أصل في التفسير التفسير مع السبب والعلة ...
بسم اللَّه العليم، وبعد:
- فقال ابن تيمية في مقدمة في أصول التفسير:
« ومعرفة سبب النزول يعين علىٰ فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب، ولهذا كان أصح قولي الفقهاء: أنه إذا لم يعرف ما نواه الحالف، رجع إلىٰ سبب يمينه وما هيجها وأثارها. »
- وقال الشيخ ابن عثيمين في أصول التفسير:
« معرفة أسباب النزول مهمة جدًّا، لأنها تؤدي إلىٰ فوائد كثيرة منها:
- بيان أن القران نزل من اللَّه تعالىٰ، وذلك لأن النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم يُسأَلِ عن الشيء، فيتوقف عن الجواب أحيانّا، حتىٰ ينزل عليه الوحي، أو يخفىٰ الأمر الواقع، فينزل الوحي مبينًا له.
مثال الأول: قوله تعالىٰ: ﴿وَيَسأَلونَكَ عَنِ الرّوحِ قُلِ الرّوحُ مِن أَمرِ رَبّي وَما أوتيتُم مِنَ العِلمِ إِلّا قَليلًا﴾
ففي صحيح البخاري عن عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنه: أن رجلًا من اليهود قال: يا أبا القاسم ما الروح؟، فسكت، وفي لفظ: فأمسك.
- بيان عناية اللَّه تعالىٰ برسوله صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم في الدفاع عنه.
مثال ذلك قوله تعالىٰ: ﴿وَقالَ الَّذينَ كَفَروا لَولا نُزِّلَ عَلَيهِ القُرآنُ جُملَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلناهُ تَرتيلًا﴾
وكذلك آيات الإفك، فإنها دفاع عن فراش النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم، وتطهير له عما دنسه به الأفاكون.
٣- بيان عناية اللَّه تعالىٰ بعباده في تفريج كرباتهم وإزالة غمومهم.
مثال ذلك آية التيمم، ففي صحيح البخاري أنه ضاع عقد لعائشة وهي مع النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم في بعض أسفاره، فأقام النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم لطلبه، وأقام الناس علىٰ غير ماء، فشكوا ذلك إلىٰ أبي بكر، فذكر الحديث، وفيه: فأنزل اللَّه أية التيمم، فتيمموا، فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر.
والحديث في البخاري مطولًا.
٤- فهم الآية علىٰ الوجه الصحيح. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفا وَالمَروَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيتَ أَوِ اعتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِما﴾، أي يسعىٰ بينهما.
فإن ظاهر قوله: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيهِ﴾، أن غاية أمر السعي بينهما، أن يكون من قسم المباح.
وفي صحيح البخاري عن عاصم بن سليمان قال: سألت أنس بن مالك عن الصفا والمروة، قال: كنا نرىٰ أنهما من أمر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل اللَّه تعالىٰ: ﴿إِنَّ الصَّفا وَالمَروَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾، إلىٰ قوله: ﴿أَن يَطَّوَّفَ بِهِما﴾
بهذا عُرِفَ أن نفي الجناح ليس المراد به بيان أصل حكم السعي، وإنما المراد نفي تحرجهم بإمساكهم عنه، حيث كانوا يرون أنهما من أمر الجاهلية، أما أصل حكم السعي فقد تبين بقوله: ﴿مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ »
جِئتُ بكلامه لهذا الأخير، فهو المعني في مقالنا عن التفسير، غير أني ذكرت كل كلامه كاملًا، للفائدة، فرحم اللَّه الشيخ.
واعلم يرحمك اللَّه أن الآية وكل كلام، فيُفهَمُ فهمًا صحيحًا بسببه وعلته ومع ذلك، فإنه كما قال الشيخ أن العلم بالسبب علم بالمسبب.
فإنما الآية مع سببها في التفسير، وكذلك الحديث، فليس ينبغي تفسير الآية والحديث بمعزل عن سببهما وعلتهما المعلومة، بظاهر متوهم خلاف الظاهر علىٰ الحقيقة.
فإنما ظاهر الكلام المعتبر عند النظر إلىٰ معناه، وما أريد به دون ما سواه، ظاهره في علته وسببه، لا ظاهره مقطوعًا عن ذلك منزوعًا مجردًا، ولا ظاهره متوهمًا من متوهم.
- قال البخاري في صحيحه:
« حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري: قال عروة: سألت عائشة، فقلت لها: أرأيت قول اللَّه تعالىٰ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾
فواللَّه ما علىٰ أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة.
قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه، كانت: لا جناح عليه أن لا يتطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا، يهلون لمناة الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلل، فكان من أهل يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا، سألوا رسول اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه عن ذلك.
قالوا: يا رسول اللَّه، إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل اللَّه تعالىٰ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾
قالت عائشة: وقد سن رسول اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما.
ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن، فقال: إن هذا لعلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالًا من أهل العلم يذكرون: أن الناس، إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهل بمناة، كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر اللَّه تعالىٰ الطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن.
قالوا: يا رسول اللَّه، كنا نطوف بالصفا والمروة، وإن اللَّه أنزل الطواف بالبيت، فلم يذكر الصفا، فهل علينا من حرج أن نطوف بالصفا والمروة، فأنزل اللَّه تعالىٰ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، الآية.
قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما، في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا بالجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون، ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام، من أجل أن اللَّه تعالىٰ أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا، حتىٰ ذكر ذلك، بعدما ذكر الطواف بالبيت. »
والحمد للَّه رب العالمين.
تعليقات
إرسال تعليق