قاعدة فيمن لا يروي إلا عن ثقة وغير ذلك..

بسم اللَّه ونصلي ونسلم علىٰ رسول اللَّه وآله، وبعد:

فإن عددًا من أهل النقد والتنقير في رواة الأخبار قد كانوا يعدلون بالرواية ويجرحون بتركها.

فهؤلاء ينتقدون في شيوخهم وينتقون. 

وهم الذين يُقال عنهم: إنهم لا يروون إلا عن ثقة، وما شابه هذا.

ومثل هذا من أنفع ما يكون في إزالة جهالة الحال أو العين، فإن تعديل المعدل منه تعديلٌ ظاهرٌ مباشر ومنه تعديلٌ خفيٌّ غير مباشر.

ومن الصنف الثاني: تعديل المُعدِّل للمُعدَّل بروايته عنه إذ كان لا يروي إلا عن ثقة مرضي، وتعديله له باحتجاجه بحديثه إذ كان لا يحتج به إلا وهو ثقة عنده.

فالكلام سيكون عن الأمر الأول دون الثاني، ولنأخذ عامرًا الشعبي مثالًا نتكلم به عن الأمر.

قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل:

( أنا أبو بكر بن أبي خيثمة فيما كتب إلي، قال: سمعت يحيىٰ بن معين، يقول: إذا حدث الشعبي عن رجل فسماه فهو ثقة يحتج بحديثه. )

هذا مع أنه قد روىٰ الحارث، فسماه، وقال: كان كذابًا.

قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل:

( أنا ابن أبي خيثمة فيما كتب إلي قال: قيل ليحيىٰ بن معين: الحارث صاحب علي؟، فقال: ضعيف. )

فهل هذا يناقض كلامه الأخر، ويناقض ما عُلِم عن الشعبي من أنه لا يروي إلا عن ثقة مرضي؟

والجواب علىٰ ذلك: لا، فإن الشعبي قد نبه علىٰ ضعف الحارث حين قال: كان كذابًا، لئلا يظن الظان أنه قد روىٰ عنه وهو ثقة عنده.

ولذا ضعفه ابن معين مع رواية الشعبي عنه.

ومثل هذا أن يروي الناقد المتحري في شيوخه عن ضعيف لتأويل عنده أن فلانًا ثقة، وهو غير ثقة، أو لشهوة لحديثه، لم يصبر معها عليه، أو لتعجب من روايته لا إقرارًا بها.

فهذا يقع، وهو نادر قليل لا ينفي الغالب الكثير، وهو تخصيص للعام، والخاص لا يدفع العام. وهو شذوذ عن الأصل، والشذوذ لا يلغي الأصل.

وهذه قاعدة جليلة نافعة لأن من الناس من يدفع الاحتجاج برواية فلان أو فلان من أهل النقد مدعيًا أنهم قد رووا في مرة عن فلان وهو ضعيف وفي مرة عن علان وهو ضعيف.

وهذا غير صحيح.

ولذا فقول ابن رجب رحمه اللَّه:

” ... ما ذكره الترمذي - رحمه اللَّه - يتضمن مسائل من علم الحديث.

أحدها - أن رواية الثقة عن رجل لا تدل علىٰ توثيقه، فإن كثيرًا من الثقات رووا عن الضعفاء، كسفيان الثوري وشعبة وغيرهما.

وكان شعبة يقول: لو لم أحدثكم إلا عن الثقات لم أحدثكم إلا عن نفر يسير.

قال يحيى القطان: إن لم أرو إلا عمن أرضىٰ ما رويت عن خمسة، أو نحو ذلك. ”

هذا ما ذكره من شرح علل الترمذي، وقد غلط فيه.

فما ذكر عن شعبة ليس محله ما أراد إذ شعبة من أهل الانتقاء والنقد.

والأصل في روايته أنها تعديل، ولا يُدفع هذا العام الكثير بخاص قليل من الأحوال روىٰ فيها عن بعض الضعفاء.

