الكلام عن حديث: ولم يمس ماء

بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّه، وبعد:

فهذا كلام حديثي علىٰ حديث: (وإن كَانَت لَهُ حَاجَة إلىٰ أَهله قضىٰ حَاجته، وَلم يمس مَاء حَتَّىٰ ينَام.)

قال مسلم بن الحجاج في التمييز (١٠٩ - ١١٠):

” ذكر الأحاديث التي نقلت علىٰ الغلط في متونها.

٤٠ - حَدثنَا أَحْمد بن يُونُس، ثَنَا زُهَيْر، ثَنَا أَبُو إسحاق قَالَ: سَأَلت الأسود بن يزِيد عَمَّا حدثت عَائِشَة عَن صَلَاة رَسُول اللَّه ﷺ قَالَت: كانَ ينَام أول اللَّيْل وَيحيي آخِره، وإن كَانَت لَهُ حَاجَة إلىٰ أَهله قضىٰ حَاجته وَلم يمس مَاء حَتَّىٰ ينَام.

سَمِعت مُسلمًا يَقُول: فَهَذِهِ الرِّوَايَة عَن أبي اسحاق خاطئة، وَذَلِكَ أَن النَّخعِيّ وَعبد الرَّحْمَن بن الأسود جَاءَا بِخِلَاف مَا روىٰ أَبُو إسحاق .

 ٤٠ - حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة ثَنَا ابْن علية ووكيع وغندر، عَن شُعْبَة، عَن الحكم، عَن إبراهيم، عَن الأسود، عَن عَائِشَة قَالَت: كان رَسُول اللَّه ﷺ إذا كَانَ جنبًا فَأَرَادَ أَن يَأْكُل أَو ينَام تَوَضَّأ وضوءه.

٤٢ - حَدثنَا ابْن نمير، ثَنَا أبي، ثَنَا حجاج، عَن عبد الرَّحْمَن بن الأسود، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة قَالَت: كانَ رَسُول اللَّه ﷺ يجنب ثمَّ يتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة ثمَّ ينَام حَتَّىٰ يصبح. ”

أقول: إنَّما حُمِلَ الغلط علىٰ أبي إسحاق لأن أثبت الناس فيه سفيان وشعبة رويا حديثه ذاك.

فرواه وكيع والطيالسي من طريق سفيان الثوري عنه، ورُوِيَ الحديث من طريق شعبة عنه.

وبل روىٰ حديثه معهما زهير وإسماعيل بن أبي خالد والأعمش، ويستحيل تغليط كل هؤلاء، فمعلوم أن الغلط من أبي إسحاق.

قال الترمذي في جامعه بعد أن ذكر حديثه:

”وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَغَيْرِهِ.

وَقَدْ رَوَىٰ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.

وَيَرَوْنَ أَنَّ هَذَا غَلَطٌ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ. ”

وقول سعيد بن المسيب رواه ابن أبي شيبة في مصنفه إذ قال:

” ٦٦٧ - حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: إِنْ شَاءَ الْجُنُبُ نَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ. ”

وهذا سند صحيح، فشعبة لا يروي إلا المتصل، فحديثه عن قتادة محمول علىٰ الاتصال.

قال ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل:

” حدثنا عبد الرحمن، نا صالح بن أحمد، نا علي - يعني ابن المديني - ،قال: سمعت عبد الرحمن - يعني ابن مهدي -، قال: سمعت شعبة - أو حدثني رجل عن شعبة أنه قال: كل شيء حدثتكم به فذلك الرجل حدثني به أنه سمعه من فلان إلا شيئًا أبينه لكم.

قال أبو محمد: فذكرته لأبي، قال: يعني أنه كان لا يدلس. ”

عبد الرحمن بن مهدي ينتقي في شيوخه الثقات فلا يضر لو روىٰ عن رجل عن شعبة، والأثر أمره هين.

