قاعدة في الألفاظ المحققة لمعنى النص...

بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّه، وبعد:

فهذه قاعدة عامة في الألفاظ الخارجة عن ألفاظ النصوص بباب الصفات الإلهية.

وذلك أننا نجد من السلف ألفاظًا كنحو قولهم: بائن، بحد، كلام اللَّه غير مخلوق، وما أشبه هذا مما هو عن لفظ النص خارج، فما داعي ذلك؟

والإجابة أن مثل ذلك من عميق فقه السلف، فلما ظهر أهل التعطيل واتخذوا سبلهم في نفي الصفات الإلهية بتحريفها أة بتفويضها والتوقف فيها كان في هذا أمرين:

الأول هو تعطيل هؤلاء دلالة النص علىٰ الصفة.

والثاني هو تلبيس المعطلة علىٰ الناس أنهم موافقين للمسلمين ولأئمة الإسلام فيما يقولونه.

وذاك أن الجهمي قد يقول: القرآن كلام اللَّه، وهو في الظاهر يوافق النص، وفي الباطن يخالفه إذ يُرِيدُ بكلام اللَّه أنه بائن عنه مخلوق في خلق.

وربما أراد مذهب الواقفة، فيقول كلام اللَّه متوقفًا علىٰ نفس الحروف وعينها دون تحقيق معناها أن كلام اللَّه يعني صفته تعالىٰ. 

وقد يقول: اللَّه فوق العرش وعلا علىٰ العرش، ويريد علو المكانة والقدر.

وربما أراد أنه فوق العرش إذ كان بكل مكان، فهو هناك وفي كل مكان غيره، وهذا مذهب الحلولية الجهمية.

وقد ذكر الدارمي في نقضه عن المعارض الجهمي أنه قال: ( لِأَنَّهُ عَلَىٰ العَرْشِ، وبِكُلِّ مَكَانٍ، ولا يُوصَفُ بِأَيْنَ. )

فالقوم قد يقولون بإثبات الفوقية قاصدين الحلول. 

فلهذا الذي ذكرت كان في إطلاق الألفاظ الخارجة عن لفظ النص تحقيقًا له وتثبيتًا لمعناه فائدتان:

أولها تثبيت الصفة المعطلة عند الجهمي بالتوقف والتفويض أو بالتحريف والتبديل.

وثانيها رفع أشتباه موافقة الجهميةِ أهلَ السنة في الإثبات، والرد عليهم بما لا سبيل لتحريفه إلىٰ معنىً يعود إلىٰ التعطيل.

فإذا قيل مثلًا: كلام اللَّه غير مخلوق، ما اشتبه هذا القيل منك بقيل أهل التعطيل.

وإن قلت: كلام اللَّه ووقفت، فقد يشتبه إثباتك بإثبات الجهمية إذ الجهمي قائل بذلك أيضًا علىٰ معنىً باطل.

ولذا لا يتميز أمرك من أمره، ولا تنتفي شبهة موافقته.

ثم إنك بذلك قد حققت معنىٰ النص وثبَّته بما يدفع تحريف أو توقف المخالف. 

ولولا ظهور داع ذلك وهو ما ذكرنا لم يكن الناس بحاجة لمثل هذا.

وذاك أنه لو قيل قبل ظهور الجهمية: كلام اللَّه عز وجل، لكان هذا كافيًا في إظهار الحق من غير اشتباه ولا محذور، فلم يظهر أناس يفسرون هذا اللفظ وغيره مما ورد من ألفاظ الصفات بمعانٍ باطلة.

ولا ظهر أناس يطلقون هذه الألفاظ متوقفين فيها تاركين لتثبيت معانيها علىٰ أصلٍ وحقيقةٍ.

وهذا المعنىٰ أشار إليه الإمام أحمد في رده علىٰ الواقفة، وهم الذين يقولون: كلام اللَّه متوقفين علىٰ الحروف غير مثبتين لما دلت عليه من صفة كلام لمتكلم غير مخلوقة علىٰ أصل وحقيقة.

