تفسير قوله: ﴿حسبك اللَّه ومن اتبعك من المؤمنين﴾ ...
بسم اللَّه الحسيب، وبعد:
- فقال الثوري في تفسيره:
« عن شوذب مولىٰ الشعبي، عن الشعبي: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤمِنينَ﴾، اللَّه. »
شوذب وإن كان مجهولًا في الروايات، فقد روىٰ عنه شعبة.
وأما الشعبي، فقد قال: ما من آية إلا وقد سألت عنها، ولكنها الرواية عن اللَّه عز وجل.
فمرجعه في تفسيره معروف، وهي الأثار التي سأل أصحابها عن تفسير القرآن، ولا جرم أنه لن يسأل عن ذلك إلا من كان أهلًا، كيف وهو يخاف التفسير الذي هو رواية عن اللَّه عز وجل لا يفعل ذلك؟
ويعني الشعبي أن المراد من الآية أن حسبك اللَّه ومن اتبعك من المؤمنين حسبهم اللَّه، فهذا تفسيرها في الأثر.
وهو كذلك تفسيرها مع فطر العقول والأفهام أيضًا، فإنه إن كان حسب النبي عليه السلام، كان حسب من اتبعه من المؤمنين كذلك في قياس المثل، وهذا معقول مفهوم.
- وقد قال ابن أبي حاتم في تفسيره:
« حدثنا أبي، ثنا محمد بن حاتم الزمي، ثنا نعيم بن حماد، ثنا أبو تميلة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري في قول اللَّه: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤمِنينَ﴾، قال: يقال: نزلت في الأنصار. »
مراسيل الزهري في التفسير قوية، لأنه يرسل لمعرفة الناس بمرجعه، فقد كان يذكر الشيء عن أصحاب النبي عليه السلام وثقات التابعين يُعرِّفُ مرجعه، ثم يذكره في غير ذلك يرسله عنهم، إذ معروف أنه عنهم.
ومرجعه إذ كان أولئك كان لا يكون إلا صحيحًا إن شاء اللَّه.
- وخذ مثالًا يبين لك ما ذكرت، فقال الطبري في تفسير آية الأنفال من تفسيره:
« حدثنا محمد بن عبد الأعلىٰ، قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن ابن عباس، قال: كان ينفِّل الرجل سَلَب الرجل وفرسه. »
وإنما أخذ قول ابن عباس هذا عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، فلم يذكره هاهنا، لأنه ذكره في موضع أخر.
- قال الطبري:
« حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن القاسم بن محمد، قال: سمعت رجلًا سأل ابن عباس عن الأنفال، فقال ابن عباس: الفرس من النَّفَل، والسلب من النفل.
ثم عاد لمسألته، فقال ابن عباس ذلك أيضًا.
قال الرجل: الأنفال، التي قال اللَّه في كتابه، ما هي؟
قال القاسم: فلم يزل يسأله حتىٰ كاد يُحرِجه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا؟، مَثَلُ صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب. »
وخذ مثالًا أخر، فقال الطبري في تفسير الاستفتاح من تفسيره:
« حدثنا محمد بن عبد الأعلىٰ، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح)، قال: استفتح أبو جهل، فقال: اللهم -يعني محمدًا ونفسه- أينا كان أفجر لك، اللهم وأقطع للرحم، فأحِنه اليوم.
قال اللَّه: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) »
وإنما أخذ الزهري قوله هذا من عبد اللَّه بن ثعلبة بن صعير الصحابي.
- قال الطبري: « قال -يعني ابن وكيع-: ثنا يزيد بن هارون، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبد اللَّه بن ثعلبة بن صعير »، فذكر مثل ما ذكر الزهري.
ثم إنه مرسل مع ذلك في سبب نزول، فمثله إن كان لا معارض له عند أهل العلم يذكرونه، يكون هو المعلوم المشهور.
وذاك التفسير مع نظير الآية: ﴿فَإِنَّ حَسبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذي أَيَّدَكَ بِنَصرِهِ وَبِالمُؤمِنينَ﴾
فبين أنه حسبه وكافيه بالمؤمنين، فهم حسبه وكافيه.
وعلىٰ ذا، فكلا القولين المذكورين عن أهل التأويل القدامىُ في الآية صواب.
والحمد للَّه رب العالمين.
تعليقات
إرسال تعليق