رد علىٰ مقطع لعبد الرحمن دمشقية قال فيه قولًا عجيبًا....
بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّه وعلىٰ آله وصحبه ومن ولاه، وبعد:
فقال الشيخ عبد الرحمن في مقطعه علىٰ اليوتيوب [وليد إسماعيل ومذهب التفويض الأشعري لصفة اليدين للَّه]:
” لا يؤخذ من هذه الآية: {بل يداه مبسوطتان}، إثبات اليد مباشرة، وإنما إثبات كرم اليد الثابتة أصلًا من قوله تعالىٰ: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} ”
وهذا قول عجيب أن يقال: لا تثبت اليد مباشرة من الآية!
فإن قوله تعالىٰ قد جاء معارضةً لقول اليهود إذ قالوا: (يد اللَّه مغلولة)
والغل هو القيد.
أرادوا أن نعمته وعطاءه مُمسَكٌ مقبوضٌ بيده، أي أنها كيد المقيد التي تنقبض عن العطاء وتُمسك عنه، فاستعار الغل للإمساك نظير قوله: (ويقبضون أيديهم)
يعني بذلك العطاء أنه مُمسَكٌ مقبوضٌ بأيديهم، أي أنهم بخلاء.
وهذا التفسير ظاهر في السياق.
وقال تعالىٰ بعد قولهم ذاك معارضةً لهم: (بل يداه مبسوطتان)، أي بالعطاء والخير غير مقبوضتين.
فكيف بعد هذا لا تثبت اليد مباشرة أو يقال: المعني كرم اليد دون اليد؟، فإن كرم اليد إذا كان معنيًا كانت اليد معنيةً بالكرم، فهي معنية ثابتة.
قال ابن قتيبة في الإختلاف في اللفظ والرد علىٰ الجهمية والمشبهة [٤٢]:
” وتأويل الآية: أن اليهود قالت: يد اللَّه مغلولة أي ممسكة عن العطاء، فضرب الغل في اليد مثلًا لأنّه يقبض اليد عن أن تمتد وتنبسط كما تقبض يد البخيل.
فقال اللَّه تعالىٰ: {غلت أيديهم}، أي قبضت عن العطاء والإنفاق في الخير والبر: {ولعنوا بما قالوا}، {بل يداه مبسوطتان}: بالعطاء: {ينفق كيف يشاء} ”
وقد عد السلف والأئمة المصنفين تلك الآية من آيات صفة اليدين.
قال ابن خزيمة في كتاب التوحيد [١١٨]:
” بَابُ ذِكْرِ إِثْبَاتِ الْيَدِ لِلْخَالِقِ الْبَارِئِ جَلَّ وَعَلَا وَالْبَيَانُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَىٰ لَهُ يَدَانِ، كَمَا أَعْلَمَنَا فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ أَنَّهُ خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِيَدَيْهِ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ لِإِبْلِيسَ: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}
وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا تَكْذِيبًا لِلْيَهُودِ حِينَ قَالُوا: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}، فَكَذَّبَهُمْ فِي مَقَالَتِهِمْ، وَقَالَ: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} ”
وقال عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه علىٰ المريسي [٨٤]:
” وَقد كَفَانَا اللَّهُ ورَسُولُهُ مُؤْنَةَ تَفْسِيرِكَ هَذَا، بِالنَّاطِقِ مِنْ كِتَابِهِ، وَبِمَا أَخْبَرَ اللَّه عَلَىٰ لِسَانِ نَبِيِّهِ - ﷺ -.
فَأَمَّا النَّاطِقُ مِنْ كِتَابِهِ فَقَوْلُهُ: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}، وَقَوْلُهُ: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} ”
وقال الطبري في التبصير في معالم الدين:
” وذلك نحو إخبار اللَّه تعالىٰ ذكره إيانا أنه سميعٌ بصيرٌ، وأن له يدين لقوله: {بل يداه مبسوطتان}، وأن له يمينًا لقوله: {والسموات مطويات بيمينه} ... ”
وقال الدارمي في نقضه [١٠١]:
” أم قَوْله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}، أنعمتان مِنْ أَنْعُمِهِ قَطُّ مَبْسُوطَتَانِ؟، فَإِنَّ أَنْعُمَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، أَفَلَمْ يَبْسُط مِنْهَا عَلَىٰ عِبَادِهِ إِلَّا ثِنْتَيْنِ وَقَبَضَ عَنْهُم مَا سِوَاهُمَا فِي -دَعْوَاكُمْ-؟
فَحِينَ رَأَيْنَا كَثْرَةَ نِعَمِ اللهِ المَبْسُوطَاتِ عَلَىٰ عِبَادِهِ ثُمَّ قَالَ: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}، عَلِمْنَا أَنَّهَما بِخِلَافِ مَا ادَّعَيْتُمْ، وَوَجَدْنَا أَهْلَ العِلْمِ مِمَّنْ مَضَىٰ يَتَأَوَّلُونَهَا خِلَافَ مَا تَأَوَّلْتُمْ، وَمَحَجَّتُهُمْ أَرْضَىٰ، وَقَوْلُهُمْ أَشْفَىٰ.