روىٰ الخلال في السنة والآجري في الشريعة عن أبي داود السجستاني واللفظ للخلال:

” ١٧٨٣ - وأخبرنا سليمان بن الأشعث، قال: سمعت أحمد سُئِلَ: لهم رخصة أن يقول الرجل: كلام اللَّه ويسكت؟

قال: ولم يسكت؟!، قال: لولا ما وقع الناس فيه كان يسعه السكوت، ولكن حيث تكلموا فيما تكلموا، لأي شيءٍ لا يتكلمون؟ ”

فبين الإمام أن لولا ما وقع الناس فيه، لكان في السكوت مستع، فلو لم يحدث الجهمي توقفًا في الصفات أو تحريفًا لها وإثباتًا علىٰ غير الوجه الصحيح، لكان في ذكر لفظ النص والسكوت كفاية إذ تتحقَّقُ الصفةُ بغير اشتباه.

قال الآجري في الشريعة مفسرًا لكلام الإمام أحمد:

” معنى قول أحمد بن حنبل في هذا المعنىٰ يقول: لم يختلف أهل الإيمان أن القرآن كلام اللَّه تعالىٰ، فلما جاء جهم بن صفوان فأحدث الكفر بقوله: (القرآن مخلوق)، لم يسع العلماء إلا الرد عليه بأن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق بلا شك، ولا توقف فيه، فمن لم يقل غير مخلوق سمي واقفيًّا شاكًّا في دينه. ”

فلم يسع العلماء الرد علىٰ الجهم إلا بأن قالوا: غير مخلوق، لأنه قال: مخلوق.

وكذلك لما ظهرت الواقفة ما وسع العلماء في الرد عليهم إلا أن يقولوا: كلام اللَّه، وليس بمخلوق، لأنهم قالوا: كلام اللَّه متوقفين عن تثبيت الصفة غير مخلوقة.

وهذا الصنف الأخير الذي يتوقف أشد تلبيسًا علىٰ الناس من الأول

فذاك يناقض ما دل عليه النص صُرَاحًا، وهذا يقول بالنص ساكتًا عن تثبيت ما دل عليه، فيُظهِرُ الورع، ويفتن من ضَعُف رأيه وعلمه، وهو في تركه الاعتقاد بما جاء به النص كالأول في الكفر وخِلاف الوحي.

وقال البخاري في خلق أفعال العباد:

( وقال عبد العزيز بن سلمة: إن كلام جهم صنعة بلا معنى، وبناء بلا أساس )

قوله: ( صنعة بلا معنى )، هذا هو التوقف عند الجهم بن صفوان، ومن تبعه.

وقال الدارمي في نقضه:

( ويحك إنما كره السلف الخوض فيه - أي القرآن -: مخافة أن يتأول أهل البدع والضلال وأغمار الجهال ما تأولت فيه أنت وإمامك المريسي، فحين تأولتم فيه خلاف ما أراد اللَّه، وعطلتم صفات اللَّه: وجب علىٰ كل مسلم عنده بيان أن ينقض عليكم دعواكم فيه

ولم يكره السلف الخوض في القرآن: جهالة بأن كلام الخالق غير مخلوق، ولا جهالة أنه صفة من صفاته ) 

وقد كان بعضهم يمتحن الجهمي بتلك الألفاظ المحققة، فإن قال بهذا فذاك، وإلا فهو باقٍ علىٰ التعطيل.

قال الذهبي رحمه اللَّه في العلو:

( قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسن بن يزيد السلمي، سمعت أبي يقول: سمعت هشام بن عبيد اللَّه الرازي وحبس رجلًا في التجهم، فجيء به إليه ليمتحنه، فقال له: أتشهد أن اللَّه علىٰ عرشه بائن من خلقه، فقال: لا أدري ما بائن من خلقه، فقال: ردوه، فإنه لم يتب بعد. )

فإن قيل بعد هذا: أليس لازمٌ علينا أن نتوقف علىٰ النص؟

قيل: فأما الصفات فلازمٌ علينا التوقف فيها علىٰ النص، فأما الإعلام والإخبار فغير لازمٍ فيه ذلك.

