البرق مخاريق الملائكة ...

بسم اللَّه شديد المحال، وبعد:

- فقال صالح بن أحمد في مسائله:

« حدثني أبي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن أشوع، عن ربيعة بن الأبيض، عن علي، قال: البرق مخاريق الملائكة. »

وقد خالف بعضهم ابن مهدي، فرواه عن سفيان، عن سلمة، عن رجل، عن علي، فوقف السند وقصر به علىٰ رجل علىٰ علي، ولم يسمه.

وقد خالف سفيان المسعودي، فرواه كذلك عن سلمة، عن رجل، عن علي.

والصواب رواية سفيان، وهي كما ذكر الدارقطني في العلل عن سلمة، عن ابن أشوع، عن علي، كما في رواية أحمد وغيره عن ابن مهدي، عنه.

- وقد قال أبو عبيد القاسم في غريب الحديث:

« في حديث عبيد بن عمير في الموقوذة، إذ طرفت بعينها أو مصعت بذنبها.

قوله: مصعت بذنبها، يعني أن يحركه، والمصع: التحريك، ومنه حديث مجاهد: قال: البرق مصع ملك يسوق السحاب، قال: حدثنيه الفزاري، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد.

ومما يصدق ذلك حديث علي، قال: البرق مخاريق الملائكة، حدثناه ابن مهدي، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن ربيعة بن الأبيض، عن علي. »

فلم يذكر هاهنا ابن أشوع، وإنما المعروف أن الراوي عن ربيعة ابن أشوع، فلعل في الإسناد سقطًا، أو أنه قد خالف، فتكون رواية أحمد ومن معه أولىٰ بالصحة، لأنه أحفظ.

هذا، وقد روىٰ ابن مهدي عن ابن الأبيض، فليس بمجهول عين.

وقوله البرق مخاريق الملائكة، فإن البرق معروف، وهو في التفسير مع نظراءه في الكلام، وذلك أن من مجاز مآخذ العرب في كلامها أن تضع الكلمة موضع الكلمة المسببة لها، فتضع لذلك اسم المفعول موضع اسم المصدر كثيرًا، إذ كان المصدر الفعل به كان المفعول.

فيقال: رد بمعنىٰ مردود، كما قال رسول اللَّه عليه السلام في حديثه: من أحدث في أمرنا مما ليس منه، فهو رد، يعني به فهو مردود، فقيل: رد، لأنه إنما رُد برد اللَّه ورسوله له.

ويقال هؤلاء خلق اللَّه بمعنىٰ مخلوقوه، كما قال تعالىٰ: ﴿هذا خَلقُ اللَّهِ فَأَروني ماذا خَلَقَ الَّذينَ مِن دونِهِ بَلِ الظّالِمونَ في ضَلالٍ مُبينٍ﴾ 

يعني به هذه مخلوقات اللَّه، فقيل: خلق، لأن المخلوق بفعل الخلق يكون.

فالكلام وإن ظهر منه في الظاهر المتوهم في أول نظرة معنى الفعل، فظاهر منه مع ذلك معنىٰ المفعول لا الفعل، وظاهر أن فيه مجازًا ومآخذًا بوضع الشيء موضع ما تسبب به.

وكذلك البرق مثل الخلق والرد وغير ذلك، إنما هو بمعنىٰ المفعول، ما تبرق به السماء وتلمع، مما يبرق ويُرَىٰ، كما قال تعالىٰ في الرعد: ﴿هُوَ الَّذي يُريكُمُ البَرقَ خَوفًا وَطَمَعًا﴾ 

فقوله: إن البرب مخاريق الملائكة، يعني بها أن ذلك الذي تبرق به السماء، فنراه مصع الملائكة عليهم السلام، كما قال مجاهد. 

أي أنه سوط الملائكة الذي به تسوق وتُحرِّكُ السحب، فتمصع وتتحرك حيث أمرها اللَّه، لينشئ بذلك اللَّه السحاب المثقل بالماء.

فقوله: ﴿هُوَ الَّذي يُريكُمُ البَرقَ خَوفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ 

مع أثر علي المبين في التفسير، فيصير معناه: هو الذي يريكم البرق الذي هو سوط الملائكة ومصعهم، يحركون به السحاب حيث أمرهم، فيزجرونه، فيكون من ذلك البرق الذي يريكم إياه،

فهو الذي يريكم ذلك خوفًا وطمعًا، وينشئ السحاب الثقال من تحريك الملائكة السحاب للموضع الذي تُثقَّلُ به بالماء، فسبحانه.

والحمد للَّه رب العالمين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الجواب النبوي الشافي من داء القنوط...

أجر العفة مع المشقة...

لم نزل القرآن متفرقًا علىٰ محكم ومتشابه؟