سنة اللَّه في خلقه أن لا يفضح عبدًا عند أول مرة ...
بسم اللَّه الستير، وبعد:
- فقال إسماعيل بن جعفر في حديثه:
« حدثنا حميد، عن أنس: أن عمر أتي بشاب قد حل عليه القطع، فأمر بقطعه، قال: فجعل يقول: يا ويله، ما سرقت سرقة قط قبلها، فقال عمر: كذبت ورب عمر، ما أسلم اللَّه عبدًا عند أول ذنب. »
وهذا صحيح، وسيأتي بيان ذلك.
فانظر يرحمك اللَّه لقول خليفة راشد قوله سنة، يقول: ما أسلم اللَّه عبدًا عند أول ذنب، سبحان اللَّه!
وهذه من سنة اللَّه في خلقه، لصفته واسمه، فهو الموصوف بالستر والمغفرة المسمىٰ الستير، كما قال سلمان: إن اللَّه حيي ستير، فسماه ستيرًا.
وقد كان من عموم فضله الذي عم خلقه علىٰ ظلم أكثرهم، أن سترهم وغفر لهم مؤمنهم وكافرهم ومطيعهم وعاصيهم، وهو ما قال عمر: ما أسلم اللَّه عبدًا عند أول ذنب، فسبحانه.
وأما الأثر، فإنه صحيح، حميد كان يدلس عن أنس، إذ كان مرجعه معروفًا، فهذا وإن كان تدليسًا، فليس يُرَادُ، وله حكم متصل حديثه عن أنس.
ومرجعه المعروف في عامة حديث أنس الذي لم يسمع فثابت، كان يذهب معه إلىٰ الحديث حديث أنس، ويسمع منه ما فاته.
- قال المروذي في العلل:
« سألته عن ثابت وحميد أيهما أثبت في أنس، فقال: ثابت، وقال كان حميد يذهب مع ثابت إلىٰ الحديث، ولقد قال أنس: إن ثابتًا دويته أحبهما. »
- وقال العجلي في ترجمة حميد من الثقات:
« حدثني يحيىٰ بن معين، عن أبي عبيدة الحداد، قال: قال شعبة: لم يسمع حميد من أنس إلا أربعة وعشرين حديثًا، والباقي سمعها من ثابت. »
وهذا صحيح، ورواية ابن معين لكلام شعبة هذا إقرار.
وشعبة، فأعلمهم بالاتصال والانقطاع الذي لا يروي إلا المتصل.
- وقال ابن عدي في ترجمته من الكامل:
« حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن حبان بن مقير، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا حماد بن سلمة، قال: سمعته يقول: عامة ما يحدث به حميد الطويل عن أنس سمعه من ثابت. »
وهذا صحيح، شيوخ ابن عدي الذين لم يذكرهم في الكامل ثقات إن شاء اللَّه، كما بينته في مقال بيان حال مشايخ ابن عدي.
وحماد بن سلمة، فأعلمهم وأثبتهم في ثابت وحميد وحديثهما.
وقد عد من تأخر كابن حجر وغيره حميدًا في المدلسين، ورد منهم من رد ما رواه عن أنس بغير تصريح سماع، حتىٰ قد ردوا ما رواه عن غيره بالعنعنة، وغلطوا.
ذلك أن حميد وإن كان يدلس وذكره النسائي فيمن دلس، فإنما تدليسه خاص، فقد ذُكِرَ بالتدليس، ثم في نظير ذلك ذُكِرَ به عن أنس خاصة، وأن أكثر حديثه عنه لم يسمعه، ولم يذكر له مع ذلك شيء من تدليس عن غيره ما علمت.
فتفسير تدليسه الذي ذكر النسائي إنما هو ذلك.
ثم إن حتىٰ تدليسه عن أنس إنما هو لما ذكرنا، وليس هو تدليس يُرَادُ، فيكون صاحبه كمن قصد التدليس نفسه، وما رواه عن أنس فحكمه حكم ما أسند عن ثابت عنه، واللَّه العالم.
والحمد للَّه رب العالمين.
تعليقات
إرسال تعليق