(٥١) حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، ثَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَىٰ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَن يزِيد النَّحْوِيّ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَوْلُهُ {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}، قَالَ: يَعْنِي اليَدَيْنِ.
(٥٢) حَدثنِا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ الجُمَحِيِّ قَالَ: سَألتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ يَدِ اللَّه، أَوَاحِدَةٌ أَوِ اثْنَتَانِ؟، قَالَ: بل اثْنَتَانِ. ”
هذه أسانيد جيدة قد ثبتها الدارمي.
ونعيم بن حماد وإن كان فيه ما فيه غير أنه معني بما ينقض علىٰ الجهمية، فالأثر الذي رواه مظنة حفظ وضبط، هذا مع احتجاج الدارمي يجعلنا نطمئن للأثر.
وابن ابي مليكة تابعي جليل.
قال الشيخ عبد الرحمن دمشقية في مقطعه:
” كما أنَّه لا يؤخذ من قوله تعالىٰ: {كل شيء هالك إلا وجهه}، إثبات الوجه، ولذلك عامة السلف كانوا يفسرون هذه الآية أي ما أريد به وجهه. ”
أقول: قد ثبت عن السلف تفسير الآية بما أريد به وجهه، وبعضهم فسرها بأن معناها: إلّا وجهه أي إلّا هو، يعني اللَّه جل وعز.
قال يحيىٰ بن سلام في تفسيره [٦١٤]:
” وَقَالَ السُّدِّيُّ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ}، يَعْنِي: كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ مَيِّتٌ.
قَالَ: {إِلا وَجْهَهُ}، قال: إِلّا اللَّهُ، فَإِنَّهُ لا يَمُوتُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ. ”
وقال البخاري في صحيحه [١٢١]:
” وَيُقَالُ: إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّه. ”
وقال حرب الكرماني في السنة:
” ٣٢٠ - حدثنا أبو معن، قال: ثنا مؤمل، ثنا سفيان في قوله: {كل شيء هالك إلا وجهه}، قال: إلا ما أريد به وجهه. ”
أقول: هذا موجود في تفسير سفيان الثوري المطبوع.
قال سفيان الثوري في تفسيره:
” (كل شيء هالك إلا وجهه)، مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ. ”
وهذان التأويلان أي التفسيران جاءا لاعتبار ما لحق الكلام وتبعه وما تقدم الكلام وسبقه.
قال: (ولا تدع مع اللَّه إلها آخر)، أي معبودًا، (لا إله إلا هو)، أي لا معبود بحق إلا هو، (كل شيء)، أي من الآلهة والمعبودات وعبادتها ودعائها: (هالك)، فانٍ فلا نفع له، (إلا وجهه)، أي إلا هو.
فخصص ما تبع الكلام عموم قوله: (كل شيء)، وكان ظاهرًا معه أن قوله: (إلا وجهه)، أي إلا هو إلا المعبود اللَّه تعالىٰ، أو إلا ما أريد به وجهه من العبادات والأدعية، فكل معبود هالك دعائه وعبادته فانية ذاهبة، إلا اللَّه فعبادته باقية غير ذاهبة.
فهذان التفسيران لهما وجه ظاهر في سياق الخطاب، وهما متفقان لا يتعارضان، ولكن أفي شيء منهما دفع ورد لصفة الوجه؟
والجواب: تلك محض دعوىٰ، وكلنا قادر علىٰ أن يدعي.
