العلة والحكمة العائدة علىٰ اللَّه ...
بسم اللَّه الحكيم، وبعد:
فاعلم يرحمك اللَّه أن اللَّه عز وجل حكيم عليم.
قالت الملائكة عليهم السلام في البقرة: ﴿سُبحانَكَ لا عِلمَ لَنا إِلّا ما عَلَّمتَنا إِنَّكَ أَنتَ العَليمُ الحَكيمُ﴾
وقال إبراهيم الخليل في البقرة: ﴿رَبَّنا وَابعَث فيهِم رَسولًا مِنهُم يَتلو عَلَيهِم آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَالحِكمَةَ وَيُزَكّيهِم إِنَّكَ أَنتَ العَزيزُ الحَكيمُ﴾
والحكيم هو ذو الحكمة.
- قال ابن أبي حاتم في تفسيره: « قَوْلُهُ: ﴿الْحَكِيمُ﴾
حَدَّثَنَا عِصَامُ بْنُ رَوَّادٍ، ثنا آدَمُ، ثنا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: قَوْلُهُ: ﴿الْحَكِيمُ﴾، قال: حكيم في أمره. »
أبو العالية تابعي كبير، قد أدرك زمان النبوة، ولم يرَ النبي عليه الصلاة والسلام، وعامة روايته في التفسير عن أبي بن كعب، فمرجعه معروف أنه هو.
ثم إنه لم يأخذ تفسير القرآن ويرويه عن غير صحابي، فإنما مرجعه في التفسير الصحابة لا غير.
وقوله أنه الحكيم في أمره، فإن أمر اللَّه هو دون خلقه، لأنه قال في الأعراف: ﴿وَالشَّمسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمرِهِ أَلا لَهُ الخَلقُ وَالأَمرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمينَ﴾
ففرق بين الخلق والأمر.
وقال في يس: ﴿إِنَّما أَمرُهُ إِذا أَرادَ شَيئًا أَن يَقولَ لَهُ كُن فَيَكونُ﴾
وقال في نظيرها في النحل: ﴿إِنَّما قَولُنا لِشَيءٍ إِذا أَرَدناهُ أَن نَقولَ لَهُ كُن فَيَكونُ﴾
فأمره قوله، الذي به يخلق خلقه ويسخره.
قال تعالىٰ في فصلت: ﴿ثُمَّ استَوى إِلَىٰ السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلأَرضِ ائتِيا طَوعًا أَو كَرهًا قالَتا أَتَينا طائِعينَ﴾
أي قال لها: تعالي بما خلقت فيك من شمس وقمر، فقالت هي والأرض: أتينا طائعين.
- وقال البخاري في صحيحه: « وَقَالَ طَاوُسٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا﴾ أَعْطِيَا، ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، أَعْطَيْنَا. »
وقال في الرعد: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمسَ وَالقَمَرَ كُلٌّ يَجري لِأَجَلٍ مُسَمًّىٰ﴾
وإنما سخرهما وأجراهما في السماء بأن قال للسماء: تعالي بشمسك وقمرك، فكانت بذلك.
وإذا علمت هذا يرحمك اللَّه، فاعلم أن حكمة اللَّه في أمره وقوله وتخليقه المخلوقات، منها ما يكون به ويعود عليه، ومنها ما يكون بخلقه ويعود عليهم.
أي أنه له حكمة في كلامه وخلقه بكلامه، فهناك حكمة تعود علىٰ الخلق ومنهم.
وهي كأن يخلق حياتهم وموتهم، ليختبرهم أيهم أحسن عملًا؟
فهذه حكمة بالخلق كانت، وتعود عليهم.
قال تعالىٰ في الملك: ﴿الَّذي خَلَقَ المَوتَ وَالحَياةَ لِيَبلُوَكُم أَيُّكُم أَحسَنُ عَمَلًا وَهُوَ العَزيزُ الغَفورُ﴾
وكأن يخلق الشيء، ليتمتع به الخلق، ويسكن إليه.
فهذه علة بالخلق كانت، وتعود عليهم.
قال في عبس: ﴿فَليَنظُرِ الإِنسانُ إِلىٰ طَعامِه (٢٤) أَنّا صَبَبنَا الماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقنَا الأَرضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنبَتنا فيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضبًا (٢٨) وَزَيتونًا وَنَخلًا (٢٩) وَحَدائِقَ غُلبًا (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾
لماذا؟، ﴿مَتاعًا لَكُم وَلِأَنعامِكُم﴾
وقال في النمل: ﴿أَلَم يَرَوا أَنّا جَعَلنَا اللَّيل﴾، لِمَ؟، ﴿لِيَسكُنوا فيهِ﴾
فهذا، وهناك حكمة بالخالق تكون، وتعود عليه.
وهي كأن يخلق الجمال، لحبه له.
- قال رسول اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم في حديثه المعروف: « إن اللَّه جميل يحب الجمال. »
وقال اللَّه في الأنعام: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعمَلونَ (١٣٢) وَرَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحمَةِ﴾
فلِكُلٍّ درجات مما عمل، واللَّه الغني، غني عنهم وعن أعمالهم، ذو الرحمة، إنما أمر ونهىٰ، ليرحم، لأنه في غناه ذو الرحمة.
