أجر العفة مع المشقة...

بسم اللَّه الرحمن الرحيم والصلاة والسلام علىٰ نبيه نبي الرحمة، وبعد:

فقال أبو عيسىٰ الترمذي:

” (٦٧) - بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّائِمِ إِذَا أُكِلَ عِنْدَهُ.

٧٨٥ - حَدَّثَنَا ‌مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ‌أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ‌شُعْبَةُ، عَنْ ‌حَبِيبِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مَوْلَاةً لَنَا يُقَالُ لَهَا ‌لَيْلَىٰ، تُحَدِّثُ عَنْ جَدَّتِهِ ‌أُمِّ عُمَارَةَ بِنْتِ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ طَعَامًا.

فَقَالَ: كُلِي.

فَقَالَتْ: إِنِّي صَائِمَةٌ.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الصَّائِمَ تُصَلِّي عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ إِذَا أُكِلَ عِنْدَهُ حَتَّىٰ يَفْرُغُوا، وَرُبَّمَا قَالَ: حَتَّىٰ يَشْبَعُوا. 

٧٨٦ - حَدَّثَنَا ‌مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ‌مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ‌شُعْبَةُ، عَنْ ‌حَبِيبِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مَوْلَاةٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهَا ‌لَيْلَىٰ، عَنْ ‌أُمِّ عُمَارَةَ بِنْتِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: حَتَّىٰ يَفْرُغُوا أَوْ يَشْبَعُوا. ”

هذا ما ذكره الترمذي في جامعه رحمه اللَّه، فأما زيادة: حتىٰ يشبعوا أو يفرغوا، فقد خالف وكيع وغندر فيها أبا داود الطيالسي.
‏وقد قال الإمام مسلم: 
‏” وَالزِّيَادَة فِي الاخبار لَا تلْزم الا عَن الْحفاظ الَّذين لم يعثر عَلَيْهِم الْوَهم فِي حفظهم. ”
‏هذا كلامه من التمييز، وأبو داود الطيالسي ليس ممن ذكر، فإنه قد أخطأ في أحاديث كثيرة وإن كان ثقة إذ الغالب علىٰ روايته الصحة في سعة ما رواه. 
‏وغندر في شعبة خاصة ووكيع معًا أثبت منه لا شك، فتلك إذًا زيادة لا يتبين صحتها.
‏وأما الراوية ليلىٰ فقد ظن الظان أنها مجهولة، وليس الأمر كذلك.
‏وذاك أن تصحيح الترمذي قاضٍ بتوثيقها، وبصحة تلك الرواية من غير علة فيها عنده.
‏وليس كل حديث الثقة صحيحًا، فلما صحح لها تلك الرواية عرفنا أنها ثقة عنده، وأن روايتها تلك بعينها صحيحة عنده. 
‏فالحديث إن شاء اللَّه صحيح.
‏وهو دال في أدلة أخرىٰ علىٰ مراعاة المشقة في الطاعة، فإن كانت ثمة ما يجعلها أشق كان لصاحبها مزيد أجر.
‏فالصائم بين الآكلين يشق عليه صيامه أكثر من غيره فله مزيد أجر.
‏وكذلك مثلًا العفيف بين الفاجرين والفجور يشق عليه العفاف أكثر من غيره فله مزيد أجر.
‏ففي هذه الأزمنة التي إذا ما أراد الشاب وهو شاب عفافًا بزواج لم يجده، وإذا ما أراد فجورًا بسهالة وجده، وسُهِّل عليه حتىٰ أمكنه أن يصل إليه وهو في بيته من جواله.
‏فهذه أزمنة يشق فيها العفاف عليه، فيُرجَىٰ له من مزيد الأجر وخاصِّه ما لا يُرجَىٰ لغيره.
‏ومثله له في تلك الأزمنة بكل غض بصر وإمساك يد وإبعاد فرج عن حرام مع مشقة ذلك عليه وسهالته من الأجر والكرامة ما هو عظيم إن شاء اللَّه. 
‏فهذا مع ما يعوضه اللَّه به في الدنيا قبل الآخرة من البصيرة، ولذة الزوج إذا ما تزوج، هذا هو الحظ العظيم واللَّه. 
‏هذا وصل اللهم وسلم علىٰ نبينا محمد. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الخلاف في صفة الهرولة...

لم نزل القرآن متفرقًا علىٰ محكم ومتشابه؟

الجواب النبوي الشافي من داء القنوط...