هذا وإسناد أبي إسحاق عن عائشة عن النبي ﷺ ذاك فيه مخالفة لما كانت تفتي به هي رحمها اللَّه.

وهذه علة وسبب بان به هم من أسند عنها عدم مس الماء.

قال ابن أبي شيبة في المصنف:

” ٦٧٦ - حَدَّثَنَا غَنَّامُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي الرَّجُلِ تُصِيبُهُ جَنَابَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، فَيُرِيدُ أَنْ يَنَامَ، قَالَتْ: يَتَوَضَّأُ أَوْ يَتَيَمَّمُ. ”

هذا إسناد صحيح، تفرد بهذا عثام.

وقد روي مرفوعًا من طريق إسماعيل بن عياش إذ تفرد بهذا عن هشام، وهو ضعيف في روايته عن غير أهل الشام، وقد خالفه غيره فالقول ليس له.

قال ابن رجب في فتح الباري: (ورواية عَثَّام الموقوفة أصح.)

وقد روىٰ مالك في الموطأ فقال:

” عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: إذَا أَصَابَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ، فَلَا يَنَمْ حَتَّىٰ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ. ”

وقال ابن أبي شيبة:

” ٦٦١ - حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَرْقُدَ وَهُوَ جُنُبٌ فَلْيَتَوَضَّأْ. ”

هذا وبعضهم جمع بين حديث أبي إسحاق وحديث النخعي وعبد الرحمن بن الأسود، فقال: هذا يجوز وهذا يجوز، وإنما لم يمس النبي ﷺ الماء لبيان الجواز.

وهذا لا يصح لأنها قالت بحسب حديث أبي إسحاق: كان رسول اللَّه ﷺ، فهي تحكي حاله بما يفيد الدوام أو الأغلبية.

ولا تحكي حالة خاصة أو عارضة فتقول مثلًا: حصل كذا وكذا فأجنب ولم يمس الماء، أو تقول: آحيانا أجنب ولم يمس الماء.

ولو كان ذلك لأمكن الجمع.

وكفىٰ أن الأئمة النقاد مثل يزيد بن هارون والبخاري ومسلم والترمذي غلطوا أبا إسحاق فهم أعلم وأحكم.

وقال مسلم في التمييز (١١١):

” ٤٣ - حَدثنَا يحيىٰ بن يحيىٰ وَابْن رمح وقتيبة، عَن اللَّيْث، عَن ان شهَاب، عَن أبي سَلمَة، عَن عَائِشَة أَن رَسُول اللَّه ﷺ كَانَ اذا أَرَادَ أَن ينَام وَهُوَ جنب تَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة قبل أَن ينَام. ’

وهنا علة ثالثة في حديث أبي إسحاق، وهو أنه خالف بإسناده عنها عدم المس ما روي عنها حتىٰ من غير طريق الأسود بمس الماء.

والحاصل أن الأئمة ينظرون: لطرق الحديث عن التابعي المعين عن الصحابي.

ولطرق الحديث عن الصحابي نفسه من غير طريق التابعي الأول.

وهذا يعني أن الشذوذ والمخالفة لا تقتصر علىٰ مخالفة الراوي لغيره في طريق التابعي المعين بل حتىٰ في طريق أي تابعي آخر روىٰ عن نفس الصحابي.

وعدم تخريج الشيخين لرواية أبي إسحاق مع أنهما يحتجان به وبالأسود ومع أهمية روايته وأصاليتها في الباب دلالة وعلامة علىٰ العلة. 

والمعلول من سبيل المنكر والأئمة لا يستجيزون تخريج المنكر.

ولا يقال: لم يجمعا كل الصحيح، فحديث أبي إسحاق مهم وأصلٌ في الباب لا يُترك. 

هذا وصل اللهم وسلم علىٰ نبينا محمد. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الخلاف في صفة الهرولة...

لم نزل القرآن متفرقًا علىٰ محكم ومتشابه؟

الجواب النبوي الشافي من داء القنوط...