فائدة في دلائل ثبوت السماع ...

بسم اللَّه، وبعد:

- فقال ابن أبي حاتم في المراسيل:

« قال أبي: يحيىٰ بن أبي كثير ما أراه سمع من عروة بن الزبير، لأنه يدخل بينه وبينه رجل أو رجلان، ولا يذكر سماعًا، ولا رؤية، ولا سؤاله عن مسألة. »

فكلام أبو حاتم يدل علىٰ أن ما يثبت السماع، فثلاث أمور: إما ذكر السماع، وهذا معروف، وإما ذكر السؤال عن مسألة، وإما ذكر الرؤية. 

ولا يريد أبو حاتم أن في ذكر الرؤية ثبوت السماع بكل حال، بل قد يكون مع ذكرها دلائل نفي للسماع، وهذا ما لا يختلف فيه أحد لا مسلم ولا غيره، أنه لا يثبت معه السماع.

- قال مسلم في مقدمة صحيحه:

« باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن.

وهذا القول، يرحمك اللَّه، في الطعن في الأسانيد، قول مخترع، مستحدث غير مسبوق صاحبه إليه، ولا مساعد له من أهل العلم عليه.

وذلك أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديمًا وحديثًا، أن كل رجل ثقة روىٰ عن مثله حديثًا، وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة، إلا أن يكون هناك دلالة بينة، أن هذا الراوي لم يلق من روىٰ عنه، أو لم يسمع منه شيئًا، فأما والأمر مبهم علىٰ الإمكان الذي فسرنا، فالرواية علىٰ السماع أبدًا، حتىٰ تكون الدلالة التي بينا. »

فاستثنىٰ، وقال: هي علىٰ السماع، حتىٰ تكون تلك الدلالة.

وقد كان الأئمة كثيرًا ما ينفون السماع مع الرؤية ومع إمكان اللقاء والسماع.

- وقال ابن أبي حاتم في المراسيل:

« سمعت أبي يقول: يحيىٰ بن أبي كثير  لم يدرك أحدّا من أصحاب النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم، إلا أنسًا، فإنه رآه رؤية، ولم يسمع منه. »

فنفىٰ السماع مع الرؤية.

وذكر الرؤية، إن كان معه دلائل سماع، كأن تُذكَرُ مع ذكر القول، فهذا أيضًا لا يختلف فيه أحد من الأئمة، أنه يثبت السماع.

- قال ابن أبي حاتم في ترجمة يحيىٰ بن الجزار من الجرح والتعديل:

« ذكره أبي، قال: نا محمود بن غيلان، نا شبابة، عن شعبة، قال: لم يسمع يحيىٰ بن الجزار، من علي، إلا ثلاثة أشياء، أحدها أن النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم كان علىٰ فرضة من فرض الخندق، والأخر أن عليًّا سُئِل عن يوم الحج الأكبر، ونسي محمود الثالث. »

- حديث سؤال علي عن يوم الحج رواه الطبري في تفسيره، فقال:

« حدثنا ابن المثنىٰ، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت يحيى بن الجزار يحدث عن علي: أنه خرج يوم النحر علىٰ بغلة بيضاء يريد الجبانة، فجاءه رجل فأخذ بلجام بغلته، فسأله عن الحج الأكبر، فقال: هو يومك هذا، خل سبيلها. »

فجعل شعبة هذا مما سمع يحيىٰ من علي، لما فيه من ذكر الرؤية -وقد أدرك زمان علي، فكلامه يُحمَلُ علىٰ الرؤية- مع ذكر قول علي، وهذا يدل علىٰ السماع لا شك.

وقد نفىٰ أحمد سماع يحيىٰ من علي، وقوله أولىٰ أن يوافق قول شعبة، فيكون أراد نفي ذلك في الجملة، وأراد شعبة إثبات يسير من السماع ليحيىٰ، مع أنه في الجملة لم يسمع، فهذا يجمع القولين جميعًا. 

والحمد للَّه رب العالمين.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الجواب النبوي الشافي من داء القنوط...

أجر العفة مع المشقة...

لم نزل القرآن متفرقًا علىٰ محكم ومتشابه؟