غبطة نبي اللَّه موسىٰ من رجل في ظل العرش!
بسم اللَّه الكريم، وبعد:
- فقال عبد الرزاق في تفسيره عند قوله تعالىٰ: ﴿أَم يَحسُدونَ النّاسَ عَلىٰما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضلِهِ﴾:
« أخبرني الثوري، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي، قال: رأىٰ موسىٰ رجلًا متعلقًا بالعرش، فغبطه بمكانه، فسأل عنه، فقال: أخبرك بعمله؟، كان لا يحسد الناس علىٰ ما آتاهم اللَّه من فضله، ولا يمشي بالنميمة، ولا يعق والديه.
قال: يا رب ومن يعق والديه؟، قال: الذي يستسب لهما، فيُسبَان. »
هذا سند صحيح، وقد صرح أبو إسحاق بالسماع من عمرو في رواية عنه.
وعمرو بن ميمون الأودي، كوفي كان يُكنَىٰ بأبي عبد اللَّه، وكان إذا رُئِي في المسجد ذُكِر اللَّه، وهو تابعي كبير، قد أدرك النبي عليه الصلاة والسلام، غير أنه لم يره، وكان أصحاب النبي يرضون به رحمه اللَّه.
وفي الأثر أمور.
أحدها قوله: متعلقًا بالعرش، وفي لفظ: عند العرش، وفي لفظ: في ظل العرش.
- فهذا في غيره ينبئ أن قوله صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم في الحديث: « سبعة يظلهم اللَّه يوم لا ظل إلا ظله ... »، إلىٰ أخره.
أي يظلهم يوم لا ظل إلا ظل العرش، كذا تفسير الحديث في غيره، وفي نظيره من الأحاديث أنه ظل العرش.
وكذا يقول من تقدم.
- قال الطبري في تفسيره:
« حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا لا تَأكُلوا أَموالَكُم بَينَكُم بِالباطِلِ إِلّا أَن تَكونَ تِجارَةً عَن تَراضٍ مِنكُم﴾
قال: التجارة رزق من رزق اللَّه، وحلال من حلال اللَّه، لمن طلبها بصدقها وبرها، وقد كنا نُحدِّثُ: أن التاجر الأمين الصدوق مع السبعة في ظل العرش يوم القيامة. »
مراسيل قتادة في التفسير قوية، فكان يرسل لأن مرجعه معروف، وكان يرسل الشيء بعد الشيء، وهو في الأثار والأحاديث الصحيحة.
- وقال ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن:
« في سورة المرسلات.
﴿انْطَلِقُوا إِلىٰ ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمالتٌ صُفْرٌ﴾
هذا يقال في يوم القيامة للمكذبين، وذلك أن الشمس تدنو من رؤوس الخلائق، وليس عليهم يومئذ لباس، ولا لهم كنان، فتلفحهم الشمس وتسفعهم وتأخذ بأنفاسهم، ومد ذلك اليوم عليهم وكربه، ثم ينجي اللَّه برحمته من يشاء إلىٰ ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾
ويقال للمكذبين: ﴿انْطَلِقُوا إِلىٰ ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾، من عذاب اللَّه سبحانه وعقابه، انطلقوا من ذلك إلىٰ ظل من دخان نار جهنم، قد سطع، ثم افترق ثلاث فرق، وكذلك شأن الدخان العظيم إذا ارتفع أن يتشعب. فيكونون فيه إلىٰ أن يُفرَغَ من الحساب، كما يكون أولياء اللَّه في ظل عرشه أو حيث شاء من الظل إلىٰ أن يُفرَغَ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلىٰ مستقره من الجنة أو النار.
ثم وصف الظل فقال: ﴿لا ظَلِيلٍ﴾، أي: لا يظلكم من حر هذا اليوم، بل يدنيكم من لهب النار إلىٰ ما هو أشد عليكم من حر الشمس، ولا يغني عنكم من اللهب.
وهذا مثل قوله سبحانه: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾، واليحموم: الدخان، وهو سرادق أهل النار فيما ذكر المفسرون.
ثم وصف النار فقال: ﴿إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾، فمن قرأه بتسكين الصاد، أراد القصر من قصور مياه الأعراب.
ومن قرأه القَصَر شبهه بأعناق النخل، ويقال: بأصوله إذا قطع.
ووقع تشبيه الشرر بالقصر في مقاديره، ثم شبهه في لونه بالجمالات الصفر وهي السود، والعرب تسمي السود من الإبل صفرًا، قال الشاعر:
تلك خيلي منها وتلك ركابي ... هنّ صفر أولادها كالزّبيب
أي: هن سود.
وإنما سميت السود من الإبل: صفرًا، لأنه يشوب سودها شيء من صفرة، كما قيل لبيض الظباء: أدم، لأن بياضها تعلوه كدرة.
والشرر إذا تطاير فسقط وفيه بقية من لون النار، أشبه شيء بالإبل السود، لما يشوبها من الصفرة. »
ذكرت كلامه بتمامه للفائدة، وإن كنت جِئتُ به لقوله: (ثم ينجي اللَّه برحمته من يشاء إلىٰ ظل من ظله)، وقوله: (كما يكون أولياء اللَّه في ظل عرشه أو حيث شاء من الظل إلىٰ أن يُفرَغَ من الحساب)
فكأنه فهم أن ظله ظل العرش.
والأخرىٰ مع ذلك أن ممن يظل اللَّه بظل العرش مع السبعة الذين ذكر رسول اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم في حديثه، الذي لا يحسد، ولا يمشي بالنميمة، ولا يعق والديه.
والأخرىٰ غير ذلك قوله: « قال: يا رب ومن يعق والديه؟، قال: الذي يستسب لهما، فيُسبَان. »
فالاستساب الاستفعال من السب، وهو اسم مشتق للطلب، يقال: يستغفر، إذ يطلب المغفرة.
فمعنىٰ الاستسباب طلب المسبة.
ففي قوله ذلك مع هذا أن من يطلب لوالديه المسبة، حتىٰ يُسبَان عاق، كالذي يسب والديه.
وكيف يطلب رجل لوالديه المسبة واللعنة؟، فقد بين هذا النبي عليه الصلاة والسلام.
- قال البخاري في صحيحه:
« باب: لا يسب الرجل والديه.
حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد اللَّع بن عمرو، قال: قال رسول اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم: إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه.
قيل: يا رسول اللَّه، وكيف يلعن الرجل والديه؟، قال: يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه ويسب أمه. »
والحمد للَّه رب العالمين.
تعليقات
إرسال تعليق