أنواع رواية الأئمة وصاحبي الصحيح...
بسم اللَّه، وبعد:
فإن رواية الأئمة وصاحبي الصحيح علىٰ أقسام، فمنها رواية احتجاج واعتماد، ورواية عضد وتقوية، ورواية علو ووصول.
فأما الأولىٰ، فكروايتهما عن الرجل أصل حديثه الذي هو عمدته، مثل روايتهما عن الأعمش وأبي إسحاق أصول أحاديثهما التي هما عمدة فيها، وهذا القسم فمعروف.
وأما الثانية، فمثل روايتهما عمن توبع في حديثه في غير أصل حديثه الذي هو عمدة فيه.
- وحكمة هذا الصنف من الرواية ما ذكر أحمد: « أنا قد أكتب حديث الرجل كأني أستدل به مع حديث غيره يشده لا أنه حجة إذا انفرد. »
وهذا معنىٰ قوله في موضع أخر لما سُئِلَ عن الكتابة عن الضعفاء: قد يُحتَاجُ إليهم في وقت.
وهناك مع ما ذكر حكم أخرىٰ، منها إحكام الحديث وتثبيته كل التثبيت، كما كان البخاري يقول في حديث الثوري: تابعه أبو معاوية عن الأعمش، وتابعه شعبة، وسفيان وحده يكفي، غير أنه يريد أن سفيان وأبا معاوية أثبت أصحاب الأعمش، وأن هذين الاثنين -شعبة وسفيان- أتقن أهل زمانهما، فإذا اتفقا، فلا ريب في هذا الحديث الذي ذكرت.
- قال ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل:
« باب ما ذُكِرَ من تقدمة شعبة وسفيان في الإتقان علىٰ أهل زمانهما.
نا محمد بن إبراهيم بن شعيب، نا عمرو بن علي، سمعت عبد الرحمن بن مهدي، يقول: ثنا أبو خلدة، فقال له رجل: كان ثقة؟، قال: كان صدوقّا، كان مأمونًا، كان خيارًا، الثقة شعبة وسفيان. »
يريد الثقة كل الثقة، كما تقول: فلان الرجل، يعني كل الرجل، والاسم بالألف واللام هاهنا للمعرفة للكامل من الأشياء.
ومنها تقوية الزيادة بالمتابعة عليها في المتن، فرفع الشذوذ عنها، كما رفع أحمد الشذوذ عن زيادة مالك في زكاة الفطر بذكر المسلمين، إذ تابعه العمري وهو ضعيف لكن يعتبر به هاهنا، ثم إن هنالك أخر وهو الجمحي.
ومنها بيان الاتصال وتثبيته، كما ذكر البخاري متابعة شعبة لأصحاب الأعمش ممن روىٰ عنه حديث الرجل يدعو امرأته، لأن شعبة لا يروي إلا ما سمع الأعمش، علىٰ أن الأصل ثبوت سماعه.
ومنها رفع توهم التفرد، كما كان البخاري يذكر الحديث عنه النبي عليه السلام ومثله يُروَىٰ، فيذكره عن المشهور كثير الأصحاب الذي جُمِعَ حديثه كشعبة، ويقول: تابعه.
يعني أن هذا ليس بانفراد، فيكون علة غلط للحديث، إذ كان أمر الحديث أمرًا عامًّا لا خاصًّا كالشهادة، وإذ كان التفرد فيه من متفرد ولو كان ثقة الأصل عن مثل شعبة قاضٍ بخلاف أصحابه ممن لم يرووا الحديث.
ومنها تثبيت الحديث وتقويته، وهذه الحكمة أعظم قدرًا فيما إن كان الراوي فيه ضعف سواء أكان عامًّا أم عن شيخه له وما شابه.
فهذا، وذلك الصنف من الرواية كما ذكر الإمام ليس باحتجاج بالحديث وراويه وهو ضعيف إذ انفرد.
ولذلك فجدير أن يتنبه المرء قبل أن يقول: في الصحيح راوٍ فيه كذا وكذا، يستشكل ذلك، أو أن يقول: في الصحيح احتجا بفلان وعلان، يستدل علىٰ أنه ثقة عندهما، وربما ليس كذلك.
