من هو الإمام عند أهل السنة؟

بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّه، وبعد:

فهذا كلام داعيه ما يُرَىٰ من التساهل في تأميم من ليس بإمام، واستهوان ذلك بل التشنيع علىٰ من ينكره!

قال حرب الكرماني في السنة حاكيًّا الإجماع [٦٠]:

” ... والدِّينُ إنما هو: كتابُ اللَّهِ - ﷻ -، وأثارٌ وسننٌ، ورواياتٌ صِحاح عن الثقاتِ بالأخبارِ الصحيحةِ القوية المعروفة المشهورة.

يصدق بعضها بعضًا حتىٰ ينتهي ذلك إلىٰ النبي ﷺ، أو أصحابِ النبي، أو التابعين، أو تابعي التابعين، أو من بعدهم من الأئمةِ المعروفينَ المُقتدَى بهم الذين لا يُعرَفون ببدعة، ولا يُطعَن عليهم بكذب، ولا يُرمَون بخلاف. ... ”

هذا الإجماع يبين قاعدة أهل الحديث في الإمامة.

فالإمام يُشتَرط فيه أن لا يُعرَف ببدعة وضلال، فيُعرَف بسنةٍ وإصابةٍ لصحيح الاعتقاد.

وأن لا يُطعَن عليه بكذب وما أشبهه من فسق، فيُمدَح بخيرٍ وصلاحٍ حافظًا لفرائضه وعمله.

وأن لا يُرمَىٰ بخلاف أي أن لا يُرمَىٰ بالشذوذ، وذاك إن أكثر من الشذوذ بمخالفة سنن قد ظهرت أو استبانت لغيرها، أو كان له نهج شاذ قاضٍ بخلاف السنن والأثار.

وقد ذُكِرَ عن عبد الرحمن بن مهدي أن المحدث بالشاذ من العلم المخالف لما ظهر واستبان من السنن ليس بإمام في العلم.

قال ابن رجب في شرح علل الترمذي:

” ... وعنه - أي عبد الرحمن بن مهدي - قال: لا يكون إمامًا في الحديث من يحدث بكل ما سمع، ولا يكون إمامًا في العلم من يحدث عن كل أحد، ولا يكون إمامًا في العلم من يحدث بالشاذ من العلم. ... ”

ومثال هذا ما روىٰ عبد اللَّه بن أحمد، فقال:

” ٢٩٧ - حدثنا إبراهيم بن الحجاج الناجي، ثنا حماد بن زيد، قال: جلست إلىٰ أبي حنيفة بمكة، فجاءه رجل، فقال: لبست النعلين أو قال: لبست السراويل وأنا محرم أو قال: لبست الخفين وأنا محرم - شك إبراهيم -

فقال أبو حنيفة: عليك دم، فقلت للرجل وجدت نعلين أو وجدت إزارًا؟، قال: لا، فقلت: يا أبا حنيفة إن هذا يزعم أنه لم يجد، قال: سواء وجد أو لم يجد.

قال حماد: فقلت حدثنا عمرو بن دينار عن جابر بن زيد، عن ابن عباس رضي اللَّه عنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: السراويل لمن لم يجد الإزار والخفين لمن لم يجد النعلين.

وحدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر رضي اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: السراويل لمن لم يجد الإزار والخفين لمن لم يجد النعلين.

فقال بيده وحرك إبراهيم بن الحجاج يده أي لا شيء، فقلت له: فأنت عن من؟، قال: نا حماد بن إبراهيم، قال: عليه دم وجد أو لم يجد.

قال: فقمت من عنده، فتلقاني الحجاج بن أرطأة داخل المسجد، فقلت له: يا أبا أرطأة ما تقول في محرم لبس السراويل ولم يجد الإزار ولبس الخفين ولم يجد النعلين؟

فقال: حدثني عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: السراويل لمن لم يجد الإزار والخفين لمن لم يجد النعلين.

قال فقلت له: يا أبا أرطأة: أما تحفظ أنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ؟

قال: وحدثني أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي رضي اللَّه عنه أنه قال: السراويل لمن لم يجد الإزار والخفين لمن لم يجد النعلين.

قال: فقلت له ما بال صاحبكم قال كذا وكذا؟، قال: ففي ذاك وصاحب من ذاك؟، قبح اللَّه ذاك. ”

هذا ما ذكره الإمام في كتاب السنة له، وشيخه إبراهيم بن الحجاج الناجي السامي هو أبو إسحاق، وثقه ابن حبان، وتوثيقه علىٰ الإصابة والإجادة.

وذاك أنه قد روىٰ عنه عبد اللَّه بن أحمد، وهو ممن لا يروي إلا عن ثقة.