قال ابن القيم رحمه اللَّه:

( ما يُطلَقُ عليه في بابِ الأسماءِ والصِّفاتِ توقيفيٌّ، وما يُطلَقُ عليه من الإخبارِ لا يجِبُ أن يكونَ توقيفيًّا: كالقديمِ، والشَّيءِ، والموجودِ، والقائِمِ بنَفْسِه )

فما يُطلَق عليه من الأسماء والصفات كنحو إطلاقنا عنه تعالىٰ أنه الرحمن الرحيم، وأن له رحمة، وأن له يدين مبسوطتين.

وما يُطلَق عليه من الإخبار والإعلام فكقولنا عن الرب تبارك وتعالىٰ: إنه يقظان لا يسهو، وإنه شيء، وإن كلامه ليس بمخلوق. 

فهذا وما أشبهه إعلام وإخبار، لا إطلاق صفات وأسماء لم يرد بها نص.

وليس المراد تسميته باليقظان ولا بالشيء، ولا المراد بقولنا: كلامه غير مخلوق صفةً جديدةً، بل هذا الأخير إخبار لداعي تحقيق الصفة.

وذاك أن كلام اللَّه معناه: صفته وكلامه الذي هو منه غير مخلوق.

وهذا باب تلك الألفاظ التي تحدثنا عنه، فهي تُطلَقُ إخبارًا وإعلامًا لداعيها الذي بينته.

وقد ظن بعضهم أن تلك الألفاظ المأثورة أو بعضها إثبات وتثبيت لما لم يرد به نص، فغَلِط بهذا غلطًا قبيحًا إذ كيف يُظَن بالسلف ذلك أن يثبتوا بغير نص؟ 

فقال بعضهم في التحرك والحركة: صفة لم ترد، فلا نطلقها.

وإنما هي إخبار معناه معنىٰ الفعل أي ما يُسمَّىٰ بالصفات الاختيارية أو الفعلية كنحو النزول والمجيء والبسط والقبض، فهو سبحانه يتحرك فيجيء وينزل ويفعل.

وليس المراد من التحرك إثبات صفة جديدة مستقلة عن باقي الصفات الاختيارية.

وداعي ذكر التحرك هو تحقيق الصفات الفعلية أنه يفعل فعلًا قائمًا بنفسه سبحانه خلافًا لتفوبض الجهمي أو تأويله لفعله سبحانه الذي هو كالنزول والمجيء وغير ذلك.

فإذا قلنا: ينزل، ويجيء، ويتحرك، قطعنا عن الجهمية كل باب، وأبلغنا الإثبات أحسن الإبلاغ.

وقد قال الدارمي في نقضه:

( لِأَنَّ الحَيَّ القَيُّومَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَتَحَرَّكُ إِذَا شَاءَ، ويَهْبِطُ ويَرْتَفِعُ إِذا شَاءَ، ويَقْبِضُ وَيَبْسُطُ، وَيَقُومُ وَيَجْلِسُ إِذَا شَاءَ: لِأَنَّ أَمَارَةُ مَا بَيْنَ الحَيِّ وَالمَيِّتِ التَّحَرُّكَ.

كلُّ حَيٍّ مُتَحَرِّكٌ لَا مَحَالَةَ، وَكُلُّ مَيِّتٍ غَيْرُ مُتَحَرِّكٍ لَا مَحَالَةَ. )

وما ذكره الدارمي هاهنا مشابه لما ذكره البخاري عن نعيم بن حماد .

