بيان عقيدة أحمد بن فارس في الصفات ...
بسم اللَّه الكريم الأكرم، وبعد:
- فقال أحمد بن فارس صاحب معجم مقاييس اللغة في كتاب الصاحبي:
« وقد قال بعض علمائنا حين ذكر ما للعرب من الاستعارة والتمثيل والقلب والتقدير والتأخير وغيرها من سنن العرب في القرآن.
فقال: ولذلك لا يقدر أحد من التراجم علىٰ أن ينقله إلىٰ شيء من الألسنة، كما نُقِل الإنجيل عن السريانية إلىٰ الحبشية والرومية، وتُرجِمت التوراة والزبور وسائر كتب اللَّه عز وجل بالعربية.
لأن العجم لم تتسع في المجاز اتساع العرب، ألا ترىٰ أنك لو أردت أن تنقل قوله جل ثناؤه: ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِن قَومٍ خِيانَةً فَانبِذ إِلَيهِم عَلى سَواءٍ﴾
لم تستطع أن تأتي بهذه الألفاظ المؤدية عن المعنىٰ الذي أودعته حتىٰ تبسط مجموعها، وتصل مقطوعها، وتظهر مستورها.
فتقول: إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد فخفت منهم خيانة ونقضًل فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطته لهم وآذنهم بالحرب لتكون أنت وهم في العلم بالنقض علىٰ استواء.
وكذلك قوله جل ثناؤه: (فَضَرَبنا عَلى آذانِهِم فِي الكَهفِ﴾
فإن قال قائل: فهل يوجد في سنن العرب ونظومها ما يجري هذا المجرىٰ؟
قيل له: إن كلام اللَّه جل ثناؤه أعلىٰ وأرفع من أن يضاهىٰ أو يقابل أو يعارض به كلام، وكيف لا يكون كذلك وهو كلام العلي الأعلىٰ، خالق كل لغة ولسان، لكن الشعراء قد يؤمنون إيماء، ويأتون بالكلام الذي لو أراد مريد نقله لاعتاص، وما أمكن إلا بمبسوط من القول، وكثير من اللفظ. »
الكلام الذي نقله حتىٰ قوله: (فإن قال قائل ...)، إنما هو عن ابن قتيبة في كتابه تأويل مشكل القرآن.
وقد بلاه ابن فارس من علمه، وهو عالم مشهور بعلم السنة وإثبات الطرق.
- وقول ابن فارس: « إن كلام اللَّه جل ثناؤه أعلىٰ وأرفع من أن يضاهىٰ أو يقابل أو يعارض به كلام، وكيف لا يكون كذلك، وهو كلام العلي الأعلىٰ، خالق كل لغة ولسان. »
فهذا واضح بين في إثباته أن ما في القرآن كلامٌ للَّه، حتىٰ أنه علل استحالة مضاهاته ومقابلته ومعارضته بكلام، بأنه كلام الخالق، لا بأن اللَّه عجَّز الخلق عن ذلك، كما يعلل بعض الجهمية القائلين بخلق القرآن عجز الخلق عن الإتيان بمثله بذلك.
وهذا يبين أن الرجل من أهل الإثبات، مثبت للصفات بإطلاق، فإن نفاتها قد اختلفوا في الصفات اللازمة، واتفقوا مع ذلك علىٰ نفي الصفات الاختيارية غير اللازمة.
فإن أثبت رجل الصفات الاختيارية، فيُعلم حينئذ أنه خارج عن إجماعة نفاة الصفات، وأنه ليس منهم، وأنه مثبت بإطلاق.
- وقد قال في مقاييس اللغة:
« وقال بعض أهل العلم: إن المؤمن في صفات اللّه تعالىٰ هو أن يَصْدُق ما وَعَدَ عبدَه من الثواب، وقال آخرون: هو مؤمنٌ لأوليائه يؤْمِنُهم عذابَه ولا يظلمُهم. »
كأنه أخذ هذا الأول من ابن قتيبة، وقد كان يأخذ عنه ويقول: قال بعض علمائنا، وقال بعض أهل العلم.
- قال ابن قتيبة في غريب القرآن:
« فالعبد مؤمن، أي: مصدق محقق، واللَّه مؤمن، أي: مصدق ما وعده ومحققه، أو قابل إيمانه. »
- وقال في المقاييس أيضًا
« وفي صفات اللَّه جل وعز: سُبُّوح، واشتقاقه من الذي ذكرناه أنّه تنزَّه من كل شيء لا ينبغي له، والسُّبُحات الذي جاء في الحديث جلال اللّه جل ثناؤه وعظمته. »
فذكر الاسم وقال: وفي صفات اللَّه، فأخذ الوصف من الاسم، كما فعل ابن قتيبة في الغريب حين ابتدئ كتابه بباب بوبه في تفسير الأسماء وإظهار معانيها، فكان يذكرها ويقول: ومن صفاته، فيذكر الاسم ويأخذ منه الصفة.
وقد فسر ابن فارس سبحات وجه اللَّه في الحديث بالجلال والعظمة، فهذا وما سبق إثبات واضح للوجه وصورته ونوره، ونهج سالم في الإيمان بما في الأسماء من أوصاف وصفات.
والحمد للَّه رب العالمين.
تعليقات
إرسال تعليق