نفيس صحيح في مسألة منكر ونكير!

بسم اللَّه النور، وبعد:

- فقال أبو بكر بن أبي شيبة في باب كلام أبي الدرداء من مصنفه:

« حدثنا غندر، عن شعبة، عن يعلىٰ بن عطاء، قال: حدثني تميم بن غيلان بن سلمة، قال: جاء رجل إلىٰ أبي الدرداء وهو مريض، فقال: يا أبا الدرداء إنك قد أصبحت علىٰ جناح فراق الدنيا، فمرني بأمر ينفعني اللَّه به، وأذكرك به.

فقال: إنك من أمة معافاة، فأقم الصلاة، وأد الزكاة إن كان لك مال، وصم رمضان، واجتنب الفواحش، ثم أبشر، فأعاد الرجل علىٰ أبي الدرداء، فقال له أبو الدرداء: مثل ذلك.

فنفصن الرجل رداءه، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ﴾، إلىٰ قوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ 

فقال أبو الدرداء: علي بالرجل، فجاء، فقال أبو الدرداء: ما قلت؟، قال: كنتَ رجلًا معلمًا، عندك من العلم ما ليس عندي، فأردت أن تحدثني بما ينفعني اللَّه به، فلم ترد علي إلا قولًا واحدًا.

فقال له أبو الدرداء: اجلس، ثم اعقل ما أقول لك، أين أنت من يوم ليس لك من الأرض إلا عرض ذراعين في طول أربع أذرع، أقبل بك أهلك الذين كانوا لا يحبون فراقك وجلساؤك وإخوانك، فأتقنوا عليك البنيان وأكثروا عليك التراب، وتركوك لمثل ذلك، وجاءك ملكان أسودان أزرقان جعدان، اسماهما منكر ونكير، فأجلساك ثم سألاك: ما أنت وعلىٰ ماذا كنت؟، وما تقول في هذا الرجل؟

فإن قلت: واللَّه ما أدري، سمعت الناس قالوا قولًا فقلت قول الناس، فقد واللَّه رديت وهويت، وإن قلت: محمد رسول اللَّه عليه السلام، أنزل اللَّه عليه كتابه، فآمنت به وبما جاء به، فقد واللَّه نجوت وهديت، ولن تستطيع ذلك إلا بتثبيت من اللَّه مع ما ترى من الشدة والتخويف.

ثم أين أنت من يوم ليس لك من الأرض إلا موضع قدميك، ويوم كان مقداره خمسين ألف سنة، الناس فيه قيام لرب العالمين، ولا ظل إلا ظل عرش رب العالمين، وأدنيت الشمس، فإن كنت من أهل الظل، فقد واللَّه نجوت وهديت، وإن كنت من أهل الشمس فقد واللَّه رديت وهويت.

ثم أين أنت من يوم جيء بجهنم قد سدت ما بين الخافقين، وقيل: لن تدخل الجنة حتىٰ تخوض النار، فإن كان معك نور استقام بك الصراط، فقد واللَّه نجوت وهديت، وإن لم يكن معك نور تشبثت بك بعض خطاطيف جهنم أو كلاليبها أو شبابيثها، فقد واللَّه رديت وهويت.

فورب أبي الدرداء إنما أقول حق، فاعقل ما أقول. »

هذا حديث صحيح نفيس.

وقد استفدته من الشيخ الخليفي في مقاله عن منكر ونكير، غير أن الشيخ قد غفل عن أن راوي الحديث شعبة، فقال في تميم: إنه مجهول حال، وأنه لا يعلم له سماعًا من أبي الدرداء. 

وليس الأمر عندنا كما قال، بل شعبة لا يروي إلا متصلًا، وإلا عن ثقة.

- قال ابن أبي حاتم في العلل في كلام طويل:

« قلت: فأبو مالك سمع من عمار شيئًا؟

قال : ما أدري ما أقول لك، قد روىٰ شعبة، عن حصين، عن أبي مالك؛، سمعت عمار، ولو لم يعلم شعبة أنه سمع من عمار، ما كان شعبة يرويه. »

فأثبت بروايته السماع من شيخ شيخه.

وأما حديث أبي الدرداء، فلا مرية في أنه عن النبي عليه السلام، كيف وأبو الدرداء يحلف عليه!

وقد ذكره ابن أبي شيبة في باب ما أعد لأهل النار، فذكر بعضه مختصرًا مما يناسب الباب، ثم رواه في باب كلام أبي الدرداء كاملًا.

وقد كانوا يختصرون الأحاديث غير واحد منهم علىٰ الأبواب، فيذكرون الحديث بعضه مختصرًا مما يناسب الباب الذي بوبوه، وربما ذكروه أو غيرهم في غير ذلك كاملًا، وليس هذا باختلاف، ولكنه اختصار علىٰ الأبواب، ومثله كثير.

وفي الحديث مع مسألة منكر ونكير وأن هذا اسمهما وأنهما اثنان لا أكثر وأنهما أسودان أزرقان جعدان، أن الظل الذي يظل اللَّه فيه من يشاء من خلقه، إنما هو ظل العرش.

وقد كنت تكلمت عن هذا الأخير في مقال عنونته: غبطة نبي اللَّه موسىٰ عليه السلام من رجل تحت ظل العرش.

فهذا كذلك، ويجدر بأهل الخير وطلبة العلم أن يذكروا إذ ذكروا اعتقاد منكر ونكير، ذلك الأثر، فإنه قوي كل القوة، ولا شك فيه، وأن لا يقتصروا علىٰ ذكر حديث كذا وكذا مما قد يكون ضعيفًا أو حسنًا لا بأس به ولكنه ليس بقوي كل القوة وفيه من يضعف بشيء من الضعف.

فإن الاعتقاد الظاهر لا يبنىٰ إلا علىٰ أساس ظاهر، وكل اعتقاد لأهل الحديث قد أدخلوه في السنة البينة، وقالوا: من خالفه أو غيره فهو مبتدع خارج عن السنة، فلا يكون هو كذلك عندهم إلا ولهم فيه دليل بين ثبوتًا ودلالةً، فيكون ذكره أولىٰ من ذكر غيره مما هو أضعف دلالة أو ثبوتًا أو أضعف في الاثنين، لئلا يتوهم متوهم أن أهل الحديث يعتقدون ما ليس فيه أساس متين، ويدخلونه في السنة البينة التي من خالفها خرج عن السنة وهو كذلك.

والحمد للَّه رب العالمين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عظمة الطاعة مع المشقة ...

لم نزل القرآن متفرقًا علىٰ محكم ومتشابه؟

الجواب النبوي الشافي من داء القنوط...