حد كبار التابعين ...

بسم اللَّه، وبعد:

فكبار التابعين هم من أدركوا زمان ما قبل فتنة عثمان، فأدركوه إدراك رواية أو رؤية بأن كان في الإمكان أن يرووا عنه أو يشاهدوه.

- يدل عليه ما قال مسلم في مقدمة صحيحه:

« حدثنا أبو جعفر محمد بن الصباح، حدثنا إسماعيل بن زكريا، عن عاصم الأحول، عن ابن سيرين، قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلىٰ أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلىٰ أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم. »

والفتنة هاهنا فتنة عثمان، لأنه إنما ظهر أهل البدع من خوارج فمن بعدهم في الأمة ظهورهم، ورووا في بدعهم رواياتهم، إثر وقعة عثمان يرحمه اللَّه، فصار بعدها يُسأَلُ عن الإسناد، وهذا يعني به علىٰ التدقيق، فقد كان في الزمان الأول نقد ومحاققة ومسألة عن الإسناد. 

فصار إذًا ما قبل فتنة عثمان قبل ظهور أهل البدع ظهورهم بعد ذلك ودخولهم في الرواية، هو الزمان الأول القديم الفاضل قبل الفرقة والاختلاف، فهو زمان الكبار الذي يزكىٰ صاحبه به لأصل الخير في الناس آنذاك وفشو الصدق والتدين بالحديث.

- ويؤكد ما ذكرنا ويثبته ما قال ابن أبي خيثمة في تاريخه الكبير:

‏« حدثنا أحمد بن حنبل، قال: أبو داود الطيالسي، قال: أنا شعبة، عن يعلىٰ -يعني: ابن عطاء-، قال: كان يحدثني عن أبيه فيرسله، لا يرويه عن أحد.

‏فقلت له: فأبوك عمن؟

‏فيقول: أنت لا تأخذ عن أبي وقد أدرك عثمان وأدرك كذا؟ »

فذكر عثمان يرحمه اللَّه.

وقد ذكر أحمد الحكاية في موضع أخر بغير إسناد لا ينكرها، وكذلك شعبة هو لا ينكرها، فقد روىٰ عن عطاء عن أبيه، فوثقه، فلم ينكر علىٰ عطاء تعديله أبيه بإدراكه زمانًا فاضلًا زمان عثمان وهو زمان علية التابعين.

وإنما قلنا في حد كبار التابعين من أدركه إدراك رواية أو رؤية، لأن إدراك الولادة قد كان ولا يعتبر، فمن أدرك ولادةً زمان النبي عليه السلام، غير أنه لم يدركه في الرواية ولا رآه، فليس بصحابي بل تابعي، وكذلك من أدرك الصحابة ولادةً، غير أنهم لم يدركهم في الرواية ولا الرؤية، هو ليس بتابعي، وهكذا.

وبعد، فطاووس معدود في أواسط التابعين، وقد أدرك ولادةً زمان عثمان، وليس مع ذلك يعد في الكبار، لأنه ليس يدركه في الرواية ويمكنه أن يروي عنه ويراه.

وربما قال أبو حاتم في الرجل إنه قديم، وإن له إدراكًا، يريد في الولادة لا الرواية والرؤية.

- قال ابن أبي حاتم في المراسيل:

« سمعت أبي يقول: طاووس لم يسمع من عثمان شيئًا، وقد أدرك يعني زمن عثمان لأنه قديم. »

يعني أنه قديم الولادة أدركه ولادةً لا روايةً، ولو كان هذا الأخير لأمكنه السماع منه، وليس كذلك. 

فهذا كذلك، وإمكان الرؤية فأعم من إمكان الرواية واللقاء والسماع، فقد ينتفي الثاني ويبقىٰ الأول، لأنه جائز للراوي أن يرىٰ الرجل ويشاهده، ولا يذهب يلقاه ويسمع منه، بينما لا يجوز له أن لا يراه ولا يشاهده ثم يلقاه ويسمعه، فإذا انتفىٰ إدراك الرؤية انتفىٰ إدراك الرواية، ولا يلزم العكس.

قد بينا ذلك في مقال دلائل السماع وما يثبت ذلك، فلينظر هنالك.

والحمد للَّه رب العالمين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عظمة الطاعة مع المشقة ...

لم نزل القرآن متفرقًا علىٰ محكم ومتشابه؟

الجواب النبوي الشافي من داء القنوط...