الخلق ومن بعد: (لمن الملك اليوم للَّه الواحد القهار)
فهي من كماله الذي منه وله، وكذلك صفاته، كما قال الإمام أحمد: ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه وله.
(٢) ذكر ذلك ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية نقلًا عن الخلال في كتاب السنة.
فإذا كان ذلك كذلك، فغير جائز أن يكون الرب معطلًا عن كماله في زمن دون زمن، بل صفاته وأسماءه له ومنه، لم تزل له، وستزال له.
وأما الفرق الكلامية كالأشاعرة والكلابية وغيرهم فقاضٍ مذهبهم بخلقها وفناءها، لأصل أصلوه من نفي الصفات الفعلية، وهو الأصل الذي به نفوا الكلام وقالوا بخلق القرآن بما فيه من الأسماء الحسنىٰ.
وذلك معناه حسب مذهبهم أنها ليست من قول اللَّه وكلامه، إذ كان عندهم لا يتكلم بحرف وصوت، فيكون كلامه بمشيئة.
فمعنىٰ ذلك أنها مخلوقة فانية من قول المخلوقين الفانين، وبتسميتهم ابتداءً، لا تبعًا لتسمية الخالق، فهي علىٰ هذا مستعارة أعطاها الخلق له، وفانية تفنىٰ كالخلق، وهذا الكفر والإلحاد باللَّه وأسماءه.
قال الدارمي في نقضه علىٰ المريسي:
(أرأيتم قولكم: إن أسماء اللَّه مخلوقة، فمن خلقها؟، أو كيف خلقها؟، أجعلها أجسامًا وصورًا تشغل أعيانها أمكنة دونه من الأرض والسماء؟، أم موضعًل دونه في الهواء؟
فإن قلتم: لها أجسام دونه، فهذا ما تنفيه عقول العقلاء.
وإن قلتم: خلقها علىٰ ألسنة العباد، فدعوه بها، وأعاروها إياه، فهو ما ادعينا عليكم: إن اللَّه بزعمكم كان مجهولًا لا اسم له، حتىٰ حدث الخلق، فأحدثوا أسماء من مخلوق كلامهم.
وهذا هو الإلحاد باللَّه وفي أسمائه، والتكذيب بها.)
وذلك الأمر يلزم منه أننا ندعو مخلوقات لأن الأسماء مخلوقة، وهذا شرك، ولذا رُمي الجهمية بالشرك.
جاء في خلق أفعال العباد للبخاري:
(وقال يزيد بن هارون: والذي لا إله اللّٰه إلا هو ما هم إلا زنادقة، وقال: مشرّكون.)
وقال الخلال في السنة:
(١٨٩٥ - أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: هذا ما احتج به أبو عبد اللَّه علىٰ الجهمية من القرآن، وكتبه بخطه وكتبته عن كتابه.
وقال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: في القرآن عليهم من الحجج في غير موضع - يعني الجهمية -
وقد ولفت ما روى المروذي وعبد اللَّه من هاهنا.)
ثم مما ذكره الخلال:
( وقال: {وللَّه الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون}... )
فهنا الإمام أحمد يحتج بهذه الآية عليهم، إذ زعموا أنها أسماء مخلوقة، أو أن اللَّه لا يتكلم، فلا يكون علىٰ هذا قد تكلم بأسماءه، بل خلقه تكلموا بها، فكيف والحال هذه يدعونا اللَّه عز وجل لدعاء مخلوقات من دونه وفيما لا يقدر عليه إلا هو!
ثم إن ذلك لازم منه أن الأسماء، إذ كانت مخلوقة، فستفنىٰ، وأن اسم اللَّه يفنىٰ، وهذا كفر لأن اللَّه واسمه وصفته باقيان.
وقد أشار لهذا الخلال في السنة فقال:
(١٨٦٣ - وكتب إلي أحمد بن الحسين الوراق من الموصل، قال: ثنا بكر بن محمد، عن أبيه، عن أبي عبد اللَّه وسمعه يقول: من قال: إن أسماء اللَّه مخلوقة، فكأن أسماء اللَّه لم تكن حتىٰ خلقت، وإن كل مخلوق يبيد، فهذا عندي كافر إذا قال هذا.)
أبو عبد اللَّه هو الإمام أحمد، ولا أدري ما صحة السند له، ولكن المعنىٰ صحيح ومروي، واللَّه العالم.
وعلىٰ ما شرحت وبينت، فلا يجوز ولا يسوغ نسبة الأشاعرة لإثبات الأسماء الحسنىٰ بإطلاق موهم، أو ذكر إثباتهم لها بجانب إثبات الأئمة لها حتىٰ يظن الظان أنهم للأئمة في الباب موافقون.
