قاعدة فيما يضاف إلىٰ اللَّه سبحانه...
بسم اللَّه والصلاة والسلام علىٰ رسول اللَّه، وبعد:
قال أبو سعيد الدارمي في النقض علىٰ المريسي (٥١ -٥٢ /ت الشوامي):
” أَرَأَيْتُمْ قَوْلَكُمْ: إِنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ مَخْلُوقَةٌ. فَمَنْ خَلَقَهَا؟، أَوْ كَيْفَ خَلَقَهَا؟، أَجَعَلَهَا أَجْسَامًا وَصُوَرًا تَشْغَلُ أَعْيَانُهَا أَمْكِنَةً دُونَهُ مِنَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ؟، أَمْ مَوْضِعًا دُونَهُ فِي الهَوَاءِ؟
فَإِنْ قُلْتُمْ: لَهَا أَجْسَامٌ دُونَهُ، فَهَذَا مَا تَنْفِيهِ عُقُولُ العُقَلَاءِ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: خَلَقَهَا عَلَىٰ ألسِنَةِ العِبَادِ، فَدَعَوْهُ بِهَا، وَأَعَارُوهَا إِيَّاهُ، فَهُوَ مَا ادَّعَيْنَا عَلَيْكُمْ: إِنَّ اللَّهَ بِزَعْمِكُمْ كَانَ مَجْهُولًا لَا اسْمَ لَهُ حَتَّىٰ حَدَثَ الخَلْقُ فَأَحْدَثُوا أَسْمَاءً مِنْ مَخْلُوقِ كَلَامِهِمْ.
وَهَذَا هُوَ الإلحادُ بِاللَّهِ وَفِي أَسْمَائِهِ، وَالتَّكْذِيبُ بِهَا.
قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)]، كَمَا نُضِيفُهُ إِلَىٰ اللَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَلَوْ كَانَ كَمَا ادَّعَيْتُمْ لَقِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ المُسَمَّىٰ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ.
وَكَمَا قَالَ: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ}
وكَمَا قَالَ: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ}، كَذَلِكَ قَالَ: {تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)}، {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)}،{وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)}
كُلُّهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَكُلُّهَا هِيَ اللَّهُ، وَاللَّهُ هُوَ أَحَدُ أَسْمَائِهِ، كالعزيز، الحَكِيم، الجَبَّارِ، المُتَكَبِّرِ. ”
وقال في موضع أخر (٢١٠ - ٢١١ /ت الشوامي):
” وَادَّعَىٰ المُعَارِضُ أَيْضًا أَنَّ بَعْضَ عُلَمَائِهِ وَزُعَمَائِهِ قَالَ: إِن كَلَامَ اللَّهِ مُضَافٌ إِلَيْهِ كَمَا أُضِيفَ إِلَيْهِ رُوحُ اللَّهِ، وَبَيْتُ اللَّهِ.
وَهَذَا مِنْ قَدِيمِ حُجَجِ الجَهْمِيَّةِ، وَلَيْسَ من حُجَجِ الوَاقِفِيَّةِ.
فَلْيَكْشِفِ المُعَارِضُ عَنِ اسْمِ هَذَا العَالِمِ الَّذِي قَالَ، فَإِنَّهُ لَا يَكْشِفُهُ إِلَّا عَنْ جَهْمِيٍّ خَبِيثٍ.
وَإِنَّهُ لَا يُقَاسُ رُوحُ اللَّهِ، وَبَيْتُ اللَّهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ، المُجَسَّمَاتُ المَخْلُوقَاتُ القَائِمَاتُ المُسْتَقِلَّاتُ بِأَنْفُسِهِنَّ اللَّائي كُنَّ بِكَلَامِ اللَّه وَأَمْرِهِ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِنْهَا مِنَ اللَّه، كَكَلَامِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، لِأَنَّ هَذَا المَخْلُوقَ قَائِمٌ بِنَفسِهِ وعَيْنِهِ وحِلْيَتِهِ وَجِسْمِهِ، لا يَشُكُّ أَحَدٌ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ غَيْرُ اللَّهِ. وَأَنَّهُ لَيْسَ شَيءٌ مِنْها للَّه صِفَةً.
وَالقُرْآنُ كَلَامُهُ الَّذِي مِنْه خَرَجَ وَبِهِ تَكَلَّمَ، لَمْ يَقُمْ بِنَفْسِهِ جِسْمًا غَيْرَ اللَّه، قَائِمًا يُحِسُّ أَوْ يُحَسُّ حِينَ تُقِيمُهُ القَرَأَةُوالأَلْسُنُ، فَإِذَا زَالَتْ عَنْهُ القَرَأَةُ خَفِيَ، فَلَمْ يُحَسَّ مِنْهُ بِشَيْءٍ، فَلَمْ يَقُمْ لَهُ عَيْنٌ إِلَّا أَنْ يُبَيَّنَ بِكِتَابٍ يُكْتَبُ، فَبَيْنَ رُوحِ اللَّه وَبَيْتِ اللَّه وَعَبْدِ اللَّه، وَالقُرْآنِ الَّذِي هُوَ نَفْسُ كَلَامِ اللَّه الخَارِجِ مِنْ ذَاتِهِ بَوْنٌ بَعِيدٌ. ”
هذا الكلام من الدارمي وما سبقه مما ذكرت دال علىٰ أصل وأساس، وهو أن ما لا يقوم بجسم ونفس ولا يستقل بنفسه كالاسم والصفة، فلا شيء له من ذلك فيشغل مكانًا وموضعًا، لا يُضاف للَّه إضافة المخلوق لخالقه، فيكون مخلوقًا.