وهل تأول وفسر السلف ما تأولوا وفسروا مدعين أن ذلك لتنزه اللَّه عن الوجه والتبعيض كما هو مذهب الأشعرية؟
وذانك التفسيران إن لم يكن فيهما شيء من إثبات الوجه، فلا شيء فيهما من رده أيضًا.
والواقع أنهما تثبيت للوجه لأن قولنا: هذا لوجه اللَّه، وذلك ولوجه فلان مثل معقول فهو وإن كان المراد به الثواب وما عند المُتكلَّم عنه غير أنه مثل لا يقال إلا لمن كان من ذوي الأوجه.
فلا يقال لمن لم يكن قط من ذوي الأوجه: فعلت كذا لوجهه، أو أريد بكذا وجهه.
ولما قال من قال من السلف: ما أُرِيدَ به وجهه، فذاك وإن كان المراد به ثوابه فلا يُفهم منه عند العرب إلا أن للشخص المُتكلَّم عنه وجهًا.
قال ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي:
” أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ عَبْدِ الأَعْلَىٰ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَىٰ: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}
قَالَ: لا يَكُونُ فِي هَذَا الْمَعْنىٰ إِلا هَذِهِ الثَّلاثَةُ الأَحْكَامُ، فَمَا عَدَاهَا مِنَ الأَكْلِ بِالْبَاطِلِ عَلَىٰٰ الْمَرْءِ فِي مَالِهِ فَرْضٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَىٰ، لا يَنْبَغِي لَهُ حَبْسُهُ، وَشَيْءٌ يُعْطِيهِ، يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَىٰ، لَيْسَ مُفْتَرَضًا عَلَيْهِ، وَشَيْءٌ يُعْطِيهِ، يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ صَاحِبِهِ ”
فقول الإمام الشافعي الفصيح: (يريد به وجه صاحبه)
أيشك عاقل قد عرف كلام العرب أن هذا القول منه وإن كان المراد به ما عند الصاحب فغير مفهوم منه أن لذلك الصاحب وجهًا؟!
وكذلك الأمر مع قول السلف: ما أريد به وجهه، لا يفهم منه فاهم أن لا وجه إلا جاهل.
قال الدارمي في نقضه علىٰ المريسي [٢٧٩ - ٢٨٠]:
” وَلَوْلَا كَثْرَةُ مَنْ يَسْتَنْكِرُ الحَقَّ، وَيَسْتَحْسِنُ البَاطِلَ؛ مَا اشْتَغَلْنَا كُلَّ هَذَا الِاشْتِغَالِ بِتَثْبِيتِ وَجْهِ اللَّه ذِي الجلَال وَالإِكْرَام، ولو لم يَكُنْ فِيهِ إِلَّا اجْتِمَاعُ الكَلِمَةِ مِنَ العَالِمِينَ: أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّه العَظِيمِ، وأَعُوذُ بِوَجْهِكَ يَا رَبِّ، وجَاهَدْتُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّه، وأَعْتَقْتُ لِوَجْهِ اللَّه، لَكَانَ كَافِيًا مِمَّا ذَكَرْنَا، إِذْ عَقِلَهُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، وَالبَرُّ وَالفَاجِرُ، وَالعَرَبِيُّ وَالعَجَمِيُّ، غَيْرَ هَذِهِ العِصَابَةِ الزَّائِغَةِ المُلْحِدَةِ فِي أَسْمَاءِ اللَّه، المُعَطِّلَةِ لِوَجْهِ اللَّهِ، وَلِجَمِيعِ صِفَاتِهِ، - عز وجل - وَجْهُهُ، وتقدَّست أَسْمَاؤُهُ. ”
فهنا الإمام الدارمي يستدل علىٰ تثبيت الوجه بقول الناس: جاهدت ابتغاء وجه اللَّه، وما شاكل ذلك.
والعجب من المعطلة إذ يجعلون بجهالتهم ما هو دليل علىٰ الشيء دليلًا علىٰ عكسه، واللَّه المستعان.
وأما التفسير الأخر وهو قولهم: كل شيء هالك إلا وجهه يعني إلا هو.
فهذا تثبيت للوجه وتحقيق أيضًا، وذاك أن قلب الكلام من البعض إلىٰ الكل يدل علىٰ البعض، وإنما يُقلب الكلام لتناسب ذلك في مقام الخطاب.
فلو قيل: أرسل الأمير عيونه في الليل أي جواسيسه كما يُفهم ذلك من سياق الخطاب لكان في هذا تثبيتًا لأعين الجواسيس لا العكس.
