ما المرسل ومتىٰ يقبل ومتىٰ يرد؟

بسم اللَّه الجبار، وبعد:

فذا كلام في المرسل أرجو أن ينفع اللَّه به كثيرًا، فلا يحرمن أحد نفسه، لطول الكلام، فإني ضامن له الانتفاع إن شاء اللَّه.

اعلم -رحمك اللَّه- أن المرسل عند المتقدمين: هو المنقطع، ويُطلق خاصة علىٰ مرسل التابعي عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو مراد أبي داود في كتابه المراسيل.

- يدلك علىٰ ذلك قول ابن خزيمة في التوحيد: 

« وليس هذا الخبر من شرطنا، لأنه غير متصل الإسناد، لسنا نحتج في هذا الجنس من العلم بالمراسيل المنقطعات. »

- وقول ابن أبي حاتم في المراسيل:

« باب ما ذُكِر في الأسانيد المرسلة أنها لا تثبت بها الحجة. »

ثم ذكر في هذا الباب كلام الشافعي في المنقطع.

فالمرسل إذًا المنقطع، وكونه منقطعًا، أي في السماع سماع الرواة من بعضهم البعض، وعكسه المتصل، والاتصال والانقطاع إنما هو في الحديث في سنده.

ولا بد من تعريفه، ليستقيم الفهم ويتم، فالسند هو ما يُستنَدُ إليه في الحديث المروي، ما يُسمَّىٰ متنًا، فهو سند ذلك وطريقه، فهو تحديث الرواة به، وروايتهم له.

وذلك يشتمل علىٰ الرواة أنفسهم وأحوالهم، وعلىٰ صيغ وألفاظ روايتهم وتحديثهم، سمعت بلغني كذا كذا، فإن ذلك ذو أثر في صحة الحديث وضعفه.

وليس السند مجرد الرواة وأحوالهم، كما يظن ذلك بعض الناس، فإن لألفاظ التحديث والرواية وتفقدها أثرًا، كأثر الرواة وتفقدهم في معرفة صحة الحديث وضعفه.

- وحتىٰ قد قال أبو داود في سؤالاته:

« سمعت أحمد يقول: ما رأيت قومًا سود الرؤوس في هذا الشأن مثل أهل البصرة -يعني الحديث والألفاظ- كأنهم تعلموه من شعبة. »

يريد ألفاظ الرواية، فإن شعبة قد سن في أهل البصرة سنة تأدية الحديث والألفاظ كما هي، وكان كما قال أحمد يؤدي الألفاظ والأخبار بخلاف أبي معاوية وغيره مما كان يختصر قائلًا: عن عن.

فهو من سن فيهم تلك السنة، أن يؤدوا الحديث والألفاظ، وأن يتفقدوها من فم المحدث، وهل هو يقول كذا فيرسل الحديث أم كذا فيصله، كما كان شعبة يتفقد فم قتادة، فإن الرجل ربما حدث عمن هو دونه في الوثاقة، وربما حدث بمرسل، حتىٰ قد صار أهل البصرة معروفين بالتأدية للحديث واللفظ، والرواية عن الثقات، ورواية المتصل، كيحيىٰ وشعبة ووهيب بن خالد.

- قال ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل:

« نا صالح بن أحمد بن حنبل، نا علي بن المديني، قال: سمعت يحيىٰ بن سعيد، يقول: ينبغي لكتبة الحديث أن يكون ثبت الأخذ، ويفهم ما يقال له، ويبصر الرجل -يعني المحدث-، ثم يتعاهد ذلك منه -يعني نطقه-، يقول: حدثنا أو سمعت أو يرسله، فقد قال هشام بن عروه: إذا حدثك رجل بحديث، فقل: عمن هذا، أو فممن سمعته، فإن الرجل يحدث عن آخر دونه -يعني دونه في الإتقان والصدق.-

قال يحيىٰ: فعجبت من فطنته. »

فإذا ثبت ما ذكرنا، فإن المرسل مع ذلك ليس شيئًا واحدًا، ولا القول فيه من جهة واحدة، ووجه واحد.

فإنه من جهة الحديث وأنه حديث منقطع سنده، بأن كان فيه راوٍ لم يسمعه ممن فوقه، لا تثبت به الحجة بحال، لا ارتياب في ذلك.

وذلك أنه شرط في الحديث الصحيح اتصال سنده. 

وأما من جهة علم المرسل والقول الذي فيه، فيعتبر ذلك ويقبل بأمور وقرائن.
وهذا هو القول الفصل في الاحتجاج بالمرسل، الذي به يتبين أن لا خلاف بين من تقدم من أئمة الحديث في المرسل إن شاء اللَّه.

قال ابن رجب في شرح علل الترمذي:

« وأعلم أنه لا تنافي بين كلام الحفاظ، وكلام الفقهاء في هذا الباب، فإن الحفاظ إما يريدون صحة الحديث المعين إذا كان مرسلًا، وهو ليس بصحيح، علىٰ طريقتهم، لانقطاعه وعدم اتصال إسناده إلىٰ النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم.

