بيان حال أبي عبيد الآجري راوي المسائل عن أبي داود ...
بسم ربي الأكرم، وبعد:
فهذا كلام أرجو أن يُنتَفع به في شأن أبي عبيد الآجري محمد بن علي بن عثمان، صاحب المسائل عن أبي داود، وهو مع إكثاره عنه، ليس فيه توثيق صريح أعلمه.
فهذا الرجل لم يضعفه أو يتهمه أحد علىٰ كثرة ما روىٰ عن أبي داود أعلمه، وقد الأئمة كانوا ينكرون رواية الكذب ورواية المنكر.
ثم إنه مع ذلك مثله حاله في حديثه تدل علىٰ صدقه.
وذلك أنه في مرة يقول: أظن أن أبا داود، وفي مرة يقول: لا أدري من يحيىٰ، يحيىٰ بن معين، أو يحيىٰ القطان، وأظنه يحيىٰ القطان.
يعني لا يدري من يحيىٰ الذي ذكره أبو داود، لأنه قال: يحيىٰ، فالتبس علىٰ الآجري من يعني، فقال ذاك، ولو شاء لزاد من عنده، وزعم أن أبا داود قال: يحيىٰ القطان، أو يحيىٰ بن معين، ولكنه صادق.
وذلك أيضًا أن عامة حديثه علىٰ ما يظهر من علمه به سماع مباشر: سمعت أبا داود وسألت أبا داود وما أشبه ذلك، ومسند حديثه إن كان فقليل، فذا دال علىٰ صدقه وورعه، وأنه يحدث بما يعرف ويحفظ.
- قال عبد اللَّه بن أحمد في العلل: « سألت يحيىٰ عن النضر بن عربي، فقال: ليس به بأس، عامة حديثه رؤيا: رأيت فلانًا رأيت طاوسًا، ليس به بأس. »
يحيىٰ هو ابن معين.
- وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: « سألت أبي عن النضر بن عربي: لا بأس به، أسند حديثًا واحدًا. »
يعني أسند حديثًا واحدًا عن النبي عليه الصلاة والسلام، وسائر حديثه غير مسند.
- قال العباس بن محمد الدوري في تاريخ ابن معين:
« ٢٠٠ - حدثنا يحيىٰ، قال: حدثنا أبو صالح الحراني، قال: حدثنا النضر بن عربي، قال: رأيت أبا الطفيل عامر بن واثلة، قال رأيت رسول اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم.
وأحسبه قال: ومسست جلده، فكان ألين شيء. »
هذا سند صحيح، هذا الحديث المسند الوحيد الذي رواه النضر، وهو في شيء هين، في رؤية صحابي للنبي عليه السلام، لا في حكم ولا اعتقاد، فهذا يدل علىٰ ورع الرجل.
والحديث فيه دلالة صدقه حين قال: (وأحسبه قال ...)
فسبحان اللَّه، ورحم اللَّه أئمة الجرح والتعديل.
وما أحسب أبا عبيد إلا كالنضر هذا الذي عدلوه بحاله في حديثه، فيكون مثله مُعدَّلًا بحاله عند الأئمة، ومقبول الرواية إن شاء اللَّه.
وقد كان الأئمة يسهلون في رواية الضعيف غير المسندة عن شيخه المباشر قوله ومسائله وقراءته وتفسيره وما أشبه ذلك، ولا يستضعفونه في ذلك، ما كان صدوق الأصل لا يكذب.
وقد بينت ذلك في مقال لي بعنوان: متىٰ نتساهل في رواية الضعفاء ومتىٰ لا؟
وعلىٰ ذا، فأبو عبيد مقبول الرواية عن أبي داود مسائله، وإن فرضنا ضعفه، ما بان لنا صدقه، وقد بان بما ذكرت واستدللت به، والحمد للَّه.
والحمد للَّه رب العالمين.
تعليقات
إرسال تعليق