أصل في التفسير التفسير مع لغة الكلام وعادة صاحبه فيه ...

بسم اللَّه الذي أعطىٰ كل شيء خلقه ثم هدىٰ، وبعد:

- فقال ابن تيمية في قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة:

« ومن لم يعرف لغة الصحابة، التي كانوا يتخاطبون بها ويخاطبهم بها النبي صلَّىٰ اللَّه عليه وسلم، وعادتهم في الكلام، وإلا حرف الكلم عن مواضعه، فإن كثيرًا من الناس ينشأ علىٰ اصطلاح قوم، وعادتهم في الألفاظ، ثم يجد تلك الألفاظ في كلام اللَّه أو رسوله أو الصحابة، فيظن أن مراد اللَّه أو رسوله أو الصحابة بتلك الألفاظ ما يريده بذلك أهل عادته واصطلاحه، ويكون مراد اللَّه ورسوله والصحابة خلاف ذلك.

وهذا واقع لطوائف من الناس من أهل الكلام والفقه والنحو والعامة وغيرهم. »

فما أحسن هذا الكلام.

فاعلم يرحمك اللَّه أن القرآن وكل كلام، فهو في تفسيره وبيانه مع لغته، والمعروف من عادة صاحبه فيه، وما أراد من ذلك.

ولذلك فقد أرسل اللَّه الرسل كُلٌّ بلسان قومه، ليبين لهم، فقال اللَّه تعالىٰ: ﴿وَما أَرسَلنا مِن رَسولٍ إِلّا بِلِسانِ قَومِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُم﴾

فأرسل لذلك محمدًا عليه السلام بالقرآن بلغة قومه العربية، ليبين لهم، فقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرّوحُ الأَمينُ (١٩٣) عَلىٰ قَلبِكَ لِتَكونَ مِنَ المُنذِرينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبينٍ﴾

وأرسله مع ذلك به باصطلاح ما أراد في الكلام، وبألفاظ إسلامية، كما جاء القرآن بالصلاة علىٰ معنىٰ عبادة المسلمين المعروفة، التي تحليلها التكبير وتحريمها التسليم، في غير ذلك مما جاء علىٰ معنىً إسلامي.

فإنما القرآن في التفسير مع ذلك، فليس ينبغي تفسير شيء منه، وكذلك الحديث وكلام من تقدم من السلف، بمعزل عن لسان العرب، واصطلاح ما أُرِيدَ به، بظاهر متوهم لا حقيقة له.

فإنما ظاهر الكلام المعتبر، ظاهره في لسانه، وعادة صاحبه، وما أراد من الاصطلاح به، لا ظاهره في لسان غير لسانه، وفي محدث اصطلاح مَن بعده. وما عُرِفَ في عادة غير صاحبه.

فإن حمل حامل كلام القرآن العربي، ففسره بمحدث اصطلاح  معاصر عنده، خلاف ما تعرف العرب وتتكلم به، ثم صير كلامًا فيه علىٰ عوج فهمه شبهة له، كان في ذلك جاهلًا بالكلام وتفسيره، غالطًا في فهمه غلطًا بينًا.

فمن ذلك حمل جهلة الإلحاد، وتبعهم من جهلة الغلاة من تبعهم، فحملوا لفظ الأرض علىٰ غير ما تعرف العرب، وعلىٰ اصطلاح معاصر حادث القرآن سابقه.

فيُحملُ قوله تعالىٰ: ﴿وَإِلَىٰ الأَرضِ كَيفَ سُطِحَت﴾، وما كان في ذلك، علىٰ أن الأرض في كل ذلك مجموع اليابس والماء، وشكل ذلك الخارجي.

فهذا، حتىٰ أن من جهل العلم، ولم يوفق فيه للفهم ممن يرىٰ ذلك علىٰ إلحاد فيه أو غلو، قد ادعىٰ خلاف القرآن لكروية الأرض، وهو يريد طعنًا به، بينما ادعىٰ غيره إجماعة من تقدم علىٰ شكل الأرض الخارجي، أنه مسطح، إذ رأىٰ تفسيرهم لتلك الآيات، وقول الطبري في مد الأرض أن اللَّه مدها طولًا وعرضًا.

ثم لم يرضَ بذلك حتىٰ أكفر من خالفه فيه علىٰ عجيب ظاهريته، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه.