وأما الفقهاء، فمرادهم صحة ذلك المعنىٰ الذي دل عليه الحديث، فإذا عضد ذلك المرسل قرائن، تدل على أن له أصلًا، قوي الظن بصحة ما دل عليه، فاحُتج به مع ما احتف به من القرائن.

وهذا هو التحقيق في الاحتجاج بالمرسل عند الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما، مع أن في كلام الشافعي ما يقتضي صحة المرسل حينئذ.

قال ابن المديني في حديث يرويه أبو عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود عن أبيه: هو منقطع، وهو حديث ثبت.

قال يعقوب بن شيبة: إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في المسند -يعني في الحديث المتصل-، لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر.

وقد ذكر ابن جرير وغيره أن إطلاق القول بأن المرسل ليس بحجة من غير تفصيل بدعة حدثت بعد المائتين. »

أقول: والأمر كما قال، فإن من ضعف من الأئمة المرسل، أراد من جهة الحديث، وهو ما يتبين من سياقة كلامهم، وما سيق لأجله عباراتهم، فإنهم إذ تكلموا عنه، وهم أئمة الحديث، تكلموا عنه من جهة الحديث.

- قال ابن أبي حاتم في المراسيل في باب ما ذُكِرَ في الأسانيد المرسلة أنها لا تثبت بها الحجة:

« سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة، إلا بالأسانيد الصحاح المتصلة.

وكذا أقول أنا. »

وهذا كلام تفسيره مع سياقه، أنها كذلك لا يحتج بها من جهة الحديث، فإنما الحجة في المتصل من ذلك.

ولذلك فقد جعل ابن أبي حاتم ذلك الكلام في باب ما ذُكِر في الأسانيد المرسلة أنها لا تثبت بها الحجة.

- قال ابن أبي حاتم:

« حدثني أبي، قال: سمعت يونس بن عبد الأعلىٰ الصدفي، يقول: قال لي محمد بن إدريس الشافعي: نقول: الأصل قرآن أو سنة، فإن لم يكن فقياس عليهما، وإذا اتصل الحديث عن رسول اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم، وصح الإسناد به، فهو سنة، وليس المنقطع بشيء، ما عدا منقطع سعيد بن المسيب.

قال أبو محمد ابن أبي حاتم: يعني ما عدا منقطع سعيد بن المسيب أن يُعتبر به. »

فهنا أبو حاتم في قوله أن المرسل لا يحتج به، روىٰ كلام الشافعي في المنقطع، وفيه استثناء منقطع ابن المسيب، أنه يُعتبر علمه بأمور، كما قال الشافعي في كلامه الأخر أن المرسل يعتبر علمه بأمور.

- قال ابن أبي حاتم إثر المذكور:

« حدثنا الربيع بن سليمان في كتاب الرسالة، قال: قال: الشافعي المنقطع مختلف، فمن شاهد أصحاب رسول اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم من التابعين، فحدث حديثًا منقطعًا عن النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم: اعتبر علمه بأمور. »

فأبو حاتم حين روىٰ كلام الشافعي هذا إذًا، لأنه يتكلم عن المرسل في علمه وما دل عليه، بينما هو وغيره من أئمة الحديث، فإنما يتكلمون عنه في الحديث والسند.

ومع ذلك، فإن المتأخرين عن ظاهرية فيهم، وانعدام تفريق، قد صيروا المرسل شيئًا واحدًا، وجعلوا القول فيه من جهة واحدة، ولم يراعوا أنه ليس كذلك، وأن القول فيه تختلف جهته، ففي الحديث القول فيه علىٰ جهة، وفي المعنىٰ القول فيه علىٰ جهة أخرىٰ.

فنظروا لكلام الأئمة علىٰ ذلك، وعلىٰ نزع كلامهم عن سياقه، وتجريده بمجرد لفظه، دون مراعاة للمتكلم، وفي أي شيء يتكلم، أهو إمام حديث يتكلم عن المرسل في الحديث، أم أهو إمام فقه يتكلم عنه في الفقه والمعنىٰ؟

فهذا، حتىٰ قد اعترض بعضهم علىٰ الشافعي فيما ذكر من اعتبار علم المرسل بأمور، ظانًّا أنه إنما يتكلم عن اعتبار المرسل في الحديث، مع تصريح الشافعي أن المعتبر إنما هو علم المرسل، كما قال.

وقد بنوا علىٰ ذلك الذي ذكرت خلاف الأئمة في المرسل، وليس الأمر كذلك، بل مع ما ذكرنا، فهذا الخلاف الذي توهمونه لا يجوز أصلًا، ولا يقبل منهم قولًا، إذ لا يعقل أن يكون ثمة خلاف في المرسل في الحديث، فيكون هنالك خلاف في اشتراط الاتصال في السند بينهم.