فهل هما خرجا له ورويا عنه احتجاجًا به أم عضدًا وتقويةً فيما اشتُرِكَ فيه من حديثه؟
فهذا كذلك، غير أن الرواية من هذا الصنف لا تكون بالموضوع والمنكر بعلة أدخلته في عداد الغلط والخطأ، فمثل ذلك من الحديث ولو كان كذلك كذبًا غلطًا ولو سهوًا لا تعمدًا، هو أبدًا غلط، كما قال أحمد لما سُئِلَ عن كتابة المنكر: المنكر أبدًا منكر.
يعني فلا يُروَّىٰ ولا يذكر عن رسول اللَّه عليه السلام نسبةً إليه، بل لا يجوز لمن علمه أنه منكر، هذا فضلًا عن التقوية به والعضد.
- قال مسلم في التمييز:
« ذِكرُ خبرٍ واهٍ يدفعه الأخبار الصحاح.
ثنا عبد اللَّه بن مسلمة، أنا سلمة بن وردان، عن أنس أن النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم رأىٰ رجلًا من أصحابه، فقال: يا فلان هل تزوجت؟، قال: لا، وساقه.
هذا الخبر الذي ذكرناه عن سلمة عن أنس خبر يخالف الخبر الثابت المشهور، فنقل عوام أهل العدالة ذلك عن رسول اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم وهو الشائع من قوله: قل هو اللَّه أحد تعدل ثلث القرآن.
فقال ابن وردان في روايته: إنها ربع القرآن، ثم ذكر في خبره من القرآن خمس سور يقول في كل واحد منها: ربع القرآن، وهو مستنكر غير مفهوم صحة معناه.
ولو أن هذا الكتاب قصدنا فيه الإخبار عن سنن الأخيار بما يصح وبما يستقيم، لما استجزنا ذكر هذا الخبر عن سلمة بلفظه باللسان عن رسول اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم، فضلًا عن روايته.
وكذلك ما أخرجه من الأخبار المنكرة، ولكننا سوغنا روايته لعزمنا علىٰ إخبارنا فيه من العلة التي وصفنا. »
هذا يبين أن المنكر الموضوع بعلة غلط، ولو كان راويه لم يتعمد أن يغلط ويختلق، فسلمة هذا المذكور غير متهم.
- وما قال مسلم، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: « من حدث عني بحديث يُرَىٰ أنه كذب، فهو أحد الكاذبين. »
- وقال الدارمي في نقضه علىٰ المريسي:
« وادعىٰ المعارض أن من الأحاديث التي تُروَىٰ عن رسول اللَّه عليه السلام أحاديث منكرة مستشنعة جدًّا، لا يجوز إخراجها، فألف منها أحاديث بعضُها موضوعةٌ، وبعضُها مرويةٌ تُروَىٰ. »
ففرق الدارمي وهو الإمام المقدم بين المروي الذي يُروَىٰ عضدًا به لغيره أو احتجاجًا، وبين الموضوع الذي لا يُروَىٰ، وهو المنكر.
- وقال مسلم أيضًا:
« ومن الأخبار التي يهم فيها بعض ناقليها.
حدثنا يحيىٰ بن يحيىٖ وأبو كريب ومحمد بن حاتم، قالوا ثنا أبو معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة أن رسول اللَّه عليه السلام أمرها أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة.
سمعت مسلمًا يقول: هذا الخبر وهم من أبي معاوية لا من غيره، وذلك أن النبي عليه السلام صلىٰ الصبح في حجته يوم النحر بالمزدلفة، وتلك سنة رسول اللَّه عليه السلام، فكيف يأمر أم سلمة أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة وهو حينئذٍ يصلي بالمزدلفة.
سمعت مسلمًا يقول: هذا خبر محال، ولكن الصحيح من روىٰ هذا الخبر عن أبي معاوية وهو أن النبي عليه السلام أمر أن توافي صلاة الصبح يوم النحر بمكة، وكان يومها فأحب أن توافي، وإنما أفسد أبو معاوية معنىٰ الحديث حين قال: توافي معه.
