تفسير قوله: ﴿وإن كان مكرهم لَتزولُ منه الجبال﴾ ...
بسم اللَّه، وبعد:
- فقال أبو جعفر في تفسيره:
« القول في تأويل قوله تعالىٰ: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾
يقول تعالىٰ ذكره: قد مكر هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم، فسكنتم من بعدهم في مساكنهم، مكرهم، وكان مكرهم الذي مكروا ما:
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيىٰ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبان، قال: سمعت عليًّا يقرأ: ﴿وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ﴾
قال: كان ملك فَرِه، أخذ فروخ النسور، فعلفها اللحم حتىٰ شبَّت واستعلجت واستغلظت. فقعد هو وصاحبه في التابوت وربطوا التابوت بأرجل النسور، وعلقوا اللحم فوق التابوت، فكانت كلما نظرت إلىٰ اللحم صعدت وصعدت، فقال لصاحبه: ما ترىٰ؟، قال: أرىٰ الجبال مثل الدخان، قالا: ما ترىٰ؟، قال: ما أرى شيئًا، قال: ويحك صوِّب صوِّب، قال: فذلك قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن واصل، عن علي بن أبي طالب، مثل حديث يحيىٰ بن سعيد، وزاد فيه: وكان عبد اللَّه بن مسعود يقرؤها: ﴿وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ﴾ »
وفي رواية أخرىٰ عن شعبة أن ذلك الملك هو الذي حاج إبراهيم في ربه، أي النمرود، وفي رواية إسرائيل أنه جبار من الجبابرة، فلا يتعارض هذا، فإن النمرود ملك فره، وهو جبار من الجبابرة، فسواء قولك: كان النمرود، وقولك: كان ملك فره، وقولك: كان جبار من الجبارة، فالمعنىٰ في ذلك واحد، والاختلاف يسير.
وعبد الرحمن هو ابن دانيال، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل كذلك، وقد تصحف اسمه، وإنما هو ابن دانيال، وقد روىٰ عنه شعبة ويحيىٰ بن سعيد، فصح بذلك ما روىٰ عن علي بحمد اللَّه.
والأثر إنما هو علىٰ قراءة علي: ﴿لَتَزُولُ﴾، بمعنىٰ وإن كان كاد مكرهم لتزول منه الجبال، ولم تزل منه.
وإنما معنىٰ الآية في الأثر وما فيه من مثالها إن شاء اللَّه أن الجبال كادت لتزول لما رأته من هبوطهم بالنسور من فوق، لظنها أن شيئًا من السماء نزل، وأن القيامة ستقوم، فذلك قوله: ﴿وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ﴾، بفتح اللام الأولىٰ وضم الأخيرة من لتزول.
وكذلك هي قراءة ابن مسعود، كما ذكر ذلك سفيان وقتادة وأبو إسحاق، فتداولهم لذلك من غير مخالف، فهذا يدل علىٰ شهرة تلك القراءة عن ابن مسعود، فهي قراءته عليه الرضوان.
هذا، وقد صح عن مجاهد مثل ما قال، فكأن مجاهدًا أخذ أثر علي، ففسر به، فإن كلامه في كلام علي المروي عنه.
- قال الطبري:
« حدثني المثنىٰ، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ﴾ مكر فارس. وزعم أن بختنصر خرج بنسور، وجعل له تابوتًا يدخله، وجعل رماحًا في أطرافها واللحم فوقها.
أراه قال: فعلت تذهب نحو اللحم حتىٰ انقطع بصره من الأرض وأهلها، فنودي: أيها الطاغية أين تريد؟، ففَرِقَ، ثم سمع الصوت فوقه، فصوَّب الرماح، فتصوَّبت النسور، ففزعت الجبال من هدتها، وكادت الجبال أن تزول منه من حس ذلك، فذلك قوله: ﴿وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ﴾ »
وفي هذا أنه نودي، فخاف، فصوب وهبط، بينما في أثر علي أنه صوب وهبط دون أن يكون هذا لذلك، فليست هذه بزيادة مخالفة إن شاء اللَّه، فإنه أثر تفسير، وكان من عادتهم في ذلك اختصار غير موضع التفسير الذي تُفسَّرُ به الآية، إذ كان هو المراد، فغيره قد يُختصَرُ، ومثل ذلك فموجود، ويُعرَفُ في أثار التفسير لمن نظر.
وعلىٰ ذلك، فإن الجمع أولىٰ، فيكون النمرود لما رأىٰ الدنيا كأنها ذباب، وانقطع بصره، فاقترب من السماء، نودي من ملك فيها أن أين تريد يا أيها الطاغية، لئلا يتمادىٰ، فهبط بعد ذلك خوفًا، ولم يكمل في الصعود.
والحمد للَّه رب العالمين.
تعليقات
إرسال تعليق