كيف وكلام الشافعي وهو رأس فيمن قبل المرسل صريح في أن الاتصال شرط في صحة السند، وأن المنقطع ليس بشيء، ما عدا منقطع كبار التابعين، كسعيد بن المسيب، فيُعتبر في علمه بأمور، فالاعتبار في علمه لا في الحديث.

وليس ما ذهب إليه المتأخرون بشيء، إذ لو صح توهم الخلاف الذي توهموه، لصح أن يرد بعض الأئمة المرسل كله، وليس إمام من الأئمة علىٰ ذا، بل من المراسيل ما عليه إجماع أو شبه إجماع، وفيما سيأتي بيان ذلك إن شاء اللَّه، غير أنا نبدأ في الكلام عن أسباب تضعيف المراسيل وأسباب قوتها، واختلاف أنواعها في أنفسها، وكلام الأئمة فيها من جهة معناها، ولم ضعفوها، ولم قبلوها من تلك الجهة، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه.

- فقال ابن أبي حاتم في المراسيل:

« حدثنا أحمد بن سنان، قال: كان يحيىٰ بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئًا، ويقول: هو بمنزلة الريح، ويقول: هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا الشيء علقوه. »

فلم يقل: لا يرىٰ إرسالهم شيئًا، لأنه منقطع، فكل مرسل كذلك، ولكن قصده في قوله بين معقول في سياقه، فيقصد فيما قال معنىٰ ما في إرسالهم أنه ليس بشيء، ولا يتكلم عن إرسالهم في الحديث، فكل إرسال في ذلك ليس بشيء.

والمراد مما قال أن من ذكر، فقوم من علية الحفاظ، يحفظون كل شيء يسمعونه، حتىٰ أمكن أن يكون إرسالهم إذ أرسلوا عن أي أحد علق كلامه في أنفسهم، ولم يخبروا حاله، فإرسالهم في معناه والقول الذي فيه، إذ كان ذلك، ليس هو بشيء، إذ أمكن أن تكون الواسطة كاذبًا متهمًا، فيكون القول الذي في إرسالهم كذبًا علىٰ من نُسِب إليه باطلًا.

والأئمة كأولئك أهل نقد وتدين، فلا يروون عن المتهم ومن لا خير فيه، ولا يروون المنكر الموضوع، بل لا يستحلون ذلك، ولكن ربما رووا عمن لم يخبروا حاله، إذ علق في أنفسهم كلامه، فإنهم كانوا يحفظون كل شيء يمر عليهم.

- وقال:

« حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، نا علي بن المديني، قال: مرسلات مجاهد أحب إلي من مرسلات عطاء بكثير، كان عطاء يأخذ عن كل ضرب. »

فلم يقل أن مرسلات مجاهد أحب إليه من مرسلات عطاء، لأنها منقطعة، فكلها منقطعة، ولكن مقصوده في كلامه واضح في سياقه، فيريد معنىٰ ما في مرسل مجاهد وعطاء، أن مرسل مجاهد أحب إليه من مرسل عطاء، إذ كان هذا الأخير يأخذ عن كل ضرب من الناس، لطيب نفسه، وحسن ظن منه بالناس، فربما كان مرسله عن متهم، لم يعرف عطاء أمره، فكان ما فيه من القول كذبًا باطلًا.

- وقال:

« حدثنا صالح بن أحمد، نا علي -يعني ابن المديني-، يقول: سمعت يحيىٰ، يقول: سفيان عن إبراهيم شبه لا شيء، لأنه لو كان فيه إسناد صاح به. »

فلم يقل هو لا شيء، لأنه منقطع، ولكن يريد معنىٰ ما في مرسل سفيان عن إبراهيم، أنه لا شيء، لأنه لو كان لديه سند مرضي، لأفصح به، فإن من عادة الثقات أن يفصحوا بذلك وبالواسطة، إذ كانت ثقة، وإذ كان السند مرضيًّا،

فإرسالهم وإرسال سفيان يدل علىٰ أن لا سند مرضي عنده، فمرسله لذلك ضعيف في المعنىٰ. 

- وقال:

« نا صالح، نا علي -يعني ابن المديني-، قال: سمعت يحيىٰ بن سعيد القطان، قال: كان شعبة يوهن مرسلات معاوية بن قرة، يرىٰ أنها عن شهر. »

فلم قيل: يراها منقطعة، ولكن قال: يرى أنها عن شهر، يعني ابن حوشب، يريد: إنها في معناها واهية، لأن المرجع لمعاوية فيها شهر، وهو عنده ضعيف.

وإنما عرف شعبة أن شهرًا هو مرجعه في مراسيله، إذ كان شعبة يتفقد فم المحدث ويسأله، لئلا يروي غير المتصل، فكان يتفقد ويوقف الرواة علىٰ السماع، فيقول: من حدثك، وقل سمعت، وما إسناده، وما أشبه ذلك.

فكان معاوية حين يوقفه شعبة يحيل إلىٰ شهر، فيتبين أنه مرجعه.

- قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل:

« نا محمد بن سعيد المقرئ، نا عبد الرحمن -يعني ابن الحكم بن بشير بن سلمان-، نا يحيىٰ بن أبي بكير وأبو داود، عن شعبة، عن معاوية بن قرة، قال: قال ابن عباس: ﴿انظر إلى العظام كيف ننشزها﴾، فقال فيه قولًا.

قلت: من حدثك؟، قال: شهر بن حوشب، استرحنا من خناقك يا شعبة. »

- وقد قال الشافعي في الرسالة إثر ذكره الأمور التي معها يقبل المرسل:

« فأما من بعد كبار التابعين الذين كثرت مشاهدتهم لبعض أصحاب رسول اللَّه، فلا أعلمن منهم واحدًا يُقبَلُ مرسله لأمور، أحدها أنهم أشد تجاوزا فيمن يروون عنه، والأخر أنهم يوجد عليهم الدلائل فيما أرسلوا بضعف مخرجه، والأخر كثرة الإحالة كان أمكن للوهم وضعف من يقبل عنه. »

- وقال:

« ومن نظر في العلم بخبرة وقلة غفلة استوحش من مرسل كل من دون كبار التابعين بدلائل ظاهرة فيها.

قال: فلم فرقت بين التابعين المتقدمين الذين شاهدوا أصحاب رسول اللَّه، وبين من شاهد بعضم دون بعض

فقلت: لبعد إحالة من لم يشاهد أكثرهم. »

يعني ببعد الإحالة، أن الواسطة في مرسل غير كبار التابعين اثنين، فأكثر، فالإحالة فيها تكثر، فلذا هي واهية.

وهذا وما سبق دال على أن تضعيف المرسل، فمن أوجه، فتكون تقويته إذًا من عكس تلك الأوجه إن كان ذلك.

فالمرسل عمن يأخذ عن كل ضرب، ويحسن الظن بالناس، وعمن لا يفعل ذلك، وهو إمام في الحديث ونقده، ولكن لشدة حفظه يحفظ كل شيء يمر علىٰ مسامعه، فيرسله، فمرسله من جهة أن المرجع أي أحد متهم وضعيف ربما وصادق وثقة ربما مردود.

وهذا يدل علىٰ تقوية مرسل من لم يكن ذلك، وكان لا يأخذ عن كل أحد، ولكن عن الثقات فقط.

وكذلك المرسل عمن عُرِفَ مرجعه في مرسله أنه ضعيف، أو كان لا يكون إلا ضعيفًا، فمردود من جهة ضعف المرجع، وأنه لا يكون إلا ضعيفًا.

والمرسل عمن يكثر الإحالة في مرسله، فيغلب عليه إذ أرسل أنه سيسقط واسطتين، فأكثر، لبعد زمانه وطبقته، مردود من جهة كثرة الإحالة والوسائط، وإذا كان ذلك كان الوهم أمكن، كما قال الشافعي.

- وفي ذلك قال يحيىٰ القطان: « مرسلات ابن عيينة شبه الريح، ثم قال: إي واللَّه وسفيان بن سعيد. 

قلت: مرسلات مالك بن أنس، قال: هي أحب إلي، ثم قال: ليس في القوم أصح حديثًا من مالك. »

يعني بالقوم نظراء مالك الذين في طبقته الثوري وابن عيينة.

ويعني أن مالكًا أصح القوم حديثًا، أي في الصحة، لأنه من علية المتثبتين، فلا يشك في حديث ولو في بعضه إلا طرحه، ولأنه ولا يروي إلا عن ثقة بخلاف سفيان، فهذا وإلا فالثوري أحفظ من مالك باعتراف يحيىٰ.

ويريد أن مرسل مالك أحب إليه من غيره، لأن الواسطة لا تكون إلا ثقة، وإن كان يحيى يضعف مرسله مع ذلك، لأنه من طبقة فيها بعد، فيغلب علىٰ مرسله أنه معضل، وأن الواسطة اثنين، فأكثر.

وقد ضعف مرسله عن سعيد بن المسيب مع أن لا بعد، لأنه لو كان لديه سند مرضي إليه، كسنده المعروف: عن يحيىٰ بن سعيد، عن ابن المسيب، لأفصح به علىٰ عادته، فإرساله دال علىٰ ضعف السند.

- وفي ذلك قال يحيىٰ أيضًا: « أما مجاهد عن علي، فليس به بأس، قد أسند عن ابن أبي ليلىٰ عن علي. »

يعني أن مرجعه معروف، إذ قد عرَّفه، فاكتفىٰ بذلك عن ذكره كل مرة، ومرجعه ثقة، فيصح لذلك إرساله في نسبة القول لعلي وفي معناه.

فمرسل مجاهد هاهنا، لأن مرجعه فيه قريب معروف، لا يكون ضعيفًا، لعلة أنه لو كان عنده سند مرضي، لأفصح به، إذ إنما يرسل، لأن مرجعه معروف، قد عرَّفه، فاكتفىٰ بذلك عن ذكره.

وهذا سفيان الثوري في إمامته في الحديث ونقده قد صحح تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد.