قال البخاري في خلق أفعال العباد:

( وَلَقَدْ بَيَّنَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ أَنَّ كَلَامَ الرَّبِّ لَيْسَ بِخَلْقٍ، وَأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَعْرِفُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ إِلَّا بِالْفِعْلِ، فَمَنْ كَانَ لَهُ فِعْلٌ فَهُوَ حَيٌّ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلٌ فَهُوَ مَيِّتٌ )

فقوله: ( لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل )، كقول الدارمي: ( أمارة ما بين الميت والحي التحرك )

وقوله: ( فمن كان له فعل فهو حي ومن لم يكن له فعل فهو ميت )، كقول الدارمي: ( كل حي متحرك لا محالة، وكل ميت غير متحرك لا محالة )

فإنما قصد الدارمي بالتحرك الفعل، وكلامه مُفسَّرٌ بكلام نعيم وهو مثله، وكأنه رحمه اللَّه أخذ قوله عن نعيم بن حماد شيخه، واللَّه أعلم.

وكذلك لفظ الحد ليس بصفة مستقلة كما توهم المتوهم ذلك.

وإنما معناه: ما يميز الشيء عن غيره من غايته ومنتهاه.

واللَّه له حد أي أن له غاية ونهاية تميزه عن خلقه، فله حجاب كما في الحديث، فلا يحل في شيء من خلقه.

والحد إخبار مراد به تحقيق نصوص العلو إذ معنىٰ فوقيته أنه متميز منفصل عن خلقه بغاية ومنتهى وحجاب.

وهذا خلافًا للجهمية الحلولية القائلين بأنه في كل مكان، وأنه فوق العرش كما هو في أسفل الأرض، تعالىٰ عن ذلك.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رده علىٰ الخطابي الأشعري بشأن لفظة الحد:

” إنما يتوجه لو قالوا: إن له صفة هي الحد كما توهمه هذا الراد عليهم، وهذا لم يقله أحد ولا يقوله عاقل، فإن هذا الكلام لا حقيقة له إذ ليس في الصفات التي يوصف بها شيء من الموصوفات كما يوصف باليد والعلم صفة معينة يقال لها: الحد، وإنما الحد ما يتميز به الشيء عن غيره من صفته وقدره كما هو المعروف من لفظ الحد في الموجودات. ”

وقال الدارمي في نقضه:

( وَادَّعَى المُعَارِضُ أَيْضًا أَنَّهُ لَيْسَ لله حَدٌّ وَلَا غَايَةٌ وَلَا نِهَايَةٌ.

 وَهَذَا هُوَ الأَصْلُ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ جَهْمٌ جَمِيعَ ضَلَالَاتِهِ، وَاشْتَقَّ مِنْهَا أُغْلُوطَاتِهِ، وَهِيَ كَلِمَةٌ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ سَبَقَ جَهْمًا إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنَ العَالَمِينَ.

فَقَال لَهُ قَائِلٌ مِمَّنْ يُحَاوِرُهُ: قَدْ عَلِمْتُ مُرَادَكَ بِهَا أَيُّهَا الأعجمي، وتعني أَن اللَّه لَا شَيْءٌ: لأنَّ الخَلْقَ كُلَّهُم عَلِمُوا أَنَّه لَيْسَ شَيءٌ، يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ إِلَّا وَلَهُ حَدٌّ وَغَايَةٌ وَصِفَةٌ، وَأَنَّ لَا شَيْءٌ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ وَلَا غَايَةٌ وَلَا صِفَةٌ

فَالشَّيْءُ أَبَدًا مَوْصُوفٌ لَا مَحَالَةَ، وَلَا شَيْءٌ يُوصَفُ بِلَا حَدٍّ وَلَا غَايَةٍ، وَقَوْلُكَ: لَا حَدَّ لَهُ يَعْنِي: أَنَّهُ لَا شَيْءٌ.

قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَاللَّه تَعَالَىٰ لَهُ حَدٌّ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ غَيْرُه، وَلَا يجوزُ لأَحَدٍ أَن يتَوَهَّم لحدِّه غايةً فِي نَفْسِهِ، وَلَكِنْ يُؤْمِنُ بِالحَدِّ، ويَكِلُ عِلْمَ ذَلِكَ إِلَىٰ اللَّهِ، ولِمَكَانِهِ أَيْضًا حَدٌّ، وَهُوَ عَلَىٰ عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، فَهَذَانِ حَدَّانِ اثْنَانِ.