سمعت مسلمًا يقول: وسنذكر ان شاء اللَّه رواية أصحاب هشام عن هشام هذا الحديث ليتبين من صواب مصيبهم فيه وخطأ مخطئهم.
حدثنا ابن أبي عمر، ثنا سفيان، ثنا هشام، عن أبيه أن رسول اللَّه عليه السلام أمر أم سلمة أن تصلي الصبح يوم النحر بمكة وكان يومها فأحب أن توافقه.
وروىٰ هذا الحديث عبدة عن هشام، ويحيىٰ عن هشام، فالرواية الصحيحة من هذا الخبر ما رواه الثوري عن هشام.
وقد روىٰ وكيع أيضًا فوهم فيه كنحو ما وهم فيه أبو معاوية.
حدثنا أبو بكر، ثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه عن النبي عليه السلام أمر أم سلمة أن توافيه الصبح بمنىٰ
سمعت مسلمًا يقول: وسبيل وكيع كسبيل أبي معاوية أن النبي عليه السلام صلىٰ الصبح يوم النحر بالمزدلفة دون غيرها من الأماكن لا محالة. »
فانظر كيف أن مسلمًا لم يأبه بمتابعة وكيع، ووكيع فوكيع، غير أن المنكر أبدًا منكر، وسبيل من تابع الغالط أبدًا الغلط، فلا يتقوىٰ.
فهذا أول تنبيه عن رواية العضد والتقوية.
والثاني مع ذلك أن الأمر لا يكون فيمن ضعفه شديد رجلٌ غالبٌ عليه الغلط والوهم، فقد كان عموم الأئمة يتركون حديث من كثر غلطه ووهمه حتىٰ قد صار غالبًا عليه.
وذلك لأن الغالب عليه المنكر من الحديث الذي قد وصفنا ما به وأنه لا يُروَىٰ ولا يُنتَفعُ به إلا فيما لو كُتِبَ لتمييزه ومعرفته من أهل النقد، فمن غلب عليه مثل ذلك من المنكر، فلا معنىٰ لانتقاء المحتمل من حديثه، بل اطراحه كله أولىٰ.
- قال مسلم في التمييز:
« حدثني محمد بن المثنىٰ، قال: قال لي عبد الرحمن بن مهدي: يا أبا موسىٰ أهل الكوفة يحدثون عن كل أحد.
قلت يا أبا سعيد هم يقولون انك تحدث عن كل أحد، قال: عمن أحدث؟، فذكرت له محمد بن راشد المكحولي، فقال لي: احفظ عني الناس ثلاثة: رجل حافظ متقن، فهذا لا يُختَلفُ فيه، وآخر يهم والغالب علىٰ حديثه الصحة، فهو لا يُترَكُ ولو تُرِكَ حديث مثل هذا لذهب حديث الناس، وآخر الغالب علىٰ حديثه الوهم، فهذا يُترَكُ حديثه. »
- وقال الترمذي في علله:
« وقد روى غير واحد من الأئمة عن الضعفاء، وبينوا أحوالهم للناس.
حدثنا إبراهيم بن عبد اللَّه بن المنذر الباهلي، حدثنا يعلىٰ بن عبيد، قال: قال لنا سفيان الثوري: اتقوا الكلبي، قال: فقيل له: فإنك تروي عنه، قال: أنا أعرف صدقه من كذبه.
وأخبرني محمد بن إسماعيل: حدثني يحيىٰ بن معين، ثنا عفان، عن أبي عوانة، قال: لما مات الحسن البصري -رحمه اللَّه- اشتهيت كلامه، فتتبعته عن أصحاب الحسن، فأتيت به أبان بن أبي عياش، فقرأه علي كله عن الحسن، فما استحل أن أروي عنه شيئًا
قال أبو عيسىٰ: وقد روى عن أبان بن أبي عياش غير واحد من الأئمة، وإن كان فيه من الضعف والغفلة ما وصفه به أبو عوانة وغيره، فلا تغتروا برواية الثقات عن الناس، لأنه يُروَىٰ عن ابن سيرين أنه قال: إن الرجل ليحدثني فما أتهمه، ولكن أتهم من فوقه.