وليست الأرض عند العرب، ولا عند من تقدم ممن لم يُدرِكُوا زماننا، ولا اصطلاحتنا، إلا ما قابل السماء من اليابسة.

- قال أحمد بن فارس في مقاييس اللغة:

« الهمزة والراء والضاد: ثلاثة أصول، أصل يتفرع وتكثر مسائله، وأصلان لا ينقاسان، بل كل واحد موضوع حيث وضعته. »

- ثم قال:

« فأما هذان الأصلان، فالأرض الزكمة، رجل مأروض أي مزكوم، وهو أحدهما.

والآخر الرعدة، يقال: بفلان أرض أي رعدة.

وأما الأصل الأول فكل شيء يَسفُل، ويقابل السماء، يقال لأعلىٰ الفرس: سماء، ولقوائمه: أرض.

قال:

وأحمر كالديباج أما سماؤه … فريا وأما أرضه فمحول 

سماؤه: أعاليه، وأرضه: قوائمه. »

وليس مراده تعالىٰ، إذ ذكر الأرض وما فعل فيها، إلا اليابسة، وما نمشي عليه، ونسير.

فقال تعالىٰ في الحجر: ﴿وَالأَرضَ مَدَدناها وَأَلقَينا فيها رَواسِيَ وَأَنبَتنا فيها مِن كُلِّ شَيءٍ مَوزونٍ (١٨) وَجَعَلنا لَكُم فيها مَعايِشَ وَمَن لَستُم لَهُ بِرازِقينَ﴾

وفي نظيرها في الأعراف يقول: ﴿وَلَقَد مَكَّنّاكُم فِي الأَرضِ وَجَعَلنا لَكُم فيها مَعايِشَ قَليلًا ما تَشكُرونَ﴾

فقال في تلك أنه مد الأرض، وقال في هذه أنه مكننا فيها، فإنما مد اليابسة التي نمشي عليها، فأمكننا فيها من المشي، فإنما الأرض في قوله ذلك.

وقال: ﴿هُوَ الَّذي جَعَلَ لَكُمُ الأَرضَ ذَلولًا فَامشوا في مَناكِبِها﴾ 

يعني جعلها مُعبَّدة مذللة، للمشي عليها، وذلك بأن مدها، وأثبتها بالروسي الجبال، لئلا تميد بنا، كما قال.

وقال أهل التأويل ممن تقدم في مناكبها غير قول.

فقيل: جبالها، ومن قال ذلك، فلأنه جعل الأرض مذللة للمشي سهلة بأن ألقىٰ فيها الجبال، فأثبتها، فكان في ذلك أمره بالمشي في مناكبها، معنيًا به الجبال.

وقيل: جوانبها وأطرافها، وطرقها وفجاجها، ومن قال ذلك، فلأنه قال علىٰ لسان رسوله نوح عليه الصلوات والسلام: ﴿لِتَسلُكوا مِنها سُبُلًا فِجاجًا﴾ 

ولأن المعقول في فطرة عقول البشر، أن المشي علىٰ الأرض، فعلىٰ طرقها، فهذا تفسير ذلك علىٰ ما عقلت عقول الناس بفطرهم، دون تفسيرها بخاص الرأي والظنون.

وعلىٰ ذلك، فإنما أخبر ومن أصدق منه قيلًا أنه مد اليابسة، وما قابل السماء، فقال: فامشوا في مناكبها وطرقها وجبالها. 

فهل يجوز لأحد أن يقول في ذلك: إن مرادًا به أن امشوا في شكل الأرض الخارجي، وفي مجموع اليابسة والسماء؟!

وأيش شيء أن يحتج تعالىٰ، وله الحجة البالغة، علىٰ كفار مكة، بما لم يروه، ولا عاينوه، ولا في مستطاعهم ذلك.

وإنما احتج عليهم بأثار مفصل علمه وقدرته، إذ أنكروا أن يعلم بهم وعظامهم رميم، وأن يخرجهم وأجسادهم في الأرض ضالة، فاحتج عليهم في ذلك بالأثر المحسوس علىٰ تمام علمه وقدرته.