وَسُئِلَ ابْنُ المُبَارَكِ: بِمَ نَعْرِفُ رَبَّنَا؟، قَالَ: بِأَنَّهُ عَلَىٰ العَرْشِ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، قِيلَ: بِحَدٍّ؟، قَالَ: بِحَدّ.

(٢٨) حدّثنَاهُ الحَسَنُ بْنُ الصَّباح البَزَّارُ، عَنْ عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ.

فَمَنِ ادَّعَىٰ أَنَّهُ لَيْسَ للَّهِ حَدٌّ فَقَدْ رَدَّ القُرْآنَ، وَادَّعَىٰ أَنَّهُ لَا شَيْء لِأَنَّ اللَّه حَدَّ مَكَانَهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ، فَقَالَ: {الرَّحْمَنُ عَلَىٰ الْعَرْشِ اسْتَوَى}

{أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ}، {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ}، و: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ}، فَهَذَا كُلُّهُ وَمَا أَشْبَهَهُ شَوَاهِدُ وَدَلَائِلُ علىٰ الحَدِّ. 

وَمَنْ لَا يَعْتَرِفُ بِهِ: فَقَدْ كَفَرَ بِتَنْزِيلِ اللَّه، وَجَحَدَ آيَاتِ اللَّه.

وَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: إِنَّ الله فَوْقَ عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، وَقَالَ لِلْأَمَةِ السَّوْدَاءِ: أَيْنَ اللَّه؟، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ فَقَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ.

فَقَوْلُ رَسُولِ اللَّه ﷺ: إنها مُؤْمِنَةٌ، دَلِيلٌ عَلَىٰ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تُؤْمِنْ بِأَنَّ اللَّه فِي السَّمَاءِ، لم تَكُنْ مُؤمِنَة، وَأَنَّهُ لا يَجُوزُ فِي الرَّقَبَة إِلَّا مَنْ يُحِدُّ اللَّهَ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.

وَقَدِ اتَّفَقَتِ الكَلِمَةُ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالكَافِرِينَ أَنَّ اللَّه فِي السَّمَاءِ، وَحَدُّوهُ بِذَلِكَ إِلَّا المَرِيسِيَّ الضَّالَّ وَأَصْحَابَهُ حَتَّىٰ الصِّبْيَانُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ قَدْ عَرَفُوهُ بِذَلِكَ، إِذَا حَزَبَ الصَّبِيَّ شَيْءٌ يرفع يَدَيْهِ إِلَىٰ رَبِّهِ يَدْعُوهُ فِي السَّمَاءِ دُونَ مَا سِوَاهَا، فَكُلُّ أَحَدٍ بِاللَّه وَبِمَكَانِهِ أَعْلَمُ مِنَ الجَهْمِيَّةِ. ”

الإسناد المأثور صحيح لابن المبارك رحمه اللَّه، وقد نقل حرب الكرماني عن إسحاق بن راهويه إثبات الحد أيضًا.

وقد قرن الدارمي الغاية والنهاية بالحد فذلك كله بمعنىً واحد.

وبيَّنَ أن الشيء الذي لا حد له ليس بشيء، وهذا لا يشتبه ولا يذهب إذ الشيء إنما كان شيئًا لأن له حدًّا وغاية يتميز بها عن غيره من الأشياء.

وعلىٰ كلام الدارمي نقول: للَّه سبحانه حد وغاية، فله حجاب عن خلقه، لا يعلم حده ولا حجابه غيره.

وليس لأحد أن يتوهم لحده وحجابه نهايةً في نفسه، أو يحده من قبل نفسه كحد المخلوق، بل يؤمن بالحد والحجاب، ويكل علم ذلك له سبحانه، فحقيقة الحد والحجاب وكيفية ذلك مجهولة.