ومن الغلط نسبة القرطبي والخطابي لتثبيت اسم الحيي كما في موقع الدرر السنية، بل هم وغيرهم علىٰ خلاف فيه مع أهل السنة من جهة المعنىٰ واللفظ أن الاسم من كلام اللَّه من تسميته نفسه بأحسن الأسماء لها ولمدحها وإظهار ما بها من الحسن والصفة، فهو منه وله غير مخلوق.
وحتىٰ إن قال المعطل المنكر للقول والكلام: لا أقول بخلق الأسماء، ولا أنها كلام الخلق بِدءًا مستعارةً منهم للَّه فانيةً، ما كان بهذا علىٰ وفاق معنا، فإن ذلك لازم ظاهر له لا انفكاك منه وإن أنكر، فليس هو بمعتقد في باطن اعتقاده بخلق القرآن فالكلام بظاهر ما قال.
وهو لازم لزمه عن إثمه الذي استحقه بزيغ قلبه، وتتبعه ما تشابه منه ابتغاء الشبه علىٰ أنه كلامه وقوله، وهو في هذا مع ذلك إنما قال بما قال لشبه من العقل معرضًا عن النقل.
ولذا فهو مأخوذ بما لزمه ومحاسب عند اللَّه تعالىٰ.
ألم تسمع قول اللَّه تعالىٰ: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه)، وما أشبهه، مما أفهم فيه أن مشركي قريش قد كانوا علىٰ إثبات شفاعة بغير إذنه.
وما أثبتوا وهم القائلون: تملكه وما ملك، فأي شيء اعتقدوا في أصنامهم، إذ أقروا بما أقروا، حتىٰ يسوغ عندهم أن تشفع لهم بغير إذنه، وقد أقروا أنها مملوكة لا تملك، وإنما اللَّه المالك لها، فلا تكون إلا بإذن مالكها؟
غير أنهم لما قالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلا اللَّه زلفىٰ)، أي إلا ليقربونا قربة، ويشفعوا لنا، كما يقرب العمل الصالح صاحبه عند ربه، ويشفع له عنده.
وروىٰ سعيد بن أبي عروبة - وإنما يروي من كتاب عن قتادة - قول قتادة: قالوا: ما نعبد هؤلاء إلا ليقربونا، إلا ليشفعُوا لنا عند اللَّه.
وروىٰ ابن أبي نجيح - وإنما يروي من كتاب القاسم بن أبي بزة - قول مجاهد: قريش تقوله للأوثان، ومن قَبْلَهم يقوله للملائكة ولعيسىٰ ابن مريم ولعزير.
فإذا كان ذلك كذلك، وكانوا قد قالوا ما قالوا بغير علم كذبًا علىٰ اللَّه، كان لازمًا ظاهرًا لهم أنهم بشفاعة بغير إذنه قائلون، ولذلك مثبتون، فصح أن يُنسبوا لذلك، وأن يقال أنهم قائلون به، وإن لم يقولوه، إذ هو لازم ظاهر لهم، وكان عن إثمهم الذي استحقوه بزيغ قلوبهم، فهم مأخوذون به عند اللَّه تعالىٰ ومحاسبون.
وفي صحيح البخاري عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم: ( إنَّ مِن أكبَرِ الكَبائِرِ أنْ يَلعَنَ الرجُلُ والِدَيه، قالوا يا رسولَ اللَّهِ وكيفَ يَلعَنُ الرجُلُ أبَوَيه؟، قال: يَسُبُّ الرجُلُ الرجُلَ، فيَسُبُّ أباه، ويَسُبُّ الرجُلُ أُمَّه، فيَسُبُّ أُمَّه. )
أفلا تراه قد لزمه سب والديه، فحمل وزر ذلك كالساب لهما، وما سبهما، إذ كان ذلك عن إثمه.
هذا علىٰ أن القول بخلق القرآن فالكلام كفر وحده، ولو أمكن دون لزوم ذلك، ولو أمكن دون نفي باقي الصفات، وفي القرآن قول اللَّه تعالىٰ: (ومن الأحزاب من ينكر بعضه)
وإنكار بعضه دون كله كإنكار كله، إذ كان بعضه مصدقًا لبعض، ودالًّا علىٰ بعض، وكذلك كل صفة للَّه في القرآن، فهي صفة علو تدل علىٰ غيرها من صفات العلو، وتصدق وصف اللَّه بمثلها.
ألا تراه يقول: (كذبت قوم نوح المرسلين)، وإنكما كذبوا نوحًا صلَّىٰ اللَّه عليه وحده، فكان في ذلك تكذيب كل الرسل، إذ دل بعضهم علىٰ بعض في التوحيد الذي دعوا أقوامهم له، وصدق بعضهم بعضًا في ذلك.