وقد روىٰ غير واحد عن إبراهيم النخعي أن عبد اللَّه بن مسعود كان يقنت في وتره قبل الركوع.
وروىٰ أبان بن أبي عياش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة عن عبد اللَّه بن مسعود، أن النبي عليه السلام كان يقنت في وتره قبل الركوع.
هكذا روىٰ سفيان الثوري، عن أبان بن أبي عياش.
وروى بعضهم عن أبان بن أبي عياش، بهذا الإسناد، نحو هذا، وزاد فيه: قال عبد اللَّه بن مسعود: وأخبرتني أمي أنها باتت عند النبي عليه السلام، فرأت النبي عليه السلام يقنت في وتره قبل الركوع.
قال أبو عيسىٰ: وأبان بن أبي عياش، وإن كان قد وصف بالعبادة والاجتهاد، فهذه حاله في الحديث. والقوم كانوا أصحاب حفظ، فرب رجل، وإن كان صالحا لا يقيم الشهادة ولا يحفظها.
فكل من كان متهمًا في الحديث بالكذب، أو كان مغفلًا يخطئ الكثير، فالذي اختاره أكثر أهل الحديث من الأئمة أن لا يُشتَغل بالرواية عنه.
ألا ترىٰ أن عبد اللَّه بن المبارك حدث عن قوم من أهل العلم، فلما تبين له أمرهم ترك الرواية عنهم؟ »
ذكره المتهم هاهنا اعتمادًا علىٰ رواية الثوري عن الكلبي سيئ، وليس فيه خلاف أنه لا يُروَىٰ عنه، وآت إن شاء اللَّه بيان ذلك.
والثالث مع ذلك أن أمر المتابعة واسع.
- قال البخاري في صحيحه:
« باب كم أقام النبي عليه السلام في حجته.
حدثنا موسىٰ بن إسماعيل، قال: حدثنا وهيب، قال: حدثنا أيوب، عن أبي العالية البراء، عن ابن عباس، قال: قدم النبي عليه السلام وأصحابه لصبح رابعة، يلبون بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، إلا من معه الهدي.
تابعه عطاء عن جابر. »
فهذه متابعة لأبي العالية عن ابن عباس من عطاء جابر، وهي ومتابعة لمن فوقه لا له بعينه، ومع ذلك سماها متابعة.
- وقال مسلم في التمييز:
« ذكر الأحاديث التي نُقِلَت علىٰ الغلط في متونها.
حدثنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، ثنا أبو اسحاق، قال: سألت الأسود بن يزيد عما حدثت عائشة عن صلاة رسول اللَّه عليه السلام، قالت كان ينام أول الليل ويحيي آخره، وإ كانت له حاجة إلىٰ أهله قضىٰ حاجته ولم يمس ماء حتىٰ ينام.
سمعت مسلمًا: يقول فهذه الرواية عن أبي إسحاق خاطئة، وذلك أن النخعي وعبد الرحمن بن الاسود جاءا بخلاف ما روىٰ أبو اسحاق.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا ابن علية ووكيع وغندر، عن شعبة، عن الحكم، عن ابراهيمؤ عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان رسول اللَّه عليه السلام اذا كان جنبًا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه.
حدثنا ابن نمير، ثنا أبي، ثنا حجاج، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة، قالت كان رسول اللَّه عليه السلام وسلم يجنب، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم ينام حتىٰ يصبح.
٤٣ - حدثنا يحيىٰ بن يحيىٰ وابن رمح وقتيبة، عن الليث، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن عائشة أن رسول اللَّه عليه السلام كان اذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام. »
فذكر هاهنا متابعةً للنخعي وعبد الرحمن بن الأسود في المتن من ابن شهاب، وإنما تابعهما فيمن فوقهما في الأسود، فروىٰ عن تابعي مثله عن عائشة كنحو رواية الأسود عنها.
فهذا في غيره يبين لك أن أمر المتابعة عند الأئمة واسع غير ضيق.