وهذا لأنه إن كان كذلك، فلازم منه أن هناك للاسم والصفة جسم ونفس قد خُلقت، فشغلت مكانًا دون مكان وموضعًا دون موضع، وهذا غير مقبول ولا مقبول.
وهذه قاعدة عامة نافعة في باب الأسماء والصفات.
وقد شرحها ابن تيمية بسهل العبارة وحسنها إذا قال:
” ومَا أُضيفَ إلىٰ اللَّهِ، أو قِيلَ: هو منه، فعلىٰ وَجهَينِ: إن كان عَينًا قائِمةً بنَفْسِها فهو مملوكٌ له، ومِن: لابتداءِ الغايةِ، كما قال تعالىٰ: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا}، وقال في المسيحِ: {وَرُوحٌ مِنْهُ}
وما كان صفةً لا يقومُ بنَفْسِه، كالعِلْمِ والكلامِ، فهو صِفةٌ له، كما يُقالُ: كلامُ اللَّه وعِلمُ اللَّهِ. ”
هذا كلام الشيخ في مجموع الفتاوىٰ.
وعلىٰ وفق ذاك الأصل نقول: إن إضافة الروح إليه سبحانه في قوله: (ونفخت فيه من روحي)، إضافة ملك وابتداء للتكريم والتشريف لا إضافة صفة لموصوف.
فمعنىٰ روحي أي روحٌ لي، واللام للتمليك، ومعناه أيضّا روحٌ مني، ومن للابتداء، أي روح ابتدائها من اللَّه الذي خلقها.
قال ابن قتيبة:
” وقد بلغني أن قومًا يذهبون إلىٰ أن روح الإنسان غير مخلوقة، وأنهم يستدلون علىٰ ذلك بقول اللَّه في آدم: (ونفخت فيه من روحي)
وهذا هو النصرانية والقول باللاهوت والناسوت.
قال النابغة الجعدي:
من نطفة قدرها مقدرها ... يخلق منها الإنسان والنسما
والنسم: الأرواح.
وأجمع الناس علىٰ أن اللَّه خالق الجن وبارئ النسمة أي خالق الروح. ”
هذا كلامه في الإختلاف باللفظ.
وما ذكر نص لا يحتمل غير أنه لا يذهب إلىٰ أن الروح صفة للَّه كما نسب ذلك إليه بعضهم من كلام له مشكل في نفس كتابه ذاك.
والظاهر لي أنه قصد بكلامه ذاك وذهب إلىٰ أن الروح في الآية بمعنىٰ النفخ، فقال: إنا نؤمن بالنفخ والروح، ولا نقول: كيف.
فكأنه عد النفخ فعلًا للَّه إذ كان لا موجب لصرف اللفظ عن ظاهره أنه فعل فعله إلىٰ خفي من المعنىٰ أن النفخ فعل فعله غيره عن أمره، فنُسب له لذلك كما قال: (فنفخنا فيها من روحنا)
والنافخ جبريل إذ دلت الدلالة وبينت البينة أنه هو الذي أُرسِل لمريم ليهب لها غلامًا زكيًّا، فإنما نُسب الفعل للَّه إذ كان بأمره وسببه، كما يُقال: هزم الأمير، وبنىٰ، وفعل، وإنما كان الفعل فعل غيره عن أمره وبسببه.
فهذا كذلك غير أن من أهل السنة من توقف في عد الروح فعلًا للَّه.
وإني لا أستجيز لنفسي أن أرىٰ كلامي الدارمي الذي ذكرت، فلا أتكلم عنه، فإنه بغاية الحسن في بيان مخالفة المعطلة العظيمة في باب الأسماء الحسنىٰ.
وذلك أن القوم يدعون أنها مخلوقة أو أن القرآن مخلوق وفيه الأسماء.
وإذا كان الأمر كذلك، فالمتكلم بها في أول القول مخلوق.
وهذا معناه أنها ليست أسماء غير مخلوقة من كلام الخالق وقوله له بتسميته بل هي أسماء مخلوقة من قول الخلق وكلامهم له بتسميتهم.