وكذلك شعبة وتلميذه يحيىٰ القطان في شدتهما، خاصة يحيىٰ، قد رويا تفسير ابن أبي نجيح والحكم بن عتيبة عن مجاهد، فصححاه، وجعلاه في حكم المتصل، وكانا لا يرويان إلا الصحيح المتصل، حتىٰ قد ادعى الخليلي في الإرشاد لذلك التصحيح من أولئك الأئمة لمثل رواية ابن أبي نجيح والحكم عن مجاهد، وسكوت الناس عليهم: إجماعهم علىٰ قبول رواية ابن جريج عن مجاهد في التفسير، مع أنها منقطعة.

وابن جريج وابن أبي نجيح والحكم والليث وكل من روىٰ تفسير مجاهد لم يسمعه منه، وإنما يدور تفسيره علىٰ القاسم بن أبي بزة، الذي كتب  تفسير مجاهد، وكتبه غيره معه، وأخذ الناس من كتاب القاسم.

- قال ابن أبي خيثمة في تاريخه الكبير:
 
« حدثنا يحيىٰ بن معين، قال: نا فضيل بن عياض، عن عبيد المكتب، قال: رأيتهم يكتبون التفسير عند مجاهد. »

- وقال يعقوب الفسوي في المعرفة والتاريخ:

« حدثني محمد بن عبد الرحيم -يعني صاعقة- 

وسُئِلَ علي -يعني ابن المديني-: سمع ابن أبي نجيح التفسير من مجاهد؟، قال: لا، قال سفيان -يعني ابن عيينة-: لم يسمعه أحد من مجاهد إلا القاسم بن أبي بزة، أملاه عليه، وأخذ كتابه الحكم وليث وابن أبي نجيح.

قال علي: قال سفيان قال لي فلان بن مسلم سماه: قل لليث بن أبي سليم يتق اللَّه، ويرد كتاب القاسم بن أبي بزة عن مجاهد في التفسير، فإنه لا ينام.

فقلت له: ابن أبي نجيح لم يسمع التفسير؟، فقال: نعم، إنما يدور تفسير مجاهد علىٰ القاسم بن أبي بزة. »

وهذا القبول لرواية الناس مثل ابن أبي نجيح وابن جريج وغيرهما تفسير مجاهد، لأن المرجع -أي القاسم في كتابه- قريب معروف، يُستغنَىٰ عن ذكره، وهو مع ذلك صحيح.

فهذا وقبول يحيىٰ مرسل مجاهد عن علي في غير ذلك، يبين أنهم ما ردوا ولا حتىٰ المتشددين منهم كيحيىٰ، فما ردوا المرسل بإطلاق، لأنه في معناه يقبل ويرد، بخلافه في الحديث، فيرد بكل حال.

فهذا كذلك إن شاء اللَّه، والمرسل مع ذلك مختلف، فمنه نوع في الأحكام والحلال والحرام، وهو الذي عنىٰ الشافعي بكلامه الذي مضىٰ، وذكر فيه شروطًا.

وهذا أشد أنواع المراسيل قبولًا، وإن كان قبوله مع ذلك في علمه، إذ لا بد في الأحكام من نص يثبت، وإذ كانت عادتهم التشدد في الأحكام علىٰ السند، وذكره إن صح، دون ترك ذلك، ولو لعلة معرفة الناس به.

فكانوا مثلًا يرسلون في السيرة والتفسير ويكثرون، بينما في الأحكام العكس، يسندون ويكثرون، فهو الأصل.

وقد استثنىٰ الشافعي في مثل ذلك الضرب من المرسل مرسل غير كبار التابعين، لبعد طبقتهم، فبعد مرجعهم في مرسلهم، فكثرة الإحالة والوسائط فيه، فأبقىٰ مرسل الكبار قريبي الطبقة والمرجع.

وهذا من حسن فقهه رحمه اللَّه، فإنهم مع قرب مرجهم، حتىٰ تكون الواسطة في الغالب واحدًا، هم بين كبير جدًّا لا يُعرَفُ بالأخذ إلا عن الصحابة، وبين كبير هو أصغر من ذلك، فإما يحدث عن صحابي، وكل الصحابة عدول، وإما يحدث عن تابعي كبير مثله، هو في زمان فاضل يندر فيه الكذب، فتكون جهالة حاله إن كانت مُخفَّفةٌّ، فيكون المرسل في معناه علىٰ الأقل محتملًا، فيقبل إن كانت الشروط التي ذكر الشافعي.

وهناك نوع من المرسل في السيرة الشهيرة وأسباب النزول والقراءات التي كان يقرأ بها فلان وفلان وما أشبه ذلك مما هو أمر حدث وواقعة وقعت.

فهذا النوع أهون المراسيل قبولًا، إذ كان يُستغَنىٰ بشهرة الواقعة ومعرفة الناس لها عن ذكر المرجع والإسناد فيها.

