الكلام عن الرواية بالمعنىٰ...

بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّه وعلىٰ آله الطيبين وصحبه الأبرار، وبعد:

فإن من الناس من إذا ما ضاق ذرعًا بشيء من السنة والحديث أخذ يدند عن أمر الرواية بالمعنىٰ.

فإذا صَعُب عليه حديث قال: هو مروي بالمعنىٰ.

وهذا الذي أتكلم عنه في اتخاذ ذلك الأمر مفزعًا كإخيه المريد تقليل شأن السنة والحديث، حتىٰ قد قال القائل: القرآن لفظ ومعنىً، والسنة معنىً لا لفظ.

وإني ذاكر أمرين عن الرواية بالمعنىٰ، فليتدبرهما العاقل الفهم أمعهما كان في الراوبة بالمعنىٰ حجة ومتعلق لأولئك القوم أم لا؟

(١) - الرواية بالمعنىٰ تكون بتغيير يسير والمعنىٰ واحد كقولك: هلم وتعال، لا كما يظن الظان ممن يتعلق بعلة الرواية بالمعنىٰ أن ثمة اختلافًا كبيرًا أو أن لا مراعاة لما يحيل المعنىٰ.

وإنما الرواية بالمعنىٰ لمن كان عليمًا بلغات العرب مميزًا لمعاني ألفاظها عارفًا بما يحيل المعنىٰ وبما لا يحيله.

قال ابن رجب في شرح علل الترمذي (٤٢٧):

” ... وإنما يجوز ذلك لمن هو عالم بلغات العرب بصير بالمعاني عالم بما يحيل المعنىٰ، وما لا يحيله، نص علىٰ ذلك الشافعي. ”

يريد بقيله وكلامه الرواية بالمعنىٰ.

(٢) - هذه النقطة الأهم وهي أن الغالب أو الأكثر الأعظم مراعاة المحدثين للألفاظ كما هي وأن الاختلاف إن كان فبالهين القليل دون الجليل الكثير.

وهناك استثناءات وأمور.

فإن قيل: ما الدلالة المفهومة لكل من أراد أن يعرف صحة ذكرتَ؟

قيل: إنك لو ذهبت للأحاديث التي اشترك في روايتها المحدثين لوجدت تطابقًا وتوافقًا ظاهرًا اللهم إلا بعض الاختلاف في اليسير القليل هنا وهناك وهنا وهناك.

يعني مثلًا فلان يقول: أبصر فلان، وعلان يقول: فلان أبصر، وهكذا.

مثلًا في حديث من لا يرحم لا يُرحم رُوِيَ الحديث تارة بلفظ: إنه من لا يرحم لا يُرحم، وتارة بلفظ: من لا يرحم لا يُرحم.

ورُوي حديثٌ بلفظ: أبصر الأقرع بن حابس، ورُوي تارة بلفظ: أن الأقرع بن حابس أبصر.

وهناك أمر وهو اختصار الحديث بذكر جزء منه دون جزء لغرض، فهذا ليس من الرواية بالمعنىٰ.

هذا وقد كان الصحابة يدققون في الألفاظ ويتثبتون في السماع مما يدل علىٰ بعدهم عن الرواية بالمعنىٰ.

قال أبو عبد اللَّه البخاري في صحيحه إذ قال:

” ٦٩٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّىٰ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَىٰ بْنَ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّهُمَا أَتَيَا أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، فَسَأَلَاهُ عَنِ الْحَرُورِيَّةِ، أَسَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ؟

قَالَ: لَا أَدْرِي مَا الْحَرُورِيَّةُ؟، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ - وَلَمْ يَقُلْ: مِنْهَا - قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ، أَوْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَىٰ سَهْمِهِ، إِلَىٰ نَصْلِهِ، إِلَىٰ رِصَافِهِ، فَيَتَمَارَىٰ فِي الْفُوقَةِ، هَلْ عَلِقَ بِهَا مِنَ الدَّمِ شَيْءٌ؟ ”

قول أبي سعيد الخدري: (ولم يقل: منها)، فيه دلالة واضحة علىٰ تدقيق الصحابة في الألفاظ أشد التدقيق.

