هل كان إبليس من الملائكة؟
بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّه، وبعد:
فإن القول بملائكية إبليس قول جمهور أهل التأويل، وصحيح عن ابن عباس ثابت عنه، ورُوي عن ابن مسعود.
قال ابن أبي حاتم في تفسيره:
” ... حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثنا عَبَّادٌ - يَعْنِي ابن العوام -، عن سفيان بن حُسَيْنٍ، عَنْ يَعْلَىٰ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ إِبْلِيسُ اسْمُهُ عَزَازِيلُ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَفِ الْمَلائِكَةِ مِنْ ذَوِي الأَرْبَعَةِ الأَجْنِحَةِ، ثُمَّ أُبْلِسَ بَعْدُ. ”
هذا أعلىٰ وأرفع أثر أعلمه في الباب، وسنده صحيح.
وقد قضىٰ عبد اللَّه بن عباس بقوله، فلا قول بعد قوله، وهو عن النبي ﷺ لا غير، إذ كان ينهىٰ عن مسألة أهل الكتاب.
قال البخاري في صحيحه:
” ٧٥٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ نَبِيِّكُمْ ﷺ أَحْدَثُ الْأَخْبَارِ بِاللَّهِ، مَحْضًا لَمْ يُشَبْ.
وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللَّهُ أنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ بَدَّلُوا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ، وَغَيَّرُوا فَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ.
قَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: لِيَشْتَرُوا بِذَلِكَ ثَمَنًا قَلِيلًا، أَوَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ، فَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ. ”
وقال ابن جرير الطبري:
” ٦٩٣ - وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ)، كان من قبيل من الملائكة يقال لهم: الجن.
وكان ابن عباس يقول: لو لم يكن من الملائكة لم يُؤمر بالسجود، وكان علىٰ خِزانة سماء الدنيا.
قال: وكان قتادة يقول: جَنَّ عن طاعة ربه. ”
هذا سند صحيح.
وقد ذكر قتادة عن ابن عباس استدلالًا استدل به علىٰ أنه من الملائكة، يعني أنه قد كان يقول: إنه منهم، وهذا المعنىٰ شاهد للأثر السابق.
وليس مراد قتادة رحمه اللَّه بكلامه أن الملائكة عليهم السلام من الجن الذين هم الثقل الثاني كما فهم ذلك بعضهم، فهذا غلط بين.
وإنما قصد أن بعض الملائكة كانوا يسمون جنًّا كما في قوله تعالىٰ: (وجعلوا بينه وبين الجنة نسبًا)
يعني بذلك: الملائكة عليهم السلام، قالوا: بنات اللَّه، تعالىٰ عن ذلك.
قال أبو جعفر الطبري في تفسيرها:
” ... حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ)
قال: قالت اليهود: إن اللَّه تبارك وتعالىٰ صاهر الجن، فكانت منهم الملائكة.
قال اللَّه تبارك وتعالىٰ تكذيبًا لهم وردّا عليهم: (بلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ}، وإن الملائكة ليس كما قالوا، إنما هم عباد أكرمهم بعبادته. ”
فهذ واضح في أنه لا يقول بأن الجن من الملائكة أو الملائكة من الجن.
وقال يحيىٰ بن سلام في تفسيره:
( سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ مِنَ الْجِنِّ قَبِيلٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ يُقَالُ لَهُ: الْجِنُّ. )
هذا إسناد صحيح.
ولو نظرنا لوجدنا الطبري وابن أبي حاتم وعبد الرزاق ويحيىٰ بن سلام كلهم في تفاسيرهم يروون أو يحكون ما يفيد أن إبليس كان من الملائكة بلا نكير أو تعقيب.
فهذا المعنىٰ محكي مروي، يتناقله أئمة ومشاهير بلا نكير منهم له.
ومثل هذا ينبغي معه الحذر ثم الحذر قبل الفزع للمخالفة، واللجوء للاعتراض بدعوىٰ أن ظاهر الكتاب فيه ما يعارض ما ذُكِر، وأن ذلك معنىً منكر بين النكارة، وأنىٰ يكون الأمر كذلك، ولا يُعقل أن يخفىٰ عليهم المذكور إن كان؟
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في الإيمان:
( وقد يلزم أهل هذا الرأي ممن يدعي أن المتكلم بالإيمان مستكمل له، من التبعة ما هو أشد مما ذكرنا.