وعلىٰ هذا الكلام نقل حرب الكرماني الإجماع في السنة قائلًا: ( ٥٦ - وله حد، اللَّه أعلم بحده. )

وعلىٰ هذا فالحد والحجاب الذي يعلمه الخلق، ويتوهمه المتوهم في نفسه كحد المخلوق منفي عن اللَّه تعالىٰ.

وهذا هو مراد الإمام أحمد بنفي الحد. 

قال أبو العباس ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية:

( قال الخلال: وأخبرني علي بن عيسىٰ أن حنبلًا حدثهم، قال: سألت أبا عبد اللَّه عن الأحاديث التي تُروَىٰ أن اللَّه تعالىٰ ينزل إلىٰ سماء الدنيا، وأن الله تعالىٰ يُرَىٰ، وأن اللَّه تعالىٰ يضع قدمه وما أشبه هذه الأحاديث.

فقال أبو عبد اللَّه: نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنىٰ ولا نرد منها شيئًا، ونعلم أن ما جاءت به الرسل حق، ونعلم أن ما ثبت عن الرسول ﷺ حق إذا كانت بأسانيد صحيحة، ولا نرد علىٰ قوله، ولا نصف اللَّه تبارك وتعالىٰ بأعظم مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية.

وقال حنبل في موضع آخر: ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف به نفسه، قد أجمل تبارك وتعالى بالصفة لنفسه، فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء، فيُعبَد اللَّه تعالىٰ بصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف نفسه، قال تعالىٰ: (وهو السميع البصير)

وقال حنبل في موضع آخر: قال: فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه وله، ولا نتعدىٰ القرآن والحديث، فنقول كما قال ونصفه كما وصف نفسه تعالىٰ ولا نتعدى ذلك، ولا تبلغه صفة الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه ولا نزيل عنه صفة من لشناعة شنعت.

وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوة بعبده يوم القيامة ووضع كنفه عليه، هذا كله يدل علىٰ أن اللَّه تعالىٰ يُرَىٰ في الآخرة.

والتحديد في هذا بدعة والتسليم للَّه بأمره بغير صفة ولا حد إلا ما وصف به نفسه، سميع بصير، لم يزل متكلمًا حيًّا عالمًا غفورًا عالم الغيب والشهادة علام الغيوب ،فهذه صفاته وصف بها نفسه لا تدفع ولا ترد، وهو على العرش بلا حد كما قال: (ثم استوى علىٰ العرش)، كيف شاء، المشيئة إليه عز وجل، والاستطاعة له، (ليس كمثله شيء)

هو خالق كل شيء وهو كما وصف نفسه سميع بصير بلا حد ولا تقدير، قال إبراهيم لأبيه: (لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا)، فثبت أن اللَّه سميع بصير صفاته منه، لا نتعدىٰ القرآن والحديث.

والخبر: يضحك اللَّه، ولا يعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ، وبتثبيت القرآن، لا يصفه الواصفون ولا يحده أحد، تعالىٰ الله عما يقول الجهمية، والمشبهة يقولون، قال: من قال بصر كبصري ويد كيدي.

وقال حنبل في موضع آخر: وقدم كقدمي، فقد شبه اللَّه تعالىٰ بخلقه، وهذا يحده، وهذا كلام سوء، وهذا محدود، والكلام في هذا لا أحبه.

قال عبد اللَّه: جردوا القرآن، وقال النبي ﷺ: يضع قدمه، نؤمن به ولا نحده ولا نرده علىٰ رسول اللَّه ﷺ، بل نؤمن به، قال اللَّه تعالىٰ: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، وقد أمرنا اللَّه عز وجل بالأخذ بما جاء به، والنهي عما نهىٰ.

وأسماؤه وصفاته منه غير مخلوقة، ونعوذ باللَّه من الزلل والارتياب والشك، إنه على كل شيء قدير.

وقال الخلال: وزادني أبو القاسم الجبلي عن حنبل في هذا الكلام' وقال تبارك وتعالىٰ: (اللَّه لا إله إلا هو الحي القيوم)، (لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر)، هذه صفات اللَّه عز وجل وأسماؤه تبارك وتعالىٰ.

