معنىٰ الحديث المدلس والتدليس عند أهل الحديث ...
بسم ربي وكفىٰ، وبعد:
فالحديث المُدلَّس هو المرسل، والتدليس هو الإرسال، والتحديث بغير سماع.
- يدلك علىٰ ذلك قول محمد بن عبد اللَّه بن نمير: « أبو جناب يحيىٰ بن أبي حية صدوق، وكان صاحب تدليس، أفسد حديثه بالتدليس، كان يحدث بما لم يسمع. »
ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل.
ففسر التدليس بقوله: « كان يحدث بما لم يسمع. »
- وما رواه ابن عدي في الكامل:
« حدثنا محمد بن جعفر المطيري، أخبرنا أبو قلابة، حدثني محسن بن غندر، عن أبيه، قال: جاء عبد الرحمن بن مهدي إلىٰ شعبة، فقال: اكتب لي إلىٰ سفيان، فإني أريد أن أخرج إليه.
فقال له شعبة: إني أخاف أن يحدثك بما لم يسمع، يعني يدلس. »
فالتدليس إذًا إرسال، والمُدلَّس مرسل.
- قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل:
« نا صالح، نا علي قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، قال: سمعت سفيان وذكر منصورًا يومًا، فقال: ربما حدث عن رجلين عن إبراهيم.
كأنه يقول: لا يرسل شيئًا. »
هذا الكلام الأخير من عبد الرحمن بن مهدي، فسمىٰ التدليس إرسالًا، وعبر عن مقصد سفيان أن منصورًا لم يكن يدلس عن شيوخه كإبراهيم وغيره بقوله: « كأنع يقول: لا يرسل شيئًا. »
وقد دخل الخلل علىٰ المتأخرين، إذ خصوا التدليس بنوع من الإرسال دون نوع، فأدخلوا بعض الإرسال في التدليس، وأخرجوا البعض.
فجعلوا التدليس في الإرسال مع ثبوت السماع، وفي الإرسال عن شيوخ الراوي الذين سمع ولقي، وأخرجوه عن أن يكون في الإرسال مع انتفاء السماع، وفي الإرسال عمن لم يلقهم الراوي ولا سمعهم.
ثم علىٰ هذا الأصل حملوا كلام الأئمة في التدليس الذي أرادوا به الإرسال مع انتفاء السماع، علىٰ الإرسال مع ثبوت السماع.
وليس الأمر كذلك عند من تقدم، بل التدليس يقال عندهم للإرسال مع انتفاء أصل السماع تدليس، كما يقال للإرسال مع ثبوت أصل السماع.
- قال ابن أبي حاتم في المراسيل:
« سمعت أبي يقول: لم يسمع الأعمش من أبي صالح مولىٰ أم هانئ.
قيل له إن ابن أبي طيبة يحدث عن الأعمش يحدث عن أبي صالح مولىٰ أم هانئ، فقال: هذا هو مُدلَّس عن الكلبي. »
فنفىٰ السماع، ونص علىٰ التدليس.
وخذ مثالًا يبين لك صحة ما ذكرت، والخلل عن المتأخرين في التدليس.
فهناك يحيىٰ بن أبي كثير الذي أدخله ابن حجر في كتابه طبقات المدلسين، استنادًا لقول النسائي فيه أنه يدلس، وإنما أراد أنه يرسل، ولم يسمع البتة.
- قال محمد بن عمرو العقيلي في ترجمة يحيىٰ من الضعفاء: « يحيىٰ بن أبي كثير اليمامي ذُكِر بالتدليس. »
- ثم قال:
« حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الأسود، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن حسين المعلم قال: قلنا ليحيىٰ بن أبي كثير: هذه المرسلات عمن هي؟
قال: أترى رجلًا أخذ مدادًا وصحيفة، فكتب علىٰ رسول اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم الكذب.
قال: قلت: فإذا جاء مثل هذا فأخبرنا، قال: إذا قلت بلغني، فإنه من الكتاب.
قال أبو بكر: وقال يحيىٰ بن سعيد: مرسلات يحيىٰ بن أبي كثير شبه الريح.
حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الأسود، قال أبو بكر: وقال يحيىٰ بن سعيد: مرسلات يحيىٰ بن أبي كثير شبه الريح.
حدثنا يحيىٰ، قال: حدثنا نعيم، حدثنا عبد الصمد، عن أبيه، عن حسين المعلم، قال: قلنا ليحيىٰ بن أبي كثير: إنك تحدثنا عن قوم، لم تلقهم ولم تسمع منهم.
قال: ترون الكتاب وضع في القرطاس والدواة، فكُتِب فيه الكذب.
فقلت: لا تفعل. »
فواضح أن العقيلي أراد إرسال يحيىٰ الذي لا سماع معه، وهو مراد النسائي.
وإنما كان يحيىٰ يرسل عن أنس، وهو لم يسمع منه البتة، فقالوا لذلك وما أشبهه: إنه كان يدلس.
فحمل ابن حجر كلامهم علىٰ غير ما يتبين منه، وغلط.
والحمد للَّه رب العالمين.
تعليقات
إرسال تعليق