ولذلك، فكفىٰ في الوقائع التي وقعت، والحوادث التي حدثت لتثبت الشهرة والمعرفة، وهذا خاصة إن كان هنالك قرينة صحة مع ذلك، كأن يكون ما يُحدَثُ به هو يُذكَرُ بين أظهر العلماء وهم يقرونه، وكأن يكون يُذكَرُ علىٰ الاتفاق فيه بطوله.

فلو أن رجلًا من التابعين كمسروق أو الشعبي أو من كان في جلالتهما وقرب عهدهما، حدث بسبب نزول في واقعة ما، أو في أمر ما كان في الجاهلية نزلت له الآية، ثم لم يُعلَمُ شيء غير ذلك معارض، ولا عند الناس ذلك، فمثل ذلك يكون مقبولًا، إذ يكون ما حدثا به هو المعلوم المشهور، لا شيء بخلافه، مع ما عُرِفَ من مرجعها الصحيح، فمسروق لا يسأل ولا يأخذ إلا عن الصحابة، كما قال: ما نسأل أصحاب محمد من شيء إلا علمه في القرآن، إلا أن علمنا يقصر عنه، والشعبي فكان لا يروي إلا عن ثقة يسميه، كما قال ابن معين، وكان لا يقول بالتفسير برأيه، بل كان يتورع مع العلم فيه، كما قال: ما من آية إلا وقد سألت عنها، ولكنها الرواية عن اللَّه عز وجل.

ولو أن رجلاً مثلهما من العلماء ذكر قولًا مشهورًا أو قراءة ينسبها لقارئ، كأن يذكرها هو وغيره من العلماء علىٰ تباينهم في الطبقة أو البلد أو المشيخة، حتىٰ يجيء ذلك من غير وجه غير منكر عن غير واحد منهم، كأن يذكر قتادة وهو تابعي بصري وأبو إسحاق السبيعي وهو تابعي كوفي مع سفيان وهو تابع تابعي قراءةً ينسبونها لابن مسعود، فيدل ذلك علىٰ شهرة نسبتها له، وأن المعلوم هو ذلك، لكان ذلك مقبولًا، مع ما عُرِفَ من مرجع هذين الاثنين في ذلك، فأبو إسحاق هو والأعمش في بلاد ابن مسعود الكوفة أعلم الناس بحديث ابن مسعود ومعهما طرقه، حتىٰ أن أحدهم لينسب له الشيء، ويصح في الأثر الصحيح عنه، وأما قتادة، فإنه يفسر بالأثار الصحيحة التي سمع، وينسب بها الأقوال والقراءات للناس، حتىٰ أنه ليذكر في غير مرة القراءة والقول، فيصح عن الصحابة وعمن ذكر بالأثار الصحيحة.

والأمر إن كان شهيرًا عامًّا في العلم به، فإنه يُستغَنىٰ بشهرته وعموم علمه عن تطلب الروايات، والإسناد المعين المتصل إلىٰ من أدرك الزمان التي وقعت فيه الواقعة.

- قال الآجري في الشريعة:

« باب ذكر دفن أبي بكر وعمر مع النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم.

لم يختلف جميع من شمله الإسلام، وأذاقه اللَّه الكريم طعم الإيمان أن أبا بكر وعمر، دُفِنَا مع النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم في بيت عائشة، وليس هذا مما يُحتَاجِ فيه إلىٰ الأخبار والأسانيد المروية: فلان عن فلان، بل هذا من الأمر العام المشهور الذي لا ينكره عالم ولا جاهل بالعلم، بل يستغني بشهرة دفنهما مع النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم عن نقل الأخبار.

والدليل علىٰ صحة هذا القول: أنه ما أحد من أهل العلم قديمًا ولا حديثًا ممن رسم لنفسه كتابًا نسبه إليه من فقهاء المسلمين، فرسم كتاب المناسك، إلا وهو يأمر كل من قدم المدينة ممن يريد حجًّا أو عمرةً أو لا يريد حجًّا ولا عمرة، وأراد زيارة قبر النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم والمقام بالمدينة لفضلها، إلا وكل العلماء قد أمروه ورسموه في كتبهم وعلموه كيف يسلم على النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم، وكيف يسلم علىٰ أبي بكر وعمر.

علماء الحجاز قديمًا وحديثًا، وعلماء أهل العراق قديمًا وحديثًا، وعلماء أهل الشام قديمًا وحديثًا، وعلماء أهل مصر قديمًا وحديثًا، وعلماء خراسان قديمًا وحديثًا، وعلماء أهل اليمن قديمًا وحديثًا، فللَّه الحمد على ذلك. 

فصار دفن أبي بكر وعمر مع رسول اللَّه صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم من الأمر المشهور الذي لا خلاف فيه بين علماء المسلمين، وكذلك هو مشهور عند جميع عوام المسلمين ممن ليس من أهل العلم، أخذوه نقلًا وتصديقًا ومعرفةً، لا يتناكرونه بينهم في كل بلد من بلدان المسلمين.