وإنما مراده بتلك العبارة الثقات الكبار الذين يرضىٰ بهم كل الرضا علىٰ كمال نقده ودقته، فإن في شيوخه عددًا كثيرًا من الثقات.

وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: 

( سمعت أبي يقول، إذا رأيت شعبة يحدث عن رجل، فاعلم أنه ثقة إلا نفرا بأعيانهم. )

فلم يجعل الاستثناء في انتقاءه دافعًا له كله بل ثبته بقوله: (فاعلم أنه ثقة)

وقال أحمد بن محمد بن أبي بكر المقدمي في كتاب التاريخ وأسماء المحدثين وكناهم:

” حدثنا أبي قال: حدثنا علي بن المديني، عن قرة بن سليمان قال: قال لي مالك بن أنس: شعبتكم يشدد في الرجال، ويروي عن عاصم بن عبيد اللَّه. ”

هذا لا يعلُ بضعف قرة بن سليمان لأنه إنما يروي قول شيخه بغير سند، وهذا مقبول.

والأثر دال علىٰ انتقاء شعبة في شيوخه بالأصل، وأن ذلك معروف عنه كما قال مالك رحمه اللَّه: (يشدد في الرجال)

وقال ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل:

” ٧٠ - حدثنا عبد الرحمن قال: قُرِئَ علىٰ العباس بن محمد الدوري، قال: سمعت يحيىٰ بن معين: بلغنا عن مالك أنه قال: عجبًا من شعبة هذا الذي ينتقي الرجال، وهو يحدث عن عاصم بن عبيد اللَّه. ”

فعجبه دال علىٰ أن روايته عن الضعيف ليست أصلًا فيه.

وكذلك يحيىٰ القطان وعبد الرحمن بن مهدي من أهل النقد والتحري.

يدلك علىٰ ذلك ما جاء في سؤالات أبي داود:

( قلت لأحمد: إذا روى يحيىٰ أو عبد الرحمن بن مهدي عن رجل مجهول، يحتج بحديثه؟، قال: يحتج بحديثه. )

ويدلك علىٰ ذلك أيضًا أنهما يُذكران في كتب الجرح والتعديل بذكر روايتهما عن فلان أو تركهما الرواية عن علان.

فروايتهما معروف ومشهور أنها تعديل، وكذلك تركهما الرواية معروف أنه جرح.

قال البخاري في الضعفاء:

” ٢٨٢ - عمَارَة بن جُوَيْن أَبُو هَارُون الْعَبْدي عَن أبي سعيد، تَركه يحيىٰ الْقطَّان. ”

وقال مرة:

” ٣٢٢ - مُحَمَّد بن السَّائِب أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ، تَركه يحيىٰ بن سعيد. ”

وقال مرة:

” ٤١٢ - يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم القَاضِي سمع بن السَّائِب، تَركه يحيىٰ وَابْن مهْدي وَغَيرهمَا. ”

وقال الترمذي في جامعه:

” وَأَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ، وَجَابِرُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ ضَعَّفُوهُ، تَرَكَهُ يَحْيَىٰ بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بن مهْدِيٍّ. ”

فذكر التضعيف بترك الرواية منها، وإذا ثبت ثبت ضده أعني التعديل بالرواية منهما.

وقد كان عمرو بن علي الفلاس رحمه اللَّه مهتمًا بهذا الشأن، فكان يذكر الراوي ويقول: تركه يحيىٰ وعبد الرحمن، أو روىٰ عنه يحيىٰ وعبد الرحمن، هذا أو فيما معناه.