فتكذيب أحدهم دون كل الرسل في الدعوة للتوحيد تكذيب بهم كلهم في ذلك.
وكذلك إنكار بعض علي صفاته دون كل الصفات إنكار لها كلها في علوها.
ألا تراه قال عمن قال في الرسل: (نؤمن ببعض ونكفر ببعض)، قال: (أولئك هم الكافرون حقا)، بالرسل.
وكذلك منكر بعض صفات رب الرسل هو الكافر حقًّا باللَّه بصفاته.
(٣) وقد روىٰ الخلال في كتاب السنة عن إبراهيم بن الحارث العبادي، عن أحمد، كلامًا طويلًا ذكره، فمنه: قلت لأبي عبد اللَّه: فمن قال: القرآن مخلوق، وقال: لا أقول أسماء اللَّه مخلوقة، ولا علمه، لم يزد علىٰ هذا، أقول: هو كافر؟
قال: هكذا هو عندنا.
أقول: وهكذا هو عند عامة العلماء من السلف، فإنهم أكفروا من قال بخلق القرآن في أثار كثيرة وكلام مفترق كثير، وما اشترطوا أن يقول مع ذلك بكذا.
ومشترط هذا أو غيره لإكفار منكر الكلام أو أي منكر أصل مبين يُبنىٰ عليه ما سواه، أي صفة من الصفات، مشترط شرطًا لم يشترطه أهل العلم، فهو غير مقبول منه ولا معقول، لما ذكرنا من أن منكر الكلام أو أي صفة من الصفات منكر في ذلك لكل الصفات والأسماء التي هي من كلامه وصفته الدالة علىٰ ما به من الصفات.
ولما سبق هذا الكلام نقول: إن توحيد اللَّه بأسماءه الحسنىٰ التي منه وله، كما قال: (وللَّه الأسماء)، التي لنفسه بها يُعرِّفها، (الحسنىٰ)، التي تُظهِر ما به من الحسن حسن الصفة صفته العليا، كما قال: (وللَّه المثل الأعلىٰ)، أي الصفة الأعلىٰ، وهو نظير قوله: (مثل الجنة التي وعد المتقون)، أي صفتها.
نقول: إن ذلك توحيد تاركه ليس كالقائم به من أهل السنة بل ولا من أهل البدعة ممن لم يتلبس بشرك التعطيل.
وقد قال أبو سعيد الدارمي قولًا في الأسماء شافٍ كافٍ.
قال في النقض علىٰ المريسي:
(وفي أسماء اللَّه حجج وآثار أكثر مما ذكرنا، تركناها مخافة التطويل، وفيما ذكرنا من ذلك بيان بين، ودلالة ظاهرة، علىٰ إلحاد هؤلاء الملحدين في أسمائه، المبتدعين أنها محدثة مخلوقة، قاتلهم اللَّه أنىٰ يخرصون، وعز ربنا وجل عما غمصوه، وتبارك وتعالىٰ عما تنقصوه، وهو المنتقم منهم فيما افترضوه.
وأي تأويل أوحش من أن يدعي رجل أن اللَّه كان ولا اسم له؟!
ما مدعي هذا بمؤمن، ولن يدخل الإيمان قلب رجل حتىٰ يعلم أن اللَّه لم يزل إلهًا واحدًا، بجميع أسمائه، وجميع صفاته، لم يحدث له منها شيء، كما لم تزل وحدانيته تبارك وتعالىٰ.)
إنما أراد بأنه لم يحدث له من أسماءه وصفاته شيء، أنه لم يكن ولا صفة ولا اسم.
وهذا خلاف القول بأن له صفةً فعلًا وكلامًا حادثًا جديدًا، يكون بعد أن لم يكن.
لأن من قال ذلك لم يقل: إنه كان لا فعل ولا كلام، بل قد كان وكان له فعل وكلام من قبل، إذ لم يزل اللَّه الفعال لما يريد فعالًا متىٰ شاء إذا شاء، فله قبل كل فعل فعل، فكل فعل بعينه ونفسه وإن كان حادثًا جديدًا، فمسبوق بغيره، لا أنه كان ولم يكن فعل، ثم فعل.
ويدلك علىٰ أن المعني بالحدوث والمحدث المعنىٰ الذي ذكرت من أن يكون اللَّه ولا تكون الصفة ولا الفعل من أصله، لا أن المعني تجدد وحدوث الفعل المعين الكائن بعد أن لم يكن.