- قال أبو جعفر الطبري في تفسيرها:
« ﴿وَرَبُّكَ﴾، يا محمد، الذي أمر عباده بما أمرهم به، ونهاهم عما نهاهم عنه، وأثابهم علىٰ الطاعة، وعاقبهم علىٰ المعصية: ﴿الغَنِيُّ﴾، عن عباده الذين أمرهم بما أمر، ونهاهم عما نهىٰ، وعن أعمالهم وعبادتهم إياه، وهم المحتاجون إليه، لأنه بيده حياتهم ومماتهم، وأرزاقهم وأقواتهم، ونفعهم وضرهم.
يقول عز ذكره: فلم أخلقهم، يا محمد، ولم آمرهم بما أمرتهم به، وأنههم عما نهيتهم عنه، لحاجةٍ لي إليهم، ولا إلىٰ أعمالهم، ولكن لأتفضَّل عليهم برحمتي، وأثيبهم علىٰ إحسانهم إن أحسنوا، فإني ذو الرَّأفة والرحمة. »
وقال اللَّه في الزمر: ﴿إن تَكفُروا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُم وَلا يَرضىٰ لِعِبادِهِ الكُفرَ وَإِن تَشكُروا يَرضَهُ لَكُم﴾
فهو عن عبادتنا غني، وإنما أمرنا بشكره بعبادته، لأنه يرضىٰ الشكر، ويحب العبادة.
- قال ابن تيمية في التحفة العراقية:
« وَالْعِبَادَة هِيَ الْغَايَة الَّتِي خلق اللَّه لَهَا الْعباد من جِهَة أَمر اللَّه ومحبته وَرضَاهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾
وَبهَا أرسل الرُّسُل وَأنزل الْكتب، وَهِي اسْم يجمع كَمَال الذل ونهايته، وَكَمَال الْحبّ للَّه ونهايته، فالحب الخلي عَن ذل، والذل الخلي عَن حب: لَا يكون عبَادَة.
وَإِنَّمَا الْعِبَادَة مَا يجمع كَمَال الْأَمريْنِ، وَلِهَذَا كَانَت الْعِبَادَة لَا تصلح إِلَّا للَّه.
وَهِي وَإِن كَانَت مَنْفَعَتهَا للْعَبد، وَاللَّه غَنِي عَنْهَا، فَهِيَ لَهُ من جِهَة محبته لَهَا وَرضَاهُ بهَا، وَلِهَذَا كَانَ اللَّه أَشد فَرحا بتوبة العَبْد من الفاقد لراحلته عَلَيْهَا طَعَامه وَشَرَابه فِي ارْض دوية ملهكة إِذا نَام آيسًا مِنْهَا ثمَّ اسْتَيْقَظَ فَوَجَدَهَا فَاللَّه أَشد فَرحًا بتوبة عَبده من هَذَا براحلته. »
وإذا فهمت هذا، فإن اللَّه قد جمع بين ذكر العلة العائدة عليه، والعلة العائدة علىٰ خلقه في مرات، فكما يَثبُتُ الأخير، يَثبُتُ الأول.
قال تعالىٰ في مريم: ﴿قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ وَرَحمَةً مِنّا وَكانَ أَمرًا مَقضِيًّا﴾
فقوله: ﴿وَلِنَجعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾، حكمة تعود إلىٰ الناس، وقوله: ﴿وَرَحمَةً مِنّا﴾، حكمة تعود إليه.
فخلق عيسىٰ من غير أب، ليجعله آية للناس وحجة، وليرحم برحمة منه من آمن به.
وليرحم عيسىٰ، فيجعله رسولًا من أصحاب الدرجات العلىٰ، وليرحم أمه به، فإنها ستكون في درجته في الجنة معه، وستكون في الدنيا أم نبي، مذكورة بالجميل، مشرفة بالكرامة.
وقال اللَّه في الحجر: ﴿وَلَقَد جَعَلنا فِي السَّماءِ بُروجًا وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرينَ﴾
وفي السنة أنه يحب الجمال، فصار هاهنا علتان، تزيينه للناظرين، لينظروا، وتزيينه لحبه الجمال.
وقال اللَّه في يس: ﴿وَإِن نَشَأ نُغرِقهُم فَلا صَريخَ لَهُم وَلا هُم يُنقَذونَ (٤٢) إِلّا رَحمَةً مِنّا وَمَتاعًا إِلىٰ حينٍ﴾
فهنا أيضًا علتان، رحمة منا، ومتاعًا إلىٰ حين.
فمهما شككت في شيء يا مسلم، فلا تشكن أن اللَّه حكيم بحكمة منه وله، لا إله إلا هو.
وإنما ينكر مثل ذلك من الحكمة من أنكر صفات الرحمن ممن أثبت الحكمة، أعني المعتزلة، فيثبتون حكمته، ولكن ما كان منها عائدًا علىٰ خلقه، دون ما كان منها عائدًا عليه، لأصل نفي الصفات عندهم.
فليحذر المسلم العاقل من هكذا مذهب، وليؤمن بحكمة اللَّه في أمره وفعله، وأنه في ذلك له علة وحكمة، تعود عليه وعلىٰ خلقه.
والحمد للَّه رب العالمين.
تعليقات
إرسال تعليق