فائدة في حياد الأئمة عن الجواب في الرجل ...
بسم اللَّه وكفىٰ، وبعد:
فإن من عادة الأئمة أنهم إن كانوا يضعفون الرجل، وكانوا لسبب ما لا يريدون التصريح بتضعيفه، حادوا عن الجواب فيه.
- قال ابن أبي حاتم في باب ما ذُكِر من علم شعبة بناقلة الأثار وكلامه فيهم من الجرح والتعديل:
« نا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني فيما كتب إلي، قال: قلت لعبد الصمد -يعني ابن عبد الوارث-: من مجاعة هذا؟، قال كان جارًّا لشعبة نحو الحسن بن دينار، وكان شعبة يُسأَلِ عن، وكان لا يجترئ عليه، لأنه كان من العرب، وكان يقول: هو خير الصوم والصلاة.
قال أبو محمد: كان يحيد عن الجواب فيه، ودل حيدانه عن الجواب علىٰ توهينه. »
وقد كان وكيع بن الجراح رحمه اللَّه من أشد الأئمة ورعًا في الكلام عن الرواة، حتىٰ قد أكثر من مثل ذلك الحياد، لورعه، إذ يُسأَلُ عن الراوي، وكان أشد ورعًا من البخاري في ألفاظه، إذ لم يحد، علىٰ ورع البخاري في الألفاظ المعروف.
- قال ابن أبي حاتم في باب ما ذُكِر معرفة وكيع بناقلة الأخبار ورواية الأثار من الجرح والتعديل:
« نا محمد بن يحيىٰ، أنا محمود بن غيلان، قال: سمعت وكيعًا وسُئِل عن أبي سعد البقال، قال: فقال: نعم، كان يروى عن أبي وائل، وكان أبو وائل ثقة. »
- وقال:
« نا محمد بن يحيىٰ، أنا محمود بن غيلان، قال: سمعت وكيعًا وسُئِل عن عبد الرحمن بن خضير، قال: كان يروي عن أبي نجيح المكي، وأبو نجيح ثقة. »
- وقال:
« نا محمد بن يحيىٰ، أخبرنا محمود بن غيلان، قال: سمعت وكيعًا وسُئِل عن عمر بن هارون، فقال: بات عندنا الليلة. »
- وقال:
« نا محمد بن يحيىٰ، قال: أنا محمود بن غيلان، قال: سمعت وكيعًا يقول وسُئِل عن مقاتل بن سليمان، فقال: سمعنا منه واللَّه المستعان. »
مقاتل علىٰ علمه بالتفسير، فكان يفسر بالنظائر، وتفاسير المفسرين الصحيحة في نفسها التي جمع، مشهور بالكذب معروف به، فكان يكذب في الأسانيد ونسبة التفاسير، حتىٰ أنه من وضوح كذبه في ذلك قد قال في مقدمة تفسيره أن تفاسيره عن أناس، ذكر منهم نافعًا مولىٰ ابن عمر، وليس لنافع في التفسير شيء، ولا للناس عنه في ذلك رواية، فهذا كذب واضح، إذ نسب التفسير له.
ومع ذلك انظر لورع وكيع الزائد كيف يحيد عن الجواب إلىٰ قوله: سمعنا منه.
ويقول: واللَّه المستعان، فأين هذا من قول البخاري فيه نظر، ياله من رجل ورع جدًّا.
- وقال:
« نا ابي، علي بن محمد الطنافسي، قال: سمعت وكيع بن الجراح يقول: أتينا المعلي بن هلال، وإن كتبه لمن أصح كتب، ثم ظهرت أشياء ما نقدر أن نحدث عنه بشيء. »
يقول فيه هذا اللفظ الهين: ما نقدر أن تحدث عنه بشيء، ويريد أنه ظهر منه الكذب.
- قال:
« نا أبي، قال سمعت عمرو بن محمد الناقد، يقول رأيت وكيعًا يُعرَضُ عليه أحاديث المعلىٰ بن هلال، فجعل يقول: قال أبو بكر الصديق: الكذب مجانب للإيمان. »
- وقال:
« نا أبي، قال: قال أبو عقيل محمد بن حاجب المعروف بشاه: سمعت عبد الرزاق، قال: قلت لوكيع: ما تقول في يحيىٰ بن العلاء الرازي؟، قال: ما ترىٰ ما كان أجمله، وما كان أفصحه.
قلت: ما تقول فيه؟، قال: ما أقول في رجل حدث بعشرة أحاديث في خلع النعل إذا وضع الطعام. »
- وقال في باب ما ذُكِر من فضل وكيع وزهده وورعه من الجرح والتعديل:
« نا محمد بن إبراهيم بن شعيب، نا عمرو بن علي، قال: ما سمعت وكيعّا ذاكرًا أحدًا بسوء قط. »
وهذا واضح في كلام الرجل في الرواة الذي ذكرت، وكثرة حياده في ذلك عن ورع، لئلا يقع في غيبة أو كذب، مع أن لا غيبة في ذلك.
فهذا دال علىٰ صدق الرجل، وأن كلامه في الحديث وأهله إنما هو تدين منه، فهو رحمه اللَّه من علية الأخذين عن أتباع التابعين في الصدق والتدين، وكذلك في الحفظ، فكان حفظه أصليًّا غير متكلف، كما قال إسحاق بن راهويه.
- وقال أحمد في علل المروذي:
« وكان وكيع يجهد أن يجيء بالحديث كما سمع، وكان ربما قال في الحرف أو الشيء يعني كذا. »
والحمد للَّه رب العالمين.
تعليقات
إرسال تعليق