وقال عبد اللَّه بن أحمد في السنة:

” ١٥٤٥ - حَدَّثَنِي أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، نا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ، نا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، نا شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: وَقَفَ أَبُو أُمَامَةَ وَأَنَا مَعَهُ عَلَىٰ رُءُوسِ الْحَرُورِيَّةِ بِالشَّامِ عِنْدَ بَابِ مَسْجِدِ حِمْصَ أَوْ دِمَشْقَ، فَقَالَ لَهُمْ: كِلَابُ النَّارِ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، شَرُّ قَتْلَىٰ تُظِلُّ السَّمَاءُ وَخَيْرُ قَتْلَىٰ مَنْ قَتَلُوهُمْ، وَدَمَعَتْ عَيْنَا أَبِي أُمَامَةَ.

قَالَ رَجُلٌ: أَرَأَيْتَ قَوْلَكَ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ شَرُّ قَتْلَىٰ تُظِلُّ السَّمَاءُ وَخَيْرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوهُمْ أَشَيْءٌ مِنْ قِبَلِ رَأْيِكَ أَمْ شَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟

قَالَ: مِنْ قِبَلِ رَأْيِي؟، إِنِّي إِذًا لَجَرِيءٌ، لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ - حَتَّىٰ عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ - مَا حَدَّثْتُكُمْ. ”

في قول أبي امامة: (لو لم أسمعه من رسول اللَّه ﷺ إلا مرة أو مرتين)، حتىٰ عدد سبع مرات.

في ذلك دلالة واضحة ومثال علىٰ تثبت الصحابة في حديث النبي ﷺ، ومعروف طلب عمر من أبي موسىٰ الأشعري شاهدًا له علىٰ ما حدث من حديث الاستئذان ثلاثًا.

وذلك تثبت منه واحتياط.

جاء في شرف أصحاب الحديث الخطيب البغدادي:

” قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ: لَمْ يَطْلُبْ عُمَرُ مِنْ أَبِي مُوسَىٰ رَجُلًا يَشْهَدُ مَعَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَرَىٰ قَبُولَ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ.

وَكَيْفَ يَقُولُ ذِلِكَ، وَهُوَ يَقْبَلُ رِوَايَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ، وَيَعْمَلُ بِهِ، وَلَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟

وَكَذَلِكَ حَدِيثُ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ الْكِلَابِيِّ فِي تَوْرِيثِ امْرَأَةِ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ، مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا،

وَلَا فَعَلَ عُمَرُ أَيْضًا ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَتَّهِمُ أَبَا مُوسَىٰ فِي رِوَايَتِهِ، لَكِنْ فَعَلَهُ عَلَىٰ الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ مِنَ الِاحْتِيَاطِ لِحِفْظِ السُّنَنِ، وَالتَّرْهِيبِ فِي الرِّوَايَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الْحَضُّ عَلَىٰ نَشْرِ الْحَدِيثِ وَحَفْظِهِ وَالْمُذَاكَرَةِ بِهِ. ”

ثم أسند أثارًا في ذلك، منها أثر أبي سعيد الخدري الذي ظاهره الصحة: (تَذَاكَرُوا الْحَدِيثَ.)

ولا عجب في تدقيق الصحابة وتثبتهم في الحديث فقد كانوا يروون الرواية عنه ﷺ شديد كما قال زيد بن أرقم: كبرنا ونسينا والحديث عن رسول اللَّه ﷺ شديد.

هذا وهناك ما رُوي وصح عن أنس أنه كان يحدث بالحديث، فيقول: أو كما قال رسول اللَّه ﷺ.

فإن وجه هذا لا يتبين إلا بجمع الباب بعضه إلىٰ بعض، كما أن وجه ما رُوي عن بعض الصحابة كابن عمر وغيره من ترك الرواية عن رسول اللَّه ﷺ كذا وكذا من الزمان لا يتبين إلا بجمع الباب بعضه إلىٰ بعضه.

فهذا تورع واحتياط لا أنهم قد كانوا لا يروون الرواية عن النبي ﷺ أو يستحبون الإقلال منها مع الحاجة لها، لأنهم رووا وحدثوا حتىٰ أكثر المكثر منهم كأبي هريرة دون نكير من غيره من الصحابة.

وكذلك ذلك إنما هو احتياط وتخوُّف لا أنه قد كان يروي بالمعنىٰ، فقد رُوي غير ذلك مما ذكرت وغيره مما دل علىٰ تدقيق الصحابة وتثبتهم وتحريهم الألفاظ كما هي، وهذا هو الظن بهم، وإن كان من أهل العلم من فهم أن من الصحابة من حدث بالمعنىٰ، واللَّه العالم.

والحمد للَّه رب العالمين. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الخلاف في صفة الهرولة...

لم نزل القرآن متفرقًا علىٰ محكم ومتشابه؟

الجواب النبوي الشافي من داء القنوط...