قال ابن حجر في تعجيل المنفعة:

” ٦٤٩ - عبد الرحمن بن المعلم أبو مسلم عن أبي جابر التميمي روى عنه عبد اللَّه بن أحمد حديثًا واحدًا لا يُدرَي من هو

قلت ما كان عبد اللَّه يكتب إلا عن من أذن له أبوه في الكتابة عنه، فهذا القدر يكفي في التعريف. ”

وقال:

” ٩ - إبراهيم بن الحسن الباهلي العلاف المقري عن حماد بن زيد وأبي عوانة وعنه عبد اللَّه بن أحمد وغيره وليس هو بالمشهور

قلت: كان عبد اللَّه بن أحمد لا يكتب الا عن من أذن له أبوه في الكتابة عنه، وكان لا يأذن له أن يكتب إلا عن أهل السنة حتىٰ كان يمنعه أن يكتب عن من أجاب في المحنة، ولذلك فاته علي بن الجعد ونظراؤه من المسندين، ثم إن هذا الباهلي وثقه أبو زرعة. ”

فاستدل ابن حجر علىٰ التوثيق، وانتفاء الجهالة، وتحقق التعريف برواية عبد اللَّه بن أحمد إذ كان لا يكتب ولا يحدث إلا عمن رضيه أحمد، وأحمد إمام بصير، لن يرضَ له في شأن الحديث بالضعفاء وأهل المناكير فضلًا عن الكذبة والمُختلِقين.

والأثر الذي ذكره الحجاج بن أرطأة عن الحارث عن علي، هذا إنما ذكره استئناسًا بعد الحديث الأصل، لا أنه يحتج برواية الحارث المتهم.

وفي ذلك الأثر وغيره دلالة بينة علىٰ إنكار السلف لمن يحدث بالشاذ من العلم أمام سنة قد ظهرت أو استبانت، فإن صاحب الفتوىٰ الأصل ربما خفي عليه أو اشتبه عليه الأمر، فمن ظهر له أو استبان ما جاز له أن يحدث بفتواه أمام السنة وقد عرفها.

وليس كما يقول بعضهم: الإمام فلان أعلم بالسنة، فهذا باطل بل كلٌّ قد يخفىٰ عليه شيء أو يشتبه، فيُدرِكُهُ من هو دونه من المتعلمين الباحثين.

وذلك كما أدرك الهدهد ما لم يُدرِكُهُ سليمان ﷺ، فمن هذا الذي هو أجل منه حتىٰ يعظُمُ علينا أن نقول فيه: إنه خفي عليه كذا أو كذا؟

هذا واعلم رحمك اللَّه أن الإمام لفظ شرعي، وهو يهدي بأمر اللَّه، فيُؤتَمُ به ويُهتَدَىٰ كما قال تعالىٰ: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا)

فجعل تعالىٰ إبراهيم وولديه أئمة يُهتَدىٰ بهم إذ كانوا يهدون بأمره إلىٰ الملة القويمة والديانة الصحيحة.

وقال تعالىٰ: (واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب)

وقال تعالىٰ: (واتبعوا ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين)، لأنه إمام يهدي بأمر اللَّه.

وقال ابن قتيبة رحمه اللَّه:

( الإمام: أصله ما ائتممت به، قال اللَّه تعالىٰ لإبراهيم: (إني جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا)، أي: يؤتم بك، ويقتدىٰ بسنتك. )

هذا ما ذكره في كتابه تأويل مشكل القراءن.

وإن قيل: أفيلزم الأئتمام بالأئمة في كل شيء؟

قيل: لا، ولكن أيلزم أن لا نأتم بهم في كل شيء أيضًا؟

والجواب علىٰ ذلك نحو جوابنا علىٰ السؤال الأول.

وذاك أن الإمام هو من يهتدىٰ به ويؤتم في الديانة الصحيحة والسنة الصحيحة.

ومن لم يهتدي بالأئمة في ذلك، فعُرِفَ ببدعةٍ لا سنةٍ أو خلافٍ للسنن والأثار لا اتباعٍ لها أو عِوجٍ عن الأمر والنهي بالكذب أو غيره لم يكن إمامًا شرعيًّا.

وذلك أن الإمام لا يكون إمامًا إلا وهو بالأئمة من قبله مؤتم وبهم مهتدٍ.

قال أبو خيثمة زهير بن حرب في كتاب العلم:

” ٢٩ - نَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، قَالَ: نَأْتَمُّ بِهِمْ وَنَقْتَدِي بِهِمْ حَتَّىٰ يَقْتَدِيَ بِنَا مَنْ بَعْدَنَا. ” 

هذا سند صحيح.

فهذا كذاك غير أن الإمام بشرٌ، لازمٌ عليه الزلل والغلط، وقد يكون ذلك ظاهرًا أو لا يكون، فلا يؤتم به في شيء من ذاك.

والزلل والغلط ليس كالكفر ولا البدع ولا الخِلاف والفجور، كأن يجتهد إمام بما ساغ به الاجتهاد واتسع فيغلط كما اجتهد نبي اللَّه داود ﷺ فأخطأ، وفهَّم اللَّه ابنه سليمان ﷺ فأصاب.

فهذا من الغلط الخفي إذ لا نص قد كان مع داود ﷺ، وإنما اجتهد برأيه وقياسه، فغلط.

وقد قال أحمد في بعض أقوال سفيان الثوري وهو إمام الأئمة ومن لا نظير له: بئس ما قال، لما زلت قدمه فيها بوضوح.

وهذا من الغلط الظاهر الذي لا يكون صاحبه فيه كمن شذ عن الاتباع، وقدم شاذ العلم عليه، أو انتهج نهجًا قاضٍ بخلافه.

هذا وصل اللهم وسلم علىٰ نبينا محمد. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الخلاف في صفة الهرولة...

لم نزل القرآن متفرقًا علىٰ محكم ومتشابه؟

الجواب النبوي الشافي من داء القنوط...