وذلك فيما قص علينا من نبإ إبليس في السجود لآدم فقال: (إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين)، فجعله اللّٰه بالاستكبار كافرًا، وهو مقر به غير جاحد له.
ألا تسمع قوله: (خلقتني من نار وخلقته من طين)، وقوله: (رب بما أغويتني)
فهذا الآن يقر بأن له رب، وأثبت القدر أيضًا بقوله: (بما أغويتني)، وقد تأول بعضهم في قوله: (وكان من الكافرين)، أنّه كان كافرًا قبل ذلك!
وهذا لا وجه له عندي، لأنه لو كان كافرًا قبل أنّ يؤمر بالسجود لما كان من عِداد الملائكة، ولا كان عاصيًا إذا لم يكن ممن أُمر بالسجود.
ينبغي في هذا القول أن يكون إبليس قد عاد للإيمان بعد الكفر لقوله: (رب بما أغويتني)، وقوله: (خلقتني من نار وخلقته من طين) فهل يجوز لمن يعرف اللّٰه وكتابه وما جاء من عنده أن يثبت الإيمان لإبليس اليوم؟! )
قال ابن قتيبة في غريب القرآن:
( ١- (الجن)، من الاجتنان وهو الاستتار، يقال للدرع: جنة؛ لأنها سترت، ويقال: أجنه الليل، أي: جعله من سواده في جنة، وجن عليه الليل.
وإنّما سموا جنًّا: لاستتارهم عن أبصار الإنس.
وقال بعض المفسرين في قوله: (فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه)، أي: من الملائكة، فسماهم جِنًّا لاجتنانهم واستتارهم عن الأبصار.
وقال الأعشىٰ يذكر سليمان النبي ﷺ:
وسخر من جن الملائك تسعة ... قياما لديه يعملون بلا أجر )
فهذا ابن قتيبة يذكر أنه كان من الملائكة عن مفسرين متقدمين، وذكر أبو عبيد أنه في عدادهم، فذاك القول قول مقول به في زمان السلف، وقد كان يُذكَر ولا يُنكَر.
وما هذا عن عبث، فقوله تعالىٰ: (إلا إبليس أبىٰ أن يكون مع الساجدين)
نص لا يحتمل إلا الاستثناء المتصل، وأنه قد كان منهم، فاستُثني، وإلا ما لزمه الأمر، ولا جاز أن يتركه.
قال قتادة:
( وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَوْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلائِكَةِ لَمْ يُؤْمَرْ بِالسُّجُودِ. )
وقد قال بعضهم: أُمِرَ أمرًا خاصًّا به، وهذا قول لا يتبين في شيء من النصوص، ودعوىٰ، وبإمكان كل أحد أن يدعي.
وقال بعضهم: دخل بالأمر، فلزمه إذ كان معهم وبينهم، يتشبه بصفاتهم ويتعبد كتعبدهم، فكان إذ أمرهم بالسجود له والإكرام أولىٰ بذاك وأجدر أن يكون منه.
وهذا قول وإن كان محتملًا ظاهر الحال غير أنه بخلاف المفهوم، فإن المفهوم من دخول فرد بأمر عام لجماعة من الخلق دون من سواهم، المفهوم من ذلك أنهم منهم، فدخل بالأمر.
ومحتمل أنه دخل علىٰ سبيل الأولوية إذ كان أولىٰ من الجماعة بالأمر، وأجدر أن يقوم به، وإن لم يكن في نفس الأمر منهم، ولكن هذا بخلاف المفهوم.
والقرآن كما قال تعالىٰ ذكره: (بلسان عربي مبين)، فأبينه أفهمه وأعرفه لا أجهله وأنكره.
وقال مسلم بن الحجاج:
” - (١٢٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن أبي شيبة، حدثنا عبد اللَّه بن إِدْرِيسَ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ. عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عبد اللَّه، قال: لَمَّا نَزَلَتْ: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بظلم)، شَقَّ ذَلِكَ عَلَىٰ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَالُوا: أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ليْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ. إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: (يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) ”
هذا ما ذكره الإمام مسلم من صحيحه.
وعبد اللَّه هو ابن مسعود.
وفي الحديث دلالة بينة من ما مان من أصحاب النبي ﷺ إذ فهموا الظلم في قوله: (ولم يلبسوا إيمانهم بظلم)، علىٰ الظاهر المفهوم، أنه عموم الظلم لا خصوصه.