قال ابن عدي في الكامل:

” كَتَبَ إِلَيَّ مُحَمد بْنُ الْحَسَنِ البري، حَدَّثَنا عَمْرو بن علي، قَال: كان يَحْيىٰ وَعَبد الرحمن لا يحدثان عن طلحة بن عَمْرو. ”

وقال مرة:

” كتب إلي مُحَمد بن الحسن البري، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرو بن علي يقول: كان يَحْيىٰ وَعَبد الرحمن لا يحدثان عن الحسن بن دينار. ”

وقال مرة:

” كَتَبَ إِلَيَّ مُحَمد بْنُ الْحَسَنِ الْبُرِّيُّ، حَدَّثَنا عَمْرو بن علي، قَال: كان يَحْيىٰ وَعَبد الرحمن لا يُحَدِّثَانِ عَنْ عَمْرو بْنِ عُبَيد، وَكَانَ يَحْيىٰ يُحَدِّثُنَا عَنْهُ ثُمَّ تركه. ”

أقول: البري هذا وصفه ابن المقرئ في معجمه بالصلاح، فإن كان ثقةّ فخير، وإن كان ضعيفًا فهو مقبول في رواية قول شيخه بغير سند إذ كان صالحًا لا يكذب.

وما ذكرت من القاعدة فنافع في غير بابنا هذا.

ففي باب التدليس لدينا مبحث المدلس المكثر الذي لازم شيخه، فغلب عليه السماع منه، وعُرِف بالرواية عنه.

فهذا من الناس من قَبِل عنعنته عن شيخه إذ كان السماع غالبًا عليه فيما رواه عنه.

ومن الناس من لم يقبل عنعنته إذ كان في حين قد دلس عنه وفي حين قد روىٰ عنه ولم يسمع منه.

والصواب مع من قال القول الأول.

قال الخطيب البغدادي في الكفاية:

” أخبرنا أبو نعيم الحافظ، ثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسىٰ، قال: قال عبد اللَّه بن الزبير الحميدي: وإن كان رجل معروفًا بصحبة رجل والسماع منه، مثل ابن جريج عن عطاء، أو هشام بن عروة عن أبيه، وعمرو بن دينار عن عبيد بن عمير.

ومن كان مثل هؤلاء في ثقتهم ممن يكون الغالب عليه السماع ممن حدث عنه، فأدرك عليه أنه أدخل بينه وبين من حدث رجلًا غير مسمىٰ، أو أسقطه تُرِكَ ذلك الحديث الذي أدرك عليه فيه أنه لم يسمعه.

ولم يضره ذلك في غيره، حتىٰ يدرك عليه فيه مثل ما أدرك عليه في هذا، فيكون مثل المقطوع. ”

هذا إسناد صحيح إلىٰ الحميدي شيخ البخاري المعروف.

وقد أحسن الذهبي إذ تنبه لعلة غلبة السماع في رواية الأعمش عمن أكثر عنه.

قال في ميزان الاعتدال عفىٰ اللَّه عنا وعنه:

( وهو يدلس، وربما دلس عن ضعيف، ولا يدرىٰ به، فمتىٰ قال حدثنا فلا كلام، ومتىٰ قال عن تطرق إلىٰ احتمال التدليس إلا في شيوخ له أكثر عنهم: كإبراهيم، وأبي وائل، وأبي صالح السمان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة علىٰ الاتصال. )

وأبو صالح السمان هذا قد سمع منه الأعمش ألف حديث.

قال ابن محرز في تاريخه عن ابن معين:

( سمعت ابن نمير، يقول: سمعت ابا خالد الأحمر، يقول: سمعت الأعمش يقول: سمعت من أبي صالح ألف حديث. )

وتلك القاعدة تنفعنا أيضًا في أمر الراوي المُرسِل الذي كان الإرسال الخفي أصلًا في إرساله دون الإرسال الذي هو التدليس.

ففي اصطلاح عموم المتقدمين المرسل يأتي لعموم المنقطع في السماع.

وهو صنفان: المنقطع الخفي، والمنقطع الجلي.

فالانقطاع في هذا الأخير يكون واضحًا كأن يروي الراوي عمن لم يدركه زمانًا أو يصعب لقاءه منه لتباعد قطري عظيم بينما في الأول يكون خفيًّا كأن يروي الراوي عمن أدركه وأمكنه لقياه ولم يسمع منه.