ولا يمكن أن قائلًا يقول: إن خليفة من خلفاء المسلمين قديمًا ولا حديثًا أنكر دفن أبي بكر وعمر مع النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم منذ خلافة عثمان بن عفان وخلافة علي بن أبي طالب وخلافة بني أمية، لا يتناكر ذلك الخاصة والعامة، وكذلك خلافة ولد العباس، لا يتناكرونه إلىٰ وقتنا هذا، وإلىٰ أن تقوم الساعة ويدفن معهم عيسىٰ بن مريم عليه السلام، كذا روي عن عبد اللَّه بن سلام. »

ولو أن رجلاً مثلهما من العلماء ذكر سبب نزول أو أمرًا من السيرة أو ما شابه علىٰ ذكر غيره له علىٰ الاتفاق فيه بطوله، فيُعلَمُ أنه الأمر المعلوم، إذ لا مخالف عند الناس، وأنه مع ذلك لا يكون إلا صدقًا في الجملة، إذ تتفق فيه الروايات بطوله، مع غلبة الظن باختلاف مراجعها، لكان ذلك مقبولًا.

والأمر إن جاء من غير وجه غير منكر عن غير واحد، فاختلفت مراجعه، واتفقت مع ذلك به علىٰ طوله، كان ذلك الأمر لا يمكن أن يقال إلا صدقًا، وكان بذلك يُستغنَىٰ بذلك فيه عن طلب الروايات والإسناد المعين لمن أدرك حقبة الواقعة.

- قال ابن تيمية في مقدمة في أصول التفسير:

« والمراسيل إذا تعددت طرقها وخلت عن المواطأة قصدًا أو الاتفاق بغير قصد، كانت صحيحة قطعًا، فان النقل إما أن يكون صدقًا مطابقًا للخبر، وإما أن يكون كذبًا تعمد صاحبه الكذب، أو أخطأ فيه، فمتىٰ سلم من الكذب العمد والخطأ، كان صدقًا بلا ريب.

فإذا كان الحديث جاء من جهتين أو جهات، وقد عُلِمَ أن المُخبِرينِ لم يتواطئا علىٰ اختلاقه، وعُلِمَ أن مثل ذلك لا تقع الموافقة فيه اتفاقًا بلا قصد، عُلِمَ أنه صحيح، مثل شخص يحدث عن واقعة جرت، ويذكر تفاصيل ما فيها من الأقوال والأفعال، ويأتي شخص آخر قد عُلِمَ أنه لم يواطئ الأول، فيذكر مثل ما ذكره الأول من تفاصيل الأقوال والأفعال، فيُعلَمُ قطعًا أن تلك الواقعة حق في الجملة.

فإنه لو كان كل منهما كذبها عمدًا أو خطأ، لم يتفق في العادة أن يأتي كل منهما بتلك التفاصيل التي تمنع العادة اتفاق الاثنين عليها بلا مواطأة من أحدهما لصاحبه، فإن الرجل قد يتفق أن ينظم بيتًا وينظم الآخر مثله، أو يكذب كذبة ويكذب الآخر مثلها، أما إذا أنشأ قصيدة طويلة ذات فنون علىٰ قافية وروي، فلم تجر العادة بأن غيره ينشئ مثلها لفظًا ومعنىً مع الطول المفرط، بل يعلم بالعادة أنه أخذها منه، وكذلك إذا حدث حديثًا طويلًا فيه فنون، وحدث آخر بمثله، فإنه إما أن يكون واطأه عليه أو أخذه منه، أو يكون الحديث صدقًا.