فهذا الكلام من الإمام أبي عبد اللَّه أحمد رحمه اللَّه يبين أنه نفىٰ أن العباد يحدون اللَّه تعالىٰ أو صفاته بحد أو يُقدُرون ذلك بقدر أو أن يبلغوا إلىٰ أن يصفوا ذلك، وذلك لا ينافي ما تقدم من إثبات أنه في نفسه له حد يعلمه هو لا يعلمه غيره، أو أنه هو يصف نفسه، وهكذا كلام سائر أئمة السلف يثبتون الحقائق وينفون علم العباد بكنهها. ) 

أقول: ذكرت كلام الإمام أحمد بطوله لحسنه وجماله، وفي كلامه بيان ونقض علىٰ القوم الذين يستدلون ببعض ما فيه لنسبة الإمام إلىٰ التفويض.

فقوله: (فيُعبَد اللَّه تعالىٰ بصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف نفسه)، دال علىٰ أن صفاته كل صفاته معلومة، وأنه لا يُعبَدُ إلا بها، ولا يُوحَّد إلا بها.

وقوله: (فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه وله)

ظاهرٌ في أنه إنما نفىٰ أن يحده عباده، وأن يبلغوا بوصفهم صفته، وأن صفاته كل صفاته منه، فنزوله ومجيءه منه، وهذا لا يكون إلا وذلك فعلٌ يفعله لا أنه نزول الأمر أو مجيءه.

وهذا نقض التفويض لأنه ثبَّت النزول والمجيء وسائر الصفات علىٰ أنها منه، وأن الفعل منه. 

وقوله: (وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوة بعبده يوم القيامة ووضع كنفه عليه، هذا كله يدل علىٰ أن اللَّه تعالىٰ يُرَىٰ في الآخرة)

هذا أبلغ في الإثبات وأوضح في نقض التفويض، فإنه استدل علىٰ الرؤية بالكلام والنزول والخلوة، فدل علىٰ تثبيته لمعنىٰ ذلك علىٰ الظاهر المعروف.

والاستدلال علىٰ الصفة بالصفة هذا إنما يكون بعد تثبيت معناها، وهذا من أبلغ ما ينقض التفويض.

وقوله: (قال إبراهيم لأبيه: (لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا)، فثبت أن اللَّه سميع بصير.)

فاستدل بالعقل الذي جاء به النص لتأييده، وهذه عكس حال أهل الكلام إذ يستدلون بعقل ما جاء به النص، وهو ضده لرده وترك الأخذ بما دل عليه!

وإن استدللنا كما استدل الإمام، فقلنا: قال اللَّه تعالىٰ: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا)

فثبَّت أن له يدًا يبطش بها، وعينًا يبصر بها، ورجلًا.

أكان هذا إلا كما استدل الإمام علىٰ صفتي السمع والبصر؟، أكان هذا إلا ظاهر مذهب الإمام؟

وقوله: (وهذا يحده، وهذا كلام سوء، وهذا محدود، والكلام في هذا لا أحبه.)

واضح أنه إنما يتكلم عن حد العبد له حدًّا في نفسه كحد المخلوق، فيقول: قدم كقدمي، فيتوهم لقدمه غاية كغاية قدمه.

فهذا واضح في نفي الحد المحدود من قبل العبد، والمتوهمِ في نفسه.

ولذا قال: (وقال النبي ﷺ: يضع قدمه، نؤمن به، ولا نحده)، فإنما الكلام عن أن لا نحده قدمه وصفاته تعالىٰ.

وقد نقل حرب الكرماني في السنة إثبات الحد عن أحمد وأئمة الإسلام. 

هذا وداعي تلك لفظ الحد والتحرك وما أشبههما قد بينته وأظهرته، فظهر واستبان، فلا يصلح أن يأتي الآتي، فيزعم أن تلك الألفاظ لا داعي لها، وأننا نستغني عنها بألفاظ النصوص.