وناسب قلب الكلام كذلك إذ كان الجاسوس يتجسس ويتفحص بعينه.
وكذلك قولنا: (إلا وجهه)، أي إلا هو
معنىٰ هذا: إلا نفسه المتصفة بالوجه.
وناسب أن يُقال ذلك إذ كان بقاء الوجه ببقاء النفس، فبقاءه دالّ علىٰ بقاء النفس كلها.
وقال تعالىٰ: (من أسلم وجهه للَّه)، أي نفسه لا عين وجهه فقط.
وهذا لا يعني أن لا وجه له، بل قلب الوصف من النفس للوجه إذ كان الوجه إذا أسلم أسلم وانقاد الجسد كله، فذاك دال علىٰ هذا.
هذا وقد ثبت يحيىٰ بن سلام والبخاري صفة الوجه من تلك الآية بما يدل علىٰ أنهما ما ذكرا تفسير إلا ما أريد به وجهه لتأويل الصفة.
وهذه دعوىٰ بلا دليل.
قال البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه [١٢١ - ١٢٢]:
” قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ}
٧٤٠٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، فَقَالَ: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، قَالَ ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَذَا أَيْسَرُ. ”
هنا ذكر البخاري قوله تعالىٰ: (كل شيء هالك إلا وجهه)، ثم أسند حديث الاستعاذة بالوجه.
ومراده بذلك أن الصفة غير مخلوقة إذ لا يستعاذ بمخلوق.
قال البخاري في خلق أفعال العباد:
( وقال نعيم: لا يستعاذ بالمخلوق، ولا بكلام العباد والجن والإنس، والملائكة وفي هذا دليل أنَّ كلامَ اللَّهِ غير مخلوق، وأنَّ سواه مخلوق )
وقال يحيىٰ بن سلام في تفسيره / ٦١٤:
” {وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ {٨٧} وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَه}، هُوَ كَقَوْلِهِ: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} ”
ففسر الآية بقوله جل وعز: (ويبقىٰ وجه ربك ذو الجلال والإكرام)
وهذا صريح في الإثبات إذ لا يقال: إن النص المعين كالنص الأخر المعين إلا لأن معنىٰ الاثنين مفهوم مشترك.
فظاهر أن تفسيره لقوله تعالىٰ: (كل شيء هالك إلا وجهه)، أي إلا وجهه ذو الجلال والإكرام.
وقد قال الدرامي في نقضه [٢٧٢]:
” وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}، يَقُولُ كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَ نَفْسِهِ الَّذِي هُوَ أَحْسَنُ الوُجُوهِ، وَأَجْمَلُ الوُجُوهِ، وَأَنْوَرُ الوُجُوهِ، المَوْصُوفُ بِذِي الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ هَذِهِ الصِّفَةَ غَيْرُ وَجْهِهِ. ”
فهذا كقول يحيىٰ أن الوجه في الآية معني به نفس الوجه كما قال: (ويبقىٰ وجه ربك ذو الجلال والإكرام)
فهذا تفسير ثالث عند السلف للآية، وهو لا يعارض الوجهين السابقين.
وهذه التفاسير الثلاثة كلها دالة علىٰ وجهه تعالىٰ.
وقد قال ابن خزيمة في كتاب التوحيد [٢٤]:
” بَابُ ذِكْرِ إِثْبَاتِ وَجْهِ اللَّهِ الَّذِي وَصَفَهُ بِالْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ فِي قَوْلِهِ: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}، وَنَفَى عَنْهُ الْهَلَاكَ إِذَا أَهْلَكَ اللَّهُ مَا قَدْ قَضَىٰ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ مِمَّا قَدْ خَلَقَهُ اللَّهُ لِلْفَنَاءِ لَا لِلْبَقَاءِ، جَلَّ رَبُّنَا عَنْ أَنْ يَهْلِكَ شَيْءٌ مِنْهُ مِمَّا هُوَ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ.
قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}، وقَالَ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} ... ”
فذكر قوله: (كل شيء هالك إلا وجهه)، في نصوص صفة الوجه.
وهذا الصواب لا شك فيه، ومن ظن غير ذلك فهو غالط لا مرية في ذلك.
هذا وصل اللهم وسلم علىٰ نبينا محمد.
تعليقات
إرسال تعليق