بيان حال الأسود بن سالم ...

بسم اللَّه الغفور الودود، وبعد:

- فقال عبد اللَّه بن أحمد في باب ما حفظت عن المشايخ في أبي حنيفة من كتاب السنة:

« جماعة من الفقهاء رحمهم اللَّه. »

- ثم قال:

« حدثني هارون بن سفيان، قال: سألت أسود بن سالم عن أبي زائدة، فقال: كان حافظًا، ولكن كان يذكر أبا حنيفة، ويقول بقوله، فهو عندي ضعيف. »

يعني من أجل ذكره لأبي حنيفة أي يحدث عنه أو يذكره. »

هارون بن سفيان ثقة برواية عبد اللَّه عنه، ولا يروي إلا عن ثقة عند أبيه.

- وقال أبو بكر الخطيب في ترجمة علي بن عاصم من تاريخه:

« أخبرنا أبو عمر بن مهدي إجازة، وحدثنيه الحسن بن علي المقرئ عنه، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب، قال: حدثنا جدي، وقال جدي: حدثني العباس بن صالح، قال: سألت أسود بن سالم. قلت: بلغني أن وكيعًا كان يقدم علي بن عاصم ويرفع أمره ... » إلىٰ آخره.

فهذا وما سبق فيه أن الرجل كان يُسأَلُ عن الرواة وعن أقوال أهل الجرح والتعديل فيهم، وأن عبد اللَّه بن أحمد ويعقوب بن شيبة يذكران كلامه في ذلك.

- قال أبو بكر الخلال في السنة:

« حدثنا أبو بكر، قال: سمعت عبد الوهاب الوراق، يقول: سألت أسود بن سالم عن هذه الأحاديث، فقال: نحلف عليها بالطلاق والمشي، إنها حق. »

أبو بكر هو المروذي، وهذه الأحاديث يعني أحاديث الصفات والرؤية.

- قال الآجري في الشريعة:

« وحدثنا أبو بكر عبد اللَّه بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، قال: نا عبد الوهاب الوراق، قال: قلت للأسود بن سالم: هذه الآثار التي تُروَىٰ في معاني النظر إلىٰ اللَّه تعالىٰ ونحوها من الأخبار؟، فقال: نحلف عليها بالطلاق والمشي.

قال عبد الوهاب: معناه تصديقًا بها. »

- وقال الآجري بعدها:

« وحدثنا أبو حفص عمر بن أيوب السقطي، قال: نا محمد بن سليمان لوين، قال: قيل لسفيان بن عيينة: هذه الأحاديث التي تُروَىٰ في الرؤية؟، قال: حق علىٰ ما سمعناها ممن نثق به. »

فسبحان اللَّه يُسأَلُ الأسود عن أحاديث الرؤية، كما يُسأَلُ عنها سفيان بن عيينة، ويذكر كلامه فيها الآجري وابن بطة والخلال، كما يذكرون كلام غيره من الأئمة في تلك الأحاديث، فأي رجل كان!

ففيما ذكرت دلالة بينة علىٰ أن الرجل ممن كان يُعَدُ في نقاد الحديث وأهل الجرح والتعديل، فهو ثقة لا شك، لأنه معدود في النقاد في خاصة الثقات، وليس لكل ثقة أن يتكلم في الرجال وينقد الحديث. 

وقد وثق الأسود البزار، ورُوِي ذلك عن الطبري، وهذا علىٰ الطريق والصحيح في حال الرجل، واللَّه أعلم.

وقد بلغ من أمر الأسود أنه هجر القاسم بن سلام، وأن الشيوخ كانوا يقرأون بين يديه، وأحمد حاضر غير منكر لذلك ولا لشيء من حديث الأسود فيما علمت.

فمثل هذا رجل جليل ثقة لا شك فيه.