وبهذه الطريق يُعلَمُ صدق عامة ما تتعدد جهاته المختلفة علىٰ هذا الوجه من المنقولات، وإن لم يكن أحدها كافيًّا إما لإرساله، وإما لضعف ناقله، لكن مثل هذا لا تُضبَطُ الألفاظ والدقائق التي لا تُعلَمُ بهذه الطريق، فيحتاج ذلك إلىٰ طريق يثبت بها مثل تلك الألفاظ والدقائق.
‏ولهذا ثبتت بالتواتر غزوة بدر وأنها قبل أحد، بل يُعلَمُ قطعًا أن حمزة وعليًّا وعبيدة برزوا إلىٰ عتبة وشيبة والوليد، وأن عليًّا قتل الوليد، وأن حمزة قتل قرنه، ثم يُشَك.ُّ في قرنه هل هو عتبة أو شيبة.
‏وهذا الأصل ينبغي أن يعرف، فإنه أصل نافع في الجزم بكثير من المنقولات في الحديث والتفسير والمغازي، وما ينقل من أقوال الناس وأفعالهم وغير ذلك. »
‏ولو أن رجلًا كمحمد بن إسحاق في خاص علمه بالسيرة قد حدث بشيء منها من غير شيء أخر خلاف ما ذكر عند أهل العلم بالسير، فكان ذلك الذي ذكر هو المعلوم المشهور لا غير، ثم كان مع ذلك يحدث به في المدينة بين أظهر أبناء المهاجرين والأنصار، فحدث بسيرة أجدادهم، ولم يتهمه أحد، ولا نسبه للكذب علىٰ أجداده أحد، لكان ذلك مقبولًا منه في جملته دون دقائق تفاصيله.
‏والأمر المذكور إن أقره العلماء الكثر كان بمنزلة المتواتر الذي يشكره جمع كثير من جهة إقرار العلماء له الذي ينزل منزلة ذكرهم له.
‏- قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل بباب معرفة ابن عيينة بالعلم وكلامه في رواة العلم:
‏« نا صالح بن احمد، نا علي، قال: سمعت سفيان وسُئِلَ عن محمد بن إسحاق، قيل له: لم يرو أهل المدينة عنه.
‏فقال سفيان: جالست ابن إسحاق منذ بضع وسبعين سنة، وما يتهمه أحد من أهل المدينة، ولا يقول فيه شيئًا. »
‏هذا، ومثل ذلك النوع من المرسل المرسل في الغيبيات من الأمور التي تُذكَرُ وتُعتَقدُ، والمرسل في تفاسير من تقدم التي يأخذها الواحد عن الثاني، حتىٰ تنتهي إلىٰ النبي عليه السلام، وإلىٰ من أخذ عنه تفسير القرآن من أصحابه، فإنه قد بينه كله لهم، وتناقلت الأمة بيانه، فأغناها عن القول في القرآن بالرأي والاجتهاد، بخلاف الأحكام التي فيها ذلك عند الضرورة، ومثل تلك التفاسير والغيبيات التي تُذكَرُ من غير النبي عليه السلام، فلها حكم المرسل.
‏فهذا أيضًا أهون قبولًا من مرسل الأحكام، إذ كانوا يستغنون في مثل ذلك بمعرفة الناس عن ذكر المرجع والإسناد، فكان يكون معلومًا.
‏ولذلك، فكفىٰ في ذلك معرفة مرجع المرسل، وعمن يأخذ تفسيره، وعمن يأخذ الغيب الذي يذكره ويعتقده، فكفىٰ معرفته وأنه معتمد، أو لا يكون إلا كذلك.
‏- قال الطبري في تفسيره:
‏« حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: سألت أبا بشر عن قوله: (إنه ليس من أهلك)، قال: ليس من أهل دينك، وليس ممن وعدتك أن أنجيهم.
‏قال يعقوب، قال هشيم: كان عامة ما كان يحدِّثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير. »
‏يريد أن مرجعه وعمن يأخذ تفسيره معروف، فإن عامة روايته في التفسير عن سعيد بن جبير.
‏وكذلك معلوم أن ابن جبير يأخذ عن ابن عباس، فعامة روايته في التفسير عنه، وكان يسأله عنه، وهو مختص به، وأما ابن عباس، فإنه لا يُعرَفُ بأخذ التفسير عن غير الصحابة، فقد طلب منهم العلم، فرُوِيَ عنه: وجدت عامة علم رسول اللَّه عليه السلام عند هذا الحي من الأنصار، إن كنت لأقيل عند باب أحدهم، ولو شئت أن يؤذن لي عليه لأذن، ولكن أبتغي بذلك طيب نفسه.
‏ورُوِيَ: قد علمت السنة كلها، غير أني لا أدري أكان رسول اللَّه عليه السلام يقرأ في الظهر والعصر أم لا، ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف: ﴿وقد بلغت من الكبر عتيا﴾، أو ﴿عسيا﴾ 
‏ورُوِيَ: كل القرآن أعلمه إلا أربعًا: غسلين، وحنانًا، والأواه، والرقيم.
‏فهذا إلا ما يُذكَرُ من سؤاله كعبًا عن بعض الآيات التي لم يعرف.
‏- وقال عبد الرزاق في مصنفه:
‏« أخبرنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: الفأرة ممسوخة باية أنه يقرب إليها لبن اللقاح فلا تذوقه، ويقرب لها لبن الغنم فتشربه، فقال له كعب: أشيئا سمعته من رسول اللَّه عليه الصلاة والسلام؟، قال أبو هريرة: أفنزلت علي التوراة! »
يريد أن ما ذكر من مفصل الغيب المحض، أمر لا يُعرَفُ بالعقول والأقيسة، بل لا يُعرَفُ إلا بوحي، فمرجع أبي هريرة إذ يذكره ويجزم به معلوم أنه النبي عليه الصلاة والسلام.
‏ومثل هذا يقال في أثار التابعين في الغيبيات التي يذكرون ويجزمون ويعتقدون، فإنها لا تكون إن شاء اللَّه إلا عن الصحابة الآخذين عن النبي عليه السلام.
‏ولعلي إن شاء اللَّه أكتب مقالًا في ذلك أفصل فيه بأكثر، وأشفي فيه بأعظم، غير أنا نكتفي بما ذكرنا، ونسأله أن يكفينا بأجره ما تعبنا في كتابته من العلم وبثه، وهو الغفور الشكور.

والحمد للَّه رب العالمين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الجواب النبوي الشافي من داء القنوط...

أجر العفة مع المشقة...

لم نزل القرآن متفرقًا علىٰ محكم ومتشابه؟