- وقد قال الخطيب في تاريخه:
« أنبأنا أحمد بن محمد بن عبد اللَّه الكاتب، قال: أخبرنا محمد بن حميد المخرمي، قال: حدثنا علي بن الحسين بن حبان، قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده: سألت أبا زكريا، وهو يحيىٰ بن معين، قلت: اختلف محمد بن الصباح والهروي في حديث عن هشيم لمن يُقضَىٰ منهما؟
قال: حتىٰ يجيء ثالث، قلت: ليس ثالث، قال: يُنظَرُ في الحديث إن كان حدث به غير هشيم إنسان، فكان الصواب في يد أحدهما، كان القول قوله.
قلت: فإن كان لم يحدث به أحد غير هشيم؟، قال: كان الهروي أكيسهما وأيقظهما، ومحمد بن الصباح ثقة. »
فذكر ابن معين في هذه المسألة التي سُئِلَ أنه يُنظَرُ إن كان قد حدث بالحديث غير هشيم، فتابع أحد الاثنين علىٰ روايته عن هشيم، فكانت الرواية روايته دون رواية الأخر عن هشيم.
وبعد، فقد اعتبر ابن معين متابعة الرجل للرجل فيمن فوقه من شيوخه.
وأما رواية الوصول والعبور والعلو، فكمثل رواية البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس، ورواية مسلم عن أسباط بن نصر وقطن بن نسير وأحمد بن عيسىٰ المصري، ما هو من الحديث صحيح في نفسه صدق بشهرته ومعرفته عن الناس.
وحكمة هذه الرواية الوصول إلىٰ الحديث الصحيح في نفسه بعلو وسرعة دون تطويل، وبلوغه وبيانه لا غير.
وإذ كان ذلك كذلك، لم تكن مثل تلك الرواية في تلك الحكمة والعلة التي ذكرنا هي قبولًا للراوي ولا أن مثله ممن يجوز أن يُروَىٰ عنه في الأصل، ولا يلزم.
وكل أولئك الذين ذكرنا فيهم ما فيهم، وإسماعيل بن أبي أويس منهم فمتهم، وإنما استجازا الرواية عنهم مع ذلك لأنها رواية علو وبلوغ، فتُروَىٰ ولو عن متهم ولو عن ضعيف، لأنها في شيء صحيح في نفسه يُتوصَلُ إليه ويُبيَّنُ لا أكثر.
فالبخاري مثلًا حين روىٰ عن ابن أبي أويس، إنما روىٰ عنه أحاديث مالك في الموطأ، وهي في نفسها مشهورة عن الناس رووها، مجموعة عند المصنفين في الكتب كتبوها، غير أنه إنما روىٰ ليصل إلىٰ الأحاديث عن مالك بعلو وسرعة دون تطويل في السند.
ومسلم فقد فعل نحوًا مما فعل البخاري.
- قال ابن رجب في شرح علل الترمذي:
« تنبيه: اعلم أنه قد يُخرَّجُ في الصحيح لبعض من تُكلِّم فيه، إما متابعةً واستشهاداً، وذلك معلوم.
وقد يُخرَّجُ من حديث بعضهم ما هو معروف عن شيوخه من طرق أخرىٰ، ولكن لم يكن وقع لصاحب الصحيح ذلك الحديث إلا من طريقه، إما مطلقًا أو بعلو، فإذا كان الحديث معروفًا عن الأعمش صحيحًا عنه، ولم يقع لصاحب الصحيح عنه بعلو، إلا من طريق بعض من تُكلُّم فيه من أصحابه خرجه عنه.
قال أبو عثمان سعيد بن عثمان البرذعي: شهدت أبا زرعة وأنكر علىٰ مسلم تخريجه لحديث أسباط بن نصر، وقطن بن نسير، وروايته عن أحمد بن عيسىٰ المصري، في كتابه الصحيح، في حكاية طويلة ذكرها.
قال: فلما رجعت إلىٰ نيسابور، ذكرت ذلك لمسلم، فقال: إنما أدخلت من حديث أسباط، وقطن بن نسير، واحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية أوثق منهم بنزول، فاقتصر علىٰ أولئك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات انتهىٰ.