ويستخدم المرسل أيضًا بمعنىٰ المنقطع الذي هو تدليس الإسناد المعروف، وكذلك التدليس يستخدم بمعنىٰ الرسل الخفي.

ومثال هذا الأخير ما قال قال ابن حبان عن يحيىٰ بن أبي كثير في الثقات:

( وَكَانَ يُدَلس، فَكلما روىٰ عَنْ أنس فقد دلّس عَنْهُ، وَلم يسمع من أنس وَلَا من صَحَابِيّ شَيْئًا. )

فهذا تدليس بمعنىٰ إرسال خفي لأنه قد أدرك أنسًا ورآه، ولم يسمع منه أي شيء.

ومثال المرسل بمعنىٰ التدليس فيما قال ابن أبي حاتم في مقدمته:

” ٣٢٠ - نا صالح، نا علي قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي قال: سمعت سفيان وذكر منصورًا يومًا، فقال: ربما حدث عن رجلين عن إبراهيم، كأنه يقول: لا يرسل شيئًا. ”

أصل سماع منصور من إبراهيم النخعي ثابت، فمراد سفيان بالمرسل أي منقطع الإسناد - التدليس - لا المرسل الخفي.

يريد أن منصورًا لا يدلس، فإنه إذا لم يسمع من إبراهيم روىٰ عنه بواسطة من سمعه، ولم يعنعن عنه، فهذا دليل بعده عن التدليس.

وبعد هذا فإن الراوي ربما قيل عنه مدلس، وكان المراد إما في الغالب وإما لا أنه يرسل إرسالًا خفيًّا.

فهذا الذي تدليسه إنما هو إرسال خفي، ولم يثبت عنه أي تدليس إسناد، محمول حديثه علىٰ الاتصال لا شك.

والذي تدليسه في الغالب يراد به إرسال خفي، وقد ثبت عنه مع ذلك تدليس الإسناد، فإن حديثه محمول علىٰ الاتصال إذ النادر القليل لا يدفع الغالب الكثير كما ذكرنا.

وإنما يُخشىٰ من التدليس إذا غلب علىٰ الراوي، فهذا لا بد من أن يصرح كما ذكر علي بن المديني.

ومثال ما ذكرت يحيىٰ بن أبي كثير الذي وصفه ابن حبان بالتدليس، وأراد كما هو واضح أنه يرسل إرسالًا خفيًّا عن أنس.

فهذا روايته عن شيوخه الذين سمعهم محمولة علىٰ الاتصال بغير استثناء.

ومثال الصنف الذي كان يدلس ولكن غلب عليه الإرسال الخفي أبو إسحاق السبيعي رحمه اللَّه.

قد وُصِف بالتدليس، ولو نظرنا في أمره لوجدنا غالب إرساله إرسال خفي لا التدليس.

فهو يروي علقمة بن قيس النخعي صاحب ابن مسعود، وقد أدركه، وهو كوفي مثله، فلا تباعد قطري يصعب معه اللقاء، وومع ذلك لم يسمع منه شيئًا، فروايته عنه إرسال خفي.

قال ابن أبي حاتم في المراسيل:

” ٥٢٤ - قَالَ أَبِي وَأَبُو زرْعَة: أَبُو إِسْحَق لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَلْقَمَةَ شَيْئًا.

٥٢٥ - حدَّثَنَا أَبِي، نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا أُمَيْةَ ُبْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ، نَا شُعْبَةُ، قَالَ: كنتُ عِنْد أبي إِسْحَق الْهَمْدَانِيِّ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: شُعْبَةُ يَقُولُ: إِنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ مِنْ عَلْقَمَةَ، قََاَل: صَدَقَ شُعْبَة. ”

وهناك ذو الجوشن الضبابي صحابي، قد أدركه أبو إسحاق، وهو كوفي مثله، فلا يبعد لقاءه عنه، ومع ذلك لم يسمع منه شيئًا.