في ذلك دلالة علىٰ أن تأويل القرآن إنما يكون إذا ما تأوله المتأول علىٰ المفهوم الظاهر منه دون ما سوىٰ ذلك، إلا عن بينة من رسول اللَّه ﷺ.
وقد اعترض من اعترض من المعاصرين علىٰ القول المروي عن السلف، المعروف عن غالبهم بأقاويل.
قالوا: قد نسبه تبارك وتعالىٰ إلىٰ الجن، فقال: (إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه), فكيف يكون ملاكًا؟
قلنا: هذا لا ينفي ملائكيته إذ قد ثبتت، فإن الملائكة يسمون جنًّا لاجتنانهم عن الأبصار.
قال عز ذكره: (وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا)
قال ابن قتيبة في غريب القرآن:
( وقال بعض المفسرين في قوله: (فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه)، أي: من الملائكة فسماهم جِنًّا لاجتنانهم واستتارهم عن الأبصار
وقال الأعشىٰ يذكر سليمان النبي ﷺ:
وسخر من جن الملائك تسعة ... قياما لديه يعملون بلا أجر )
فإن قيل: فإن الغالب المفهوم من الجن الجن الذين هم مقابل الإنس، فلِمَ صرفته إلىٰ وجه هو قليل غير مفهوم، إلا عن بينة؟
قلنا: إنما صرفناه لذلك عن بينة، وهي ما بينت من أنه لو لم يكن منهم لما عمه الأمر ولا شمله.
فإذا كان ذلك كذلك، فقوله تعالىٰ عنه: (من الجن)، إنما هو نظير قوله: (وبين الجنة)
لا أن ذكره الجن في ذاك الموشع نظير ذكره إياهم في قوله: ( يا معشر الجن والإنس)، وغير ذلك مما ذكره فيه الجن علىٰ أنهم ما يقابل الإنس.
وإنما تُصرَف الآية لنظيرها وشبيهها، وتُفرَّق وتُخالَف عن مخالفها ومغايرها من غيرها من الآيات.
وقالوا: قد خلقه تبارك وتعالىٰ من النار كما قال إبليس عن نفسه لربه: (خلقتني من نار)
فكيف يكون من الملائكة، وهم من نور كما قال رسول اللَّه ﷺ: (خلقت الملائكة من نور)
والألف واللام لاستغراق الجنس أي كل الملائكة.
وقالوا: وهم كما قال تبارك وتعالىٰ: (لا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)، وقال: (ويفعلون ما يؤمرون)
فكيف يكون منهم؟
والجواب عن ذلك: أنه تعالىٰ ذكره قد قال: (وللذكر مثل حظ الأنثيين)، وقد علمنا أن الكافر لا يرث المسلم.
فإن قيل: هو عام مخصوص، والعام إذا ما عارضه خاص خُصِّص به، ولم يُترَك كله له.
فكذلك يقال في أمرنا ذاك.
ولا يمتنع في حق اللَّه جل جلاله أن يخلق صنفًا من الملائكة من نار السموم، فيخالفهم بذلك عن سائر الملائكة الذين خلقهم من نور.
هذا أو أن يخلق إبليس خاصة من ذلك، ويُفرِده عن سائر الملائكة بذلك إن شاء.
وكذلك غير مدفوع في حقه إذا ما أمرهم بالسجود أن ينزع عن صنف منهم العصمة، ويكلهم إلىٰ أنفسهم، أو أن يكون فاعلًا لذلك بإبليس خاصة.
وقد خالف في أمرنا هذا الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والحق مع الجمهور.
قال أبو جعفر الطبري في تفسيره:
( وعلة من قال هذه المقالة، أن اللَّه جل ثناؤه أخبرَ في كتابه أنه خلق إبليس من نار السَّموم، ومن مارج من نار، ولم يخبر عن الملائكة أنه خَلقها من شيء من ذلك، وأن اللَّه جل ثناؤه أخبر أنه من الجن -، فقالوا: فغيرُ جائز أن يُنسب إلى غير ما نسبه الله إليه.