وأذكر أن ثمة كلامًا كذاك في موقع الدرر السنية إذا لم يخب ظني.

وليس الأمر كذلك بل داعيها موجود، والقول بها مأثور.

ومن هذا الباب ما ذكره ابن بطة في الإبانة الصغرىٰ حيث قال: 

” ... ثم الإيمان بصفات اللَّه بأن اللَّه حي، ناطق، سميع بصير ... ”

فقوله: ناطق، هذا إخبار وإعلام لا تسمية، ومعناه في النص أنه يتكلم وينادي - والنداء لا يكون إلا بصوت -، فالمراد تحقيق صفة الكلام القائمة بالنفس بصوت مسموع.

والباب يطول ذكر كل ما فيه، وفيما ذكرت كفاية إن شاء اللَّه.

 وقد قال الخلال في السنة:

( ٨٣٥ - وأخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر أن الحارث حدثهم قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: القرآن كلام اللَّه ليس بمخلوق، ومن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو كافر.

قلت: يا أبا عبد اللَّه أي شيء قلت لأبي العباس؟

قال: لا أقول غير مخلوق إلا أن يكون في كتاب اللَّه.

فقلت له: فتقول: إن وجه اللَّه ليس بمخلوق؟

فقال: لا ، إلا أن يكون في كتاب نصًّا.

فارتعد أبو عبد اللَّه وقال: استغفر اللَّه، سبحان اللَّه!، هذا الكفر باللَّه، أحد يشك أن وجه اللَّه ليس مخلوق؟! )

فهذا الواقفي يمتنع عن الإخبار والإعلام بقولنا: غير مخلوق، وحجته في ذلك أن ذاك ليس في الكتاب.

وهذه حجة مدحوضة، وقد بينا أن مثل ذلك لا يلزم فيه التوقيف، وإنما معناه في النص، وهو تحقيق له لا تجاوز.

وما أحسن إلزام الإمام له، فإن كنا لا نطلق غير مخلوق لأن ذلك لم يرد، فلن نطلق أن اللَّه غير مخلوق، وأن وجهه غير مخلوق متوقفين في ذلك أيضًا إذ لم يرد نصًّا.

فإذا كان ذلك معنىٰ النصوص وما دلت عليه، وكان تحقيقًا لها، فكذلك قولنا: غير مخلوق، وغيره.

وربما امتنع بعض أهل السنة عن إطلاق شيء من تلك الألفاظ الإخبارية الإعلامية مع تثبيتهم للمراد بها.

وذلك لالتباس حصل، أو لكراهة ترك لفظ النص - علىٰ أن الصواب أن تُقَال كما قالها السلف -

أقول: فهذا، ومعنىٰ اللفظ إن كان بالنص، وكان تحقيقًا له، فلا يجوز أن يتوقف فيه المرء وإن توقف في اللفظة.

وقول ابن رجب في فضل علم السلف علىٰ الخلف:

( ومنهم من أثبت للًَه صفات لم يأت بها الكتاب والسُّنَّة كالحركة وغير ذلك مما هي عنده لازم الصفات الثابتة )

لا يصح، وليست الحركة بصفة جديدة هي لازم الصفات الثابتة، ولا شيء من تلك الألفاظ المأثورة هي علىٰ ما توهم ابن رجب في لفظ الحركة.

وهو نفسه يثبت الحركة للَّه علىٰ معنىٰ الصفة الاختيارية أو الفعلية، ولكن التبس عليه المراد بها، فظنها صفة جديدة، فأنكرها، وهذه زلة.

وأما من توقف في لفظ الحركة أو أنكره لإنكاره الفعل القائم باللَّه عز وجل حقًّا، فهذا جهمي.

ورحم اللَّه رجلًا قال بما قال السلف، وترك زلة الخلف.

وصل اللهم وسلم علىٰ نبينا محمد. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الخلاف في صفة الهرولة...

لم نزل القرآن متفرقًا علىٰ محكم ومتشابه؟

الجواب النبوي الشافي من داء القنوط...