قال ابن أبي حاتم في المراسيل:

” ٥٢٧ - سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يُقوُل: وَحَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةِ، عَنْ أَبِي إِسْحَق، عَنْ ذِي الْجَوْشَنِ: هوَ مُرْسَلٌ، لم يسمع أَبُو إِسْحَق مِنْ ذِي الْجَوْشَن. ”

وإنما كان جارًا لابنه، وكان يصلي معهم الصبح، فيظهر أن حديثه عن ذي الجوشن أخذه من ابنه.

قال البخاري في التاريخ:

” مُحَمَّد بْن عباد حدثنا سفيان عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ ذي الجوشن أَبِي شمر الضبابي، وكَانَ ابنه جارًا لأَبِي إِسْحَاق ولا أراه إلا سمعه من ابْن ذي الجوشن. ”

وهناك ابن عمر الذي أدرك زمانه، ومن حيث إمكان اللقاء فهو قد رآه، ومع ذلك قال ابن أبي حاتم في المراسيل:

” ٥٢٦ - سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: لَمْ يَسْمَعْ أَبُو إِسْحَق مِنَ ابْنِ عُمَرَ، إِنَّمَا رَآهُ رُؤْيَةً. ”

وهناك حجر بن عدي، أدركه، وكان كوفيًّا معه حتىٰ قد رأه، ولم يسمع منه شيئًا فيما يُعلم.

قال ابن أبي حاتم:

” ٥٢٩ - سَمِعت أبي يَقُول: أَبُو إِسْحَق الْهَمْدَانِيُّ قَدْ رَأَىٰ حُجْرَ بْنَ عَدِيِّ وَلَا أَعْلَمُ سَمِعَ مَنْهُ. ”

وبعدُ فملاحظٌ أن تدليس أبي إسحاق إنما كان إرسالًا خفيًّا في الكثير الغالب، كما قال أحمد في شبيهه الأعمش أن تدليسه يضيق - أي تدليس الإسناد -، وسيأتي قوله. 

فقول ابن حبانٍ في الثقات عن أبي إسحاق: (وكان مدلسًا)

هذا إنما يُراد به الإرسال الخفي غالبًا، فإن عنعن وثبت أصل سماعه، فيقبل منه إلا لقرينة.

ومثال ما ثبتت فيه القرينة في روايته الحارث الأعور.

قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل:

( الحارث الأعور روىٰ عنه عبد اللَّه بن مرة وأبو إسحاق )

وقال عبد اللَّه بن أحمد في العلل:

( حدثني أبي قال: سمعت أبا بكر بن عياش قال: قل ما سمع أبو إسحاق من الحارث، ثلاثة أحاديث. )

فأصل سماعه من الحارث متحقق، سمع منه ثلاثة أحاديث.

قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل:

” حدثنا عبد الرحمن أنا ابن أبي خيثمه فيما كتب إلي، قال: سمعت أبي يقول: كان يحيىٰ بن سعيد القطان يحدث من حديث الحارث ما قال فيه أبو إسحاق: سمعت الحارث. ”

واشتراط التصريح في السماع يعني أن عامة رواية أبي إسحاق عن الحارث مدلسة ألا أحاديث معدودة سمعها ثلاثة أو غير هذا.

فهنا نحمل روايته عنه علىٰ التدليس بالأصل لقرينة، وإلا فالأصل ثبوت سماعه.

ولهذا صحح الإمام أحمد كما في السنة لعبد اللَّه أثر عبد اللَّه بن خليفة عن عمر عليه السلام في جلوس الرب تبارك وتعالىٰ.

والأثر إنما يرويه أبو إسحاق بالعنعنة عن التابعي عبد اللَّه بن خليفة، وأحمد قبل عنعنته، واحتج بعبد اللَّه بن خليفة.

ولدينا مثال آخر ثبت فيه تدليس أبي إسحاق.

قال عبد اللَّه بن أحمد في العلل:

” حدثني أبي قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن قيس، عن أبي إسحاق، عن رجل، عن علي: ليس في الخضر زكاة، البقل والقثاء والتفاح.