فقال: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَىٰ الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَىٰ السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَىٰ الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَىٰ الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾

فليس هاهنا شيء ذكر، إلا وهو مرئي مشاهد، فكذلك الأرض التي ذكر، إنما هي ما رأىٰ كفر قريش وشاهدوا، لا علىٰ معنىٰ شكل الأرض الخارجي. 

ومن ذلك أيضًا أن النجم عند العرب كل ما نجم.

قال تعالىٰ: ﴿وَالنَّجمُ وَالشَّجَرُ يَسجُدانِ﴾ 

والشجر ما قام علىٰ ساق من النبات، والنجم مقرون به لاحقه، فهو ما قام علىٰ غير ساق من النبات، سُمِّي نجمًا، لنجومه علىٰ الأرض وظهوره.

- قال أحمد بن فارس في مقاييس اللغة:

« النون والجيم والميم: أصل صحيح يدل علىٰ طلوع وظهور.

ونجم النجم: طلع، ونجم السن والقرن: طلعا، والنجم: الثريا، اسم لها، وإذا قالوا: طلع النجم، فإنهم يريدونها.

وليس لهذا الحديث نجم، أي أصل ومطلع.

والنجم من النبات: ما لم يكن له ساق، من نجم، إذا طلع. »

وعلىٰ ذا، فإن الشهب التي لا تثبت وتنجم في السماء وتظهر نجوم، وهي النجوم الصغار.

وكذلك ما يثبت وينجم في السماء ويظهر نجوم، وهي النجوم الكبار.

فالنجم ليس كما نقوله الأن للنجوم الكبار الثابتة في السماء فقط، بل هو عند العرب يقال للشهب، وكل ما نجم وظهر، فهو نجم.

فحمل ما ذُكِرَ في القرآن من النجوم التي جُعِلت رجومًا للشياطين حينئذ، علىٰ النجوم الكبار، وعلىٰ اصطلاحنا العصري أنها ذلك، دون الشهب، ثم تصيير ذلك شبهةً، ظلمٌ عظيم وغلطٌ جسيم.

وإنما معنىٰ قوله: ﴿وَلَقَد زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنيا بِمَصابيحَ وَجَعَلناها رُجومًا لِلشَّياطينِ﴾ 

أي زينها بالنجوم الصغار التي هي كالمصابيح لإنارتها، وهي الشهب التي تنجم في السماء، وجعل اللَّه الشهب رجومًا للشياطين، تُرجَم بها وتُرمَىٰ.

والقرآن يفسر بعضه بعضًا، ويظهر مع بعضه البعض المراد منه.

قال: ﴿إِلّا مَن خَطِفَ الخَطفَةَ فَأَتبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ 

وقال: ﴿إِلَّا مَنِ استَرَقَ السَّمعَ فَأَتبَعَهُ شِهابٌ مُبينٌ﴾

وقال حكايةً عن الجن: ﴿وَأَنّا كُنّا نَقعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمعِ فَمَن يَستَمِعِ الآنَ يَجِد لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾

فإنما أراد الشهب، لا النجوم الكبار. 

وكذلك قوله: ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنيا بِزينَةٍ الكَواكِبِ﴾ 

ليس الكوكب كما نقوله الأن للشمس والقمر وغيرهما.

وإنما الكوكب عند العرب أكثر الشيء ومعظمه ومجمعه، ويقال في المثل للقوم يتفرقون: ذهبوا تحت كل كوكب، أي تحت كل مجمع.

- قال ابن فارس في مقاييس اللغة:

« الكاف والباء أصل صحيح يدل علىٰ جمع وتجمع، لا يشذ منه شيء. »

- ثم قال:

« والكوكب يسمىٰ كوكبًا من هذا القياس. »

يعني كوكب السماء من الشهاب يسمىٰ كذلك كوكبًا لأنه معظمها ومجمعها إذ انقض وسقط.

- وقال مسلم في صحيحه:

« حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا هشي، أخبرنا حصين بن عبد الرحمن، قال: كنت عند سعيد بن جبير، فقال: أيكم رأىٰ الكوكب الذي انقض البارحة؟، قلت: أنا ... »، فذكر الحديث.

يعني به أيكم رأىٰ الشهاب الذي انقض البارحة.

والحمد للَّه رب العالمين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عظمة الطاعة مع المشقة ...

توبة في الليل وتوبة في النهار!

تفسير قوله: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