يدلك علىٰ ذلك قوله في نفس كتابه النقض علىٰ المريسي:
(فأهل لك أنهم لا يرون الكلام من الناطق محدثًا، فقد فهمنا مرادك من هذا، يعني أنهم لا يرونه مخلوقًا محدثًا للَّه، فقد صدقت في دعواك عليهم: لا يرونه محدثًا للَّه كما ادعيت، ومن رآه محدثًا للَّه عدوه كافرًا، لأن مذهبه في ذلك أن اللَّه كان، ولا كلام له.)
فذا وجه تكفير من قال بحدوث كلامه والقرآن أو شيء من صفات فعله، أنه مريد بذلك أن اللَّه قد كان ولا كلام ولا صفة فعل.
(٤) وقد روىٰ أبو بكر الخلال في السنة وابن بطة في الإبانة عن عبيد اللَّه بن حنبل، عن حنبل، عن أبي عبد اللَّه أحمد قال: وقال لي عبد الرحمن: كان اللَّه ولا قرآن، فقلت له مجيبًا: كان اللَّه ولا علم؟
يريد أن اللَّه قد كان ولا قرآن، فكان ولا كلام، لأن القرآن فكل كلامه إن كان مخلوقًا كما زعم وزعموا، فقد أحدثه إذًا مخلوق بِدءًا من قوله، وكل محدث من مخلوق، فاللَّه سابقه، وكان ولم يكن معه.
فأجاب الإمام أن القرآن من علم اللَّه، وكذلك كل كلامه، وقد كان اللَّه وعلمه، فكان والقرآن والكلام، وإن كان كل كلام بوقته حادث متجدد بمشيئته، إذ لم يزل متكلمًا فعالًا إذا شاء.
وليس وجه الكلام عن القرآن وحده، فالجهمية إذ قالوا أنه كان ولا قرآن، قالوا: إنه كان ولا كلام، لأنهم لا يعنون القرآن وحده، بل يعنون الصفة الكلام للَّه كله.
وقال الإمام في نفس كلامه المذكور بالأثر: والقرآن كلام اللَّه، منه بدأ، وإليه يعود.
وقال: لم يزل اللَّه عالمًا متكلمًا، نعبد اللَّه بصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف بها نفسه.
وقال: استوىٰ علىٰ العرش كيف شاء، المشيئة إليه، والاستطاعة له: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)
فهذا واضح في إثبات الفعل والكلام له أزلًا، وأن ذلك وكل فعله منه بدأ، وأن له المشيئة في استواءه وسائر فعله، فيفعل ويستوي بها كيف شاء، بكيفية هو أعلم بها.
والعجب ممن صدف فأعرض عن ذلك وهو في نفس كلامه الذي يستدل به علىٰ أن القرآن غير محدث ولا متجدد، وترك مع ذلك الواضح المشهور من مذهب الإمام، وقوله: لم يزل اللَّه متكلمًا إذا شاء.
وقوله أن القرآن منه بدأ وإليه يعود، وتفسيره عبارة منه بدأ، إذ قال: منه بدأ، هو المتكلم به، وإليه يعود.
وترك كلام غيره من الأئمة والعلماء، والمنصوص المفصل من أن اللَّه فعال لما يريد، وأن له الفعل والكلام إذا شاء.
فترك ذلك وغيره، للفظ اشتبه عليه، فتعلق به، ولما قل وضَعُف بيانه من أقوال بعض العلماء، فأدل علىٰ عوار حجته، وزيغ قلبه، وقلة صدقة في اتباع الأئمة المتبعين، وتحري مذهب العلماء المتحرين، وهو تارك لكل كلامهم، وللمنصوص من مرويهم، وعامد قاصد لبعض كلام بعضهم، فأي شيء هذا؟!
وهذا أولىٰ به وأحرىٰ الزيغ المذكور في قوله: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله)، من كل مبتدع تعلق بشبه من المنصوص وشيء من البيان ملتبس.
وذلك أنه متعلق لا بنص علىٰ محال مقالته من أن القرآن المُبتدَئ بالفاتحة المنتهي بالناس أزلي، بل بشبه من قول عالم أو اثنين أو ثلاثة دون كل العلماء، وتارك واضح شهير قولهم وقول غيرهم، وآيات مفصلات وأحاديث مروية من العلماء لا تحصىٰ في تثبيت الفعل والكلام للَّه إذا شاء متىٰ شاء.
وصدق الدارمي، إذ قال في مثل ذلك من حجاج الجهمية بداحض الحجج، وبالتي هي أعوج: (هذا إلىٰ الابتداع أقرب منه إلىٰ الاتباع، وإلىٰ الجهل أقرب منه إلىٰ العدل، غير أن المصيب يتعلق من الآثار بكل واضح مشهور، والمريب يتعلق بكل متشابه مغمور.)
والحمد للَّه رب العالمين.
تعليقات
إرسال تعليق