قال أبي: ورواه قيس ومعمر، عن أبي إسحاق. ”

أقول: فأما رواية معمر فرواها عبد الرزاق في المصنف.

قال:

” ٧١٨٨ - عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: لَيْسَ فِي الْخُضَرِ صَدَقَةٌ الْبَقْلِ، وَالتُّفَاحِ، وَالْقِثِّاءِ. ”

وأما رواية قيس فرواها عبد الرحمن بن مهدي ورواها أيضًا قرينه وكيع بن الجراح كما في مصنف ابن أبي شيبة:

” ١٠٠٣٦ - حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: لَيْسَ فِي الْخُضَرِ شَيْءٌ ”

فاتضح أن الرجل الذي لم يذكر اسمه عبد الرحمن بن مهدي هو عاصم بن ضمرة، وأبو إسحاق السبيعي قد سمع من عاصم.

ومع ذلك فقد قال عبد اللَّه في العلل:

” حدثني أبي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: سمعت سفيان في حديث أبي إسحاق في الخضر، قال: ليس هذا من حديث أبي إسحاق. ”

يعني ليس ذاك  من حديثه عمن سماه - وهو عاصم - ولكنه دلسه عنه.

وسفيان يقول نحوًا من قوله: ”ليس هذا من حديث أبي إسحاق“ في الأعمش فيما دلسه من الأحاديث. 

قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل:

”  نا حماد بن الحسن بن عنبسة، ثنا أبو داود، عن زائدة قال: كنا نأتي الأعمش، فيحدثنا فيكثر.

ونأتي سفيان الثوري، فنذكر تلك الأحاديث له، فيقول: ليس هذا من حديث الأعمش، فنقول هو حدثنا به الساعة، فيقول: اذهبوا فقولوا له إن شئتم، فنأتي الأعمش فنخبره بذلك، فيقول: صدق سفيان ليس هذا من حديثنا. ”

والمثال الآخر بجانب أبي إسحاق هو سليمان بن مهران الأعمش، فهذا راوٍ مشهور وكثيرًا ما يعل الناس بعنعته.

ولكن هذا بخلاف الأصح إذ كان تدليسه إذ هو دلس إرسال خفي في الغالب. 

فهو يروي عن أنس، وأمكنه لقياه والسماع منه فقد رآه، ومع ذلك لم يسمع منه البتة.

ويروي عن أبي صالح باذام الذي هو كوفي مثله، وفي طبقة شيخه أبي صالح السمان، ومع ذلك ولم يسمع منه.

قال ابن أبي حاتم في المراسيل

” ٢٩٨ - سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: لَمْ يَسْمَعْ الْأَعْمَشُ مِنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى أَمِّ هانئ، قِيلَ لَهُ؛ إِنَّ ابْنِ أَبِي طِيبَةَ يُحَدِّثُ عَنْ الْأَعْمَشِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى أُمِّ هانئ، فَقَالَ: هَذَا هُوَ مُدَلَّسٌ عَنِ الْكَلْبِيِّ. ”

ويروي عن شمر بن عطية وهو قد أدركه وأمكنه لقياه إذ هو كوفي مثله بل قد أدرك أناسًا من طبقة شيوخه كأبي وائل.

ومع ذلك قال ابن أبي حاتم في المراسيل:

” ٢٩٦ - أَخْبَرَنَا حَرْبُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْكَرْمَانِيُّ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ، قَالَ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: الْأَعْمَشُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ شَمِرِ بْنِ عَطِيَّةَ. ”

وكذلك ابن سيرين فقد أدرك زمانه وليس بينه وبين ابن سرين تباعد قطري كبير بحيث يصعب اللقاء.

ومع ذلك قال ابن أبي حاتم:

” ٣٠١ - سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ: لَمْ يَسْمَعْ الْأَعْمَشُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين. ”

وكذلك يروي عن همام بن الحارث النخعي، وقد أدركه وأمكنه لقياه فهو كوفي مثله، ولم يسمع منه أبدًا.