- قال عبد اللَّه في باب المحفوظ عن أبي حنيفة من السنة:

« حدثني محمد بن أبي عمر الدوري المقرئ، قال: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام، يقول: كنت جالسّا ومعنا أسود بن سالم، فذكروا مسألة، فقلت: إن أبا حنيفة يقول فيها كيت وكيت، فالتفت إلي، فقال: تذكر أبا حنيفة في المسجد، فلم يكلمني حتىٰ مات. »

- وقال عبد اللَّه في العلل:

« سمعت أبي يقول: جاء أسود بن سالم إلىٰ عباد بن العوام، فقرأ عليه أحاديث ونحن حضور، فكان منها حديث أبي بكر بن أحمر، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه أن رجلًا من الأزد أتىٰ النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم، فقال: إن عندي ميراث رجل من الأزد وقص الحديث.

فقلت لأبي لأي شيء قرأ عليه، قال: كان عباد قد امتنع من الحديث. »

أفتراه امتنع عن التحديث، ثم أذن لمجهول حاله عنده أن يقرأ عليه، ثم الناس لا ينكرون له وهو كذلك حديثًا علىٰ شهرته وجلالته؟

هذا والرجل مع ما ذكرنا عنه منسوب لبدعة الإرجاء مرجئ مبتدع، فكان يؤخر العمل عن الاستثناء، وينكر ذلك فيه.

- قال عبد اللَّه بن أحمد في باب سُئِلَ عن الإيمان والرد علىٰ المرجئ من السنة:

« سمعت أبي رحمه اللَّه، يقول: كان أسود بن سالم يقول: لا أروي عن علقمة شيئًا، لأنه قال: أرجو أن أكون مؤمنًا، خاصمه صدقة المروزي علىٰ باب ابن علية في الرجل يقول: أنا مؤمن حقًّا، أنكر عليه صدقة، وكلنا أنكرنا عليه ذلك، وكان الأسود يقول: أنا مؤمن حقًّا، وتأول هذه الآية: ﴿وَالَّذينَ آمَنوا وَهاجَروا وَجاهَدوا في سَبيلِ اللَّهِ وَالَّذينَ آوَوا وَنَصَروا أُولئِكَ هُمُ المُؤمِنونَ حَقًّا﴾ 

فقال أبي: إنما هذه لمن آوى ونصر، هذا شيء قد مضىٰ وانقطع هذا لهؤلاء خاصة. »

وقد كان من ذنب الأسود عند قوم أن نقل إجماعة في أبي حنيفة بالذم له ولرأيه وفقهه.

- قال عبد اللَّه في باب جماعة من فقهاء أي ممن تكلم في أبي حنيفة: 

« حدثني أبو الفضل، حدثني أسود بن سالم، قال: إذا جاء الأثر ألقينا رأي أبي حنيفة وأصحابه في الحش، ثم قال لي أسود: عليك بالأثر فالزمه أدركت أهل العلم يكرهون رأي أبي حنيفة ويعيبونه. »

فقالوا: الأسود مجهول الحال، ومع أن ما نقل قد نقله غيره الكثير، فليس هو بمجهول في الحديث، ولو كان كذلك فليس أنه مجهول الصدق والصلاح والفقه، بل قد كان متعبدًا صالحًا، وما ذكره عبد اللَّه في الفقهاء ممن تكلم في الرجل إلا والمعروف أنه قد كان فقيهًا.

فكلامه في فقه فلان وهو كذلك إمام صلاح وفقه وأن الفقهاء ذموه لا يُحتَاجُ فيه لوثاقة الحديث وضبطه، فهذا شيء، وذاك شيء، والطعن فيه في ذلك بجهالة حاله لكأنه غير معروف بالصدق والفقه باطل. 

- وما أحسن ما قال عبد العزيز الريس: « لا يصح أن نبرئ جناب أبي حنيفة وأهل الرأي بمقابل أن نطعن في أئمة السنة. »

والحمد للَّه رب العالمين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أجر العفة مع المشقة...

لم نزل القرآن متفرقًا علىٰ محكم ومتشابه؟

الجواب النبوي الشافي من داء القنوط...