وهذا قسم آخر ممن خُرِّجَ له في الصحيح علىٰ غير وجه المتابعة والاستشهاد، ودرجته تقصر عن درجة رجال الصحيح عند الإطلاق. »
وقد ذكر ابن حبان في المجروحين أحمد بن طاهر بن حرملة المصري، ونقل اتهامه بالكذب والوضع.
- ثم قال:
« فأما كتاب السنن التي رواها عن الشافعي، فهي كلها صحيحة في نفسها من كتب حرملة من المبسوط أو سمع من جده تلك. »
فهي كما قال صحيحة في نفسها، فلا شيء علىٰ من رواها من طريقه ليصل إليها، وليس أنه إن فعل ذلك كان يرىٰ الرواية عن المتهم، ولا أن يقال: هو يرىٰ ذلك ويستحله.
وإذا فهمت هذا يرحمك اللَّه، فهمت لما قلت عن الترمذي فيما ذكره من الخلاف في المتهم استنادًا علىٰ رواية الثوري عن الكلبي ما قلت.
وهذا لأن الثوري قد قال: أنا أعلم صدقه من كذبه، يعني فأنا أميز وأروي عنه إن رويت -ولم يرو عنه الكثير، ومنه ما كان علىٰ التعجب.- ما هو صدق صحيح في نفسه، معلوم عن غيره، أو كان قد حدث به هذا الشيخ الذي ذكر حقًّا وعرفت ذلك، فأروي مثل ذلك عنه إذ كان كذلك صحيحًا في نفسه لأتوصل إليه لا أكثر.
وإنما نهىٰ مع ذلك عن الرواية عنه، إذ كان ليس كل أحد يحسن ذلك، ولا كل أحد له بصر ونقد، فيُخشَىٰ إن فُتِحَ الباب وقيل للناس: ارووا عنه ما صدق فيه، أن يرووا الكذب عنه.
ولا يصلح أن نأخذ برواية الثوري، ثم نترك صريح قوله وكلامه وتعجبه ممن يروي عن الكلبي!
وإذا فهمت ذلك يرحمك اللَّه، فهمت أن أمر نقولات المتأخرين هين بل أهون الهين، لأنهم إنما جاءوا بعد زمن حين اشتهرت الكتب وثبتت، وما كان بإمكان أحد ممن عني بالحديث واشتهر أن يغير فيها ولا أن يبدل، بل لو فعل لافُتضِحَ، ولكن كان يُقَر علىٰ ما يذكر.
فكان مع ذلك أكثر نقل من تأخر كابن حجر وغيره في أمور هي صحيحة في نفسها معروفة، وعن كتب صحيحة في نفسها مشهورة، فلو كان يكذب هو أو غيره فيما ينقل من الأثار وما كان من الكتب التي ربما فُقِدَت في زماننا وهي آنذاك شهيرة معلومة، لافتُضِحَ وتُكلِّمَ فيه.
ثم إنه ينقل الكثير فالكثير وهو في الكتب عندنا وفي المصادر كما نقل، بل ربما نقل ما ظاهره ناقض عليه وعلىٰ مذهبه، فبان أنه إنما ينقل ما صح في نفسه في الكتب وكان مشهورًا، لا يستطيع بذلك تغييرًا ولا تبديلًا ولو أراد.
فإذا كان ذلك كذلك، كان قول القائل: فلان يرىٰ جواز الرواية والنقل عن الكافر، لمجرد أنه ربما نقل عن فلان وهو يتهمه بتجهم ويكفره مع شهرته وعنايته بالحديث وإقرار الناس له، واستبانت أمره من كثرة ما ينقل مما هو في الكتب أنه إنما ينقل أمورًا مشهورة معلومة، وينقلها غيره وإن لم نجد لفقدان المصادر.
كان ذلك ظلمًا وجورًا من قائله، وقلة فهم منه لمآخذ الناس في الروايات والنقل، واللَّه يحب العدل والإنصاف، فليس تكفير مكفر لمشهور تلبس ببدع المعطلة كابن حجر وغيره، بمجيز لنا أن نسببه لتلك التهمة، وإن خالفناه، وإن خالفناه كل الخلاف.
وصل اللهم وسلم علىٰ نبينا محمد.
تعليقات
إرسال تعليق