قال ابن أبي حاتم:

” ٣٠٦ - سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: الْأَعْمَشُ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ مُرْسَلٌ بَيْنُهَما إِبْرَاهِيمُ. ”

وقال ابن أبي حاتم في المراسيل:

” ٣٠٣ - سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ: لَمْ يَسْمَعِ الْأَعْمَشُ مِنْ عِكْرِمَةَ شَيْئًا. ”

وهو أدرك زمانه وليس بينه وبين عكرمة تباعد قطري عظيم.

وكذلك معصب بن سعد بن أبي وقاص رضي اللَّه عنهما، روىٰ عنه وأدركه وأمكنه لقياه فهو كوفي مثله، ولم يسمع منه.

قال ابن أبي حاتم:

” ٢٩٩ - سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: لَمْ يَسْمَعْ الْأَعْمَشُ مِنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ شَيْئًا. ”

فقد بان بهذا وغيره كثرة إرساله الخفي.

وقال أحمد كما في سؤالات أبي داود:

 ” [١٣٨] - سمعت أحمد سُئِلَ عن الرجل يعرف بالتدليس يحتج فيما لم يقل فيه سمعت؟، قال: لا أدري.

فقلت: الأعمش متى تصاد له الألفاظ؟، قال: يضيق هذا، أي أنك تحتج به. ”

يريد أن تدليسه تدليس الإسناد ضيق إذ الغالب عليه في سعة ما روىٰ الإرسال الخفي.

ومما دلت البينة علىٰ أنه دلسه أحاديثه عن مجاهد.

هذه معروف أنها مدلسة إلا بعض الأحاديث.

هذا واعلم رحمك اللَّه أن صناعة الحديث، وما تضمنه من الأبواب والمباحث مما ذكرنا ومما لم نذكر، لا يؤخذ القول في هذا بالأصل إلا من أهل الحديث دون أهل الكلام والرأي إذ كانوا أهل العلم بذلك.

وهذا أمر بديهي معقول أن المرجع في كل فن وعلم إلىٰ أهله دون من سواهم.

وإنما قد يؤخذ من أولئك إن اشتغلوا بالحديث وتعملوه وأمعنوا النظر فيه ما وافقوا فيه المروي عن الأئمة أو ما لم يخالفوا فيه شيئًا من ذلك وكانوا فيه متبعين لأصل عام صحيح.

قال الإمام مسلم في خاتمة كتابه التمييز / ١٩٦:

” واعلم رحمك اللَّه: أن صناعة الحديث ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم، إنما هي لأهل الحديث خاصة، لأنهم الحفاظ لروايات الناس، العارفين بها دون غيرهم، إذ الأصل الذي يعتمدون لأديانهم السنن والآثار المنقولة من عصر إلىٰ عصر من لدن النبي ﷺ إلىٰ عصرنا هذا.

فلا سبيل لمن نابذهم من الناس وخالفهم في المذهب إلىٰ معرفة الحديث، ومعرفة الرّجال من علماء الأمصار فيما مضىٰ من الأعصار من نقل الاخبار وحُمّال الآثار.

وأهل الحديث هم الذين يعرفونهم ويميزونهم حتى ينزلوهم منازلهم في التعديل والتجريح، وإنما اقتصصنا هذا لكي نثبته لمن جهل مذهب أهل الحديث ممّن يريد التعلم والتنبه علىٰ تثبيت الرّجال وتضعيفهم، فيعرف ما الشواهد عندهم والدلائل التي بها ثبتوا الناقل للخبر من نقله أو سقطوا من أسقطوا منهم.

والكلام في تفسير ذلك يكثر، وقد شرحناه في مواضع غير هذا، وباللَّه التوفيق في كل ما نؤم ونقصد. ”

وصل اللهم وسلم علىٰ نبينا محمد. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الخلاف في صفة الهرولة...

لم نزل القرآن متفرقًا علىٰ محكم ومتشابه؟

الجواب النبوي الشافي من داء القنوط...