قالوا: ولإبليس نسلٌ وذرية، والملائكة لا تتناسل ولا تتوالد. )
ثم قال أبو جعفر:
( هذه علل تنبئ عن ضعف معرفة أهلها، وذلك أنه غيرُ مستنكرٍ أن يكون اللَّه جل ثناؤه خَلق أصنافَ ملائكته من أصنافٍ من خلقه شَتَّىٰ، فخلق بعضًا من نُور، وبعضًا من نار، وبعضًا مما شاء من غير ذلك.
وليس في ترك اللَّه جل ثناؤه الخبر عَما خَلق منه ملائكته، وإخبارِه عما خلق منه إبليس - ما يوجب أن يكون إبليس خارجًا عن معناهم إذْ كان جائزًا أن يكون خلق صِنفًا من ملائكته من نار كان منهم إبليس، وأن يكون أفرد إبليس بأن خَلقه من نار السموم دون سائر ملائكته.
وكذلك غيرُ مخرجه أن يكون كان من الملائكة بأن كان له نسل وذرية، لِمَا ركَّب فيه من الشهوة واللذة التي نُزعت من سائر الملائكة، لِمَا أراد اللَّه به من المعصية.
وأما خبرُ اللَّه عن أنّه من الجن، فغير مدفوع أن يسمىٰ ما اجتنّ من الأشياء عن الأبصار كلها جنًّا - كما قد ذكرنا قبل في شعر الأعشىٰ - فيكون إبليسُ والملائكةُ منهم، لاجتنانهم عن أبصار بني آدم. )
هذا لا يصلح أن يؤتىٰ بكلام ابن كثير رحمه اللَّه في الباب بنظرته السلبية للآثار إذ يزعم أن غالب ما جاء منها إسرائيليات!
وما قال الشنقيطي:
( ما يَذكُرُه المُفَسِّرونَ عَن جَماعةٍ مِنَ السَّلَفِ كابِن عَبَّاسٍ وغَيرِهِ من أنَّه كانَ من أشرافِ المَلائِكةِ، ومن خُزَّانِ الجَنَّةِ، وأنَّه كانَ يُدَبِّرُ أمرَ السَّماءِ الدُّنيا، وأنَّه كانَ اسمُه عزازيلَ؛ كُلُّه مِنَ الإسرائيليَّاتِ الَّتي لا مُعَوَّلَ عليها. )
فهذه جراءة قبيحة، وتقول بغير علم، فما أدراك أنها كذلك حتىٰ تقطع وتجزم؟
كيف وابن عباس ينهىٰ عن مسألة أهل الكتاب؟
وهل ذهب يتتبع علم النبي ﷺ حتىٰ قد وجد عامته في حي للأنصار، إلا ليقول به، وينشره، ويكون مستنده خاصة فيما هو غيب؟
ولم يُعلم عنه أنه قد تتبع ما عند أهل الكتاب أو أخذ عنهم حتىٰ نقول في كل حين وحين: كان يتكلم بإسرائيليات!
وهذا الكلام الأخير يقال في غيره ممن حاله كحاله.
هذا وبقي قول قد اختاره شيخ الإسلام، فقال:
( لم يَكُن في المَأمورينَ بالسُّجودِ أحَدٌ مِنَ الشَّياطينِ: لَكِنْ أبوهم إبليسُ هوَ كانَ مَأمورًا فامتَنَعَ وعَصىٰ، وجَعلَه بَعضُ النَّاسِ مِنَ المَلائِكةِ لدُخولِهِ في الأمرِ بالسُّجودِ، وبَعضُهم مِنَ الجِنِّ: لأنَّ لَه قَبيلًا وذُرِّيَّةً، ولِكَونِهِ خُلِقَ من نارٍ والمَلائِكةُ خُلِقوا من نُورٍ.
والتَّحقيقُ: أنَّه كانَ مِنهم باعتِبارِ صورَتِهِ ولَيسَ مِنهم باعتِبارِ أصلِهِ ولا باعتِبارِ مِثالِهِ، ولَم يَخرُجْ مِنَ السُّجودِ لآدَمَ أحَدٌ مِنَ المَلائِكةِ: لا جِبرائيلُ ولا ميكائيلُ ولا غَيرُهما. )
وهذا أهون من قول غيره وأقرب، وليس فيه إزراء علىٰ السلف، إلا أن الحق في قول ابن عباس ومن وافقه من سائر السلف سوىٰ من شذ منهم.
هذا وصل اللهم وسلم علىٰ نبينا محمد.
تعليقات
إرسال تعليق