بيان حال التميمي صاحب التفسير عن ابن عباس ...

بسم اللَّه العلي، وبعد:

فالتميمي صاحب التفسير عن ابن عباس، واسمه أربدة، مشهور ببين العلماء في طلب العلم والحديث عنه، فقد روىٰ غير حديث عن أبي إسحاق عنه من الأئمة الثوري وابن عيينة وشعبة ومسعر وإسرائيل، ومن بعد هذه الطبقة روىٰ عن هؤلاء عنه وكيع ويحيىٰ بن آدم وابن مهدي.

- وقال عبد اللَّه في العلل:

« حدثني أبي، قال: حدثنا حميد الرواسي، قال: حدثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن التميمي قال: ما سمعت بأرض فيها علم إلا أتيتها. »

زهير سمع بعد الاختلاط، ولكن ليس اختلاط أبي إسحاق بالفاحش، كما كان يروي عنه إسرائيل بعض ما في الاختلاط من رفع الموقوف وكذا، وهو هاهنا يروي عنه هينًا من الحديث خلاف الطريق المطروق، فذلك رواية أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس.

ورواية أبي إسحاق لقول التميمي إقرار.

فهذا، واشتهاره عند العلماء في الروايات وطلب العلم والتفسير، يدل علىٰ أنه ليس بمجهول طلب ولا حال أيضّا، فإن ذلك في العادة من يُرغَبُ عنه وعن حديثه ولا يشتهر بالعلم وطلبه، فأما من اشتهر حديثه بغير جرح له كالتميمي هذا، فمثله لا يكون إلا ثقة.

ويدلك علىٰ ذلك أيضًا أن شعبة قد رضي التميمي بالرواية عنه، وقد كان يعدل بالرواية ويجرح بتركها، حتىٰ قال أبو حاتم فيمن روىٰ عنه: يُحتَاجُ أن يُسأَلَ عنه، فمن روىٰ عنه في شهرته وجلالته هو أشهر بالوثاقة من أن يوثق بالقول.

- قال ابن أبي حاتم في ترجمة حبيب بن صالح من الجرح والتعديل:
‏
‏« سمعت أبا زرعة يقول: لا أعلم أحدًا من أهل العلم طعن علىٰ حبيب بن صالح في معنىً من المعاني، وهو مشهور في بلده بالفضل والعلم، وشعبة في انتقاده وتركه الأخذ عن كل أحد يستعيد بقية حديث حبيب بن صالح. »

فهذا كذلك، ولا يظنن ظان أن أربدة مجهول، كما ظنه أبو إسحاق الحويني في كتابه نثل النبال، إذ لم يرو عنه سوىٰ أبي إسحاق، فإن أربدة، وإن لم يرو عنه سوىٰ واحد، فهو معروف النِسبة، تميمي منسوب لبني تميم، فعينه ثابتة لا شك فيها.

وإنما المجهول من لم يرو عنه سوىٰ واحد، يُخشَىٰ أنه غلط في اسمه، فاختلق شخصه، فهو المجهول في عينه وشخصه، فأما إن كان معروف النسبة أو مُكنًى، فكان منسوبًا لجده البعيد، أو لمكان عيشه حضرمي، أو لقبيلته تميمي، أو مذكورًا بكنيته بأنه أبا فلان.

فهذا من شنيع الظاهرية عد مثله مجهولًا لرواية الواحد عنه فقط، إذ لا شبهة في اختلاق شخصه، فها هو ذا يُنسَبُ بنسبته ويُكنَىٰ بكنيته، فكيف لا تثبت شخصه؟

ثم إنه قد وثقه مع ذلك شعبة بالرواية عنه، فلا يكون مجهولًا وقد وُثِّقَ فعُرِفَ من قبل من خبر حاله وعدله.

- قال أبو داود في السؤالات:

« قلت لأحمد: إذا روىٰ يحيىٰ أو عبد الرحمن بن مهدي عن رجل مجهول يُحتَجُ بحديثه؟، قال: يُحتَجُ بحديثه. »

فرواية الإمام الذي لا يروي إلا عن ثقة تنتفي بها مع ما ذكرنا جهالة المجهول، وإن لم يرو عنه سوىٰ واحد.

ومثلهما أعني يحيىٰ وعبد الرحمن اللذان ذكر أبو داود شعبة، بل إن يحيىٰ وأهل البصرة معه إنما أخذوا الحديث وتعلموه منه، وكان من لا يروي إلا عن ثقة منهم كذلك لأجله، فهو سن فيهم هذه السنة رحمه اللَّه.

- قال أبو داود في السؤالات:

« سمعت أحمد يقول: ما رأيت قومًا سود الرؤوس في هذا الشأن مثل أهل البصرة -يعني الحديث والألفاظ- كأنهم تعلموه من شعبة. »

- وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل بباب ما ذُكِر من ملازمة يحيىٰ بن سعيد لشعبة وكثرة اختلافه إليه وتعلمه منه معرفة الحديث:

« نا محمد بن حمويه ين الحسن، قال: سمعت أبا طالب أحمد بن حميد، قال: قال أحمد بن حنبل: لم يكن في زمان يحيىٰ بن سعيد القطان مثله، كان تعلم من شعبة. »

هذا وقد روىٰ عن التميمي مع شعبة عبد الرحمن بن مهدي، فرضيه بالرواية عنه، فكان له مع ذلك توثيقان.

والحمد للَّه رب العالمين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أجر العفة مع المشقة...

لم نزل القرآن متفرقًا علىٰ محكم ومتشابه؟

الجواب النبوي الشافي من داء القنوط...