وهذا الكفر لأن معنىٰ هذا أن لا اسم له تعالىٰ حتىٰ حدث الخلق فأحدثوا القول بأسماءه، فسموه بها، وكان من قبل مجهولًا لا يُعرف ولا يُقصد باسم كمن لا اسم له من الخلق ولا يُعرف ولا يُقصد باسمه.
ومعناه أنه عاجز إذ لا اسم له إلا بإعارة خلقه الأسماء له.
وفي هذا نسبة العجز للَّه، والتشبيه له بأقبح مُشبَّهٍ يُشبه به من خلقه.
وقال: (اللَّه لا إله إلا هو له الأسماء الحسنىٰ)، فلا معبود بأسماءه الحسنىٰ إلا هو.
وقال: (قل ادعوا اللَّه أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعو فله الأسماء الحسنىٰ)
أي اعبدوه باسمه اللَّه أو الرحمن، فادعوه بهما، وأيا ما تدعوه به فهي أسماءه الحسنىٰ له.
فما عُبد بها، وطلب أن يُعبد بها إلا وهي أسماءه من كلامه غير مخلوقة له بتسميته إذ لو كانت مخلوقة من قول غيره لكان الأمر بدعائها أمرًا بدعاء مخلوقات وعبادتها.
قال الدارمي في نقضه علىٰ المريسي (٤٧ /ت الشوامي):
” ثُمَّ اعْتَرَضَ المُعَارِضُ أَسْمَاءَ اللَّهِ المُقَدَّسَةَ، فَذَهَبَ فِي تَأْوِيلِهَا مَذْهَبَ إِمَامِهِ المَرِيسِيِّ.
فَادَّعَىٰ أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ غَيْرُ اللَّهِ، وَأَنَّهَا مُسْتَعَارةٌ مخلوقةٌ كَمَا أَنه قَدْ يَكُونُ شَخْصٌ بِلَا اسْمٍ، فَتَسْمِيَتُهُ لَا تَزِيدُ فِي الشَّخْصِ، وَلَا تَنْقُصُ.
يَعْنِي أَنَّ اللَّه كَانَ مَجْهُولًا كَشَخْصٍ مَجْهُولٍ، لَا يَهْتَدِي لِاسْمِهِ، وَلَا يَدْرِى مَا هُوَ، حَتَّى خَلَقَ الخَلْقَ فَابْتَدَعُوا لَهُ أَسْمَاءً مِنْ مَخْلُوقِ كَلَامِهِمْ، فَأَعَارُوهَا إِيَّاهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْرَفَ لَهُ اسْمٌ قَبْلَ الخَلْقِ.
وَمَنِ ادَّعَىٰ هَذَا التَّأْوِيلَ: فَقَدْ نَسَبَ اللَّهَ تَعَالَىٰ إِلَىٰ العَجْزِ، وَالوَهَنِ وَالضَّرُورَةِ وَالحَاجَةِ إِلَىٰ الخَلْقِ، لِأَنَّ المُسْتَعِيرَ مُحْتَاجٌ مُضْطَرٌّ، وَالمُعِيرُ أَبَدًا أَعْلَىٰ مِنْهُ وَأَغْنَىٰ.
فَفِي هَذِهِ الدَّعْوَىٰ اسْتِجْهَالُ الخَالِقِ إِذْ كَانَ بِزَعْمِهِ هَملًا لَا يُدْرَىٰ مَا اسْمُهُ وَمَا هُوَ وَمَا صِفَتُهُ، وَاللَّه المُتَعَالِي عَنْ هَذَا الوَصْف المُنَزَّهُ عَنْهُ، لِأَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ هِيَ تَحْقِيقُ صِفَاتِهِ. ”
وإذا كان الأمر كذلك، فلا يوحد اللَّه في ألوهيته ولا يُعبد إلا هو إلا بتوحيده في أسماءه وصفاته أنه متكلم تكلم بأسماءه فسمىٰ بها نفسه ودعا عباده إلىٰ دعائه بها.
ومن لم يؤمن بذلك لم يعبد اللَّه وحده، ولا اتجه له ولا قصده إذ قاصدًا مخلوقات من دونه.
وهو في ذلك غير عارف باللَّه ولا عالم عنه إذ كان لا يعلمه بما يُعلم به باسمه بل هو في ذاك قد نسبه لما لا يليق به، وشبهه بالمجاهيل من خلقه.
ولا يعرف اللَّه أحد معرفة صحيحة نافعة إلا بأن يعرفه باسمه الذي بلغه وجاءه في وحيه.
وقد كفر الإمام أحمد والشافعي من يقول بخلق الأسماء، حتىٰ قد رُمي المعطلة بالشرك لدعواهم خلق الأسماء الحسنىٰ، وهو أصل كبير من أصول المعطلة كما قال الدارمي رحمه اللَّه.
نعوذ باللَّه من الجهل به، والشرك به من حيث لا ندري ولا نعلم.
وصل اللهم وسلم علىٰ نبينا محمد.
